مقررات دورة حلية طالب العلم //للـــفائــدة//

الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.
الشريطالسادس .. الوجه الأولــ ..

kolob11.gif
تابع شرح الفصل الرابع
kolob11.gif








*`'شرح الشيخ ¸.*





[[ معنى خذ تقسيم الصديق في أدق المعايير]]
اي تلاحظه الملاحظة التامة , حنى لا يغرك بهرجته او كلامه الظاهر , هذا مراده .







يغتر ويعطيك من طرف لسانه ويروغ عنك كما يروغ الثعلب





يلقاك يحلف انه بك واثق فإذا توارى عنك فهو العقرب








wardahsagerah.gif
المتن
wardahsagerah.gif


[[ وخذ تقسيم الصديق في أدق المعايير
صديق منفعة







صديق لذة





صديق فضيلة







فالأولان منقطعان بانقطاع موجبهما، المنفعة في الأول واللذة في الثاني





وأما الثالث فالتعويل عليه، وهو الذي باعث صداقته تبادل الاعتقاد في رسوخ الفضائل لدى كل منهما





وصديق الفضيلة هذا "عمله صعبه" يعز الحصول عليها





ومن نفيس كلام هشام بن عبد الملك "م سنة 125هـ"قوله





"ما بقى من لذات الدنيا شئ إلا أخ أرفع مؤونة التحفظ بيني وبينه" أ هـ.





ومن لطيف ما يُقَيَّدُ قول بعضهم:





العزلة من غير عين العلم زلة ومن غير زاي الزهد علة ]]









*`'شرح الشيخ ¸.*

[[ الاصدقاء قسمهم الى ثلاث أصدقاء ]]





صديق منفعة







هو الذي يصادقك ما دام ينتفع منك , بمال او جاه او غير ذلك .





فإذا انقطع الانتفاع فهو عدوك لا يعرفك ولا تعرفه , وما أكثر هؤلاء ما أكثر الذين يلمزون في الصدقات , اذا أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها اذا هم يسخطون .





صديق لك حميم ترى انه من أعز الناس عندك وانت من أعز الناس عنده , يسألك يوما من الأيام كتابا مثلا فتقول انك محتاج الكتاب أعطيك اياه غدا , فتجده ينتفخ عليك ويعاديك , هل هذا صديق ؟








الثاني : صديق اللذة .





لا يصادقك الا لأنه يتمتع بالجلوس اليك والمحادثات والمسامرات , ولكنه لا ينفعك ولا تنتفع منه , وكل منكما لا ينفع الآخر , ليس الا ضياع وقت










الثالث : صديق الفضيلة





يحملك على ما يزين وينهاك عما يشين





ويفتح لك ابواب الخير ويدلك عليه , واذا زللت نبهك على وجه لا يخدش كرامتك , هذا هو الصديق





كلمة صديق المنفعة , من أوسع هذه الاقسام , لان المنافع كثيرة جدا , فاذا رايت ان هذا الرجل لا يصادقك الا حيث يرتضع منفعتك فاعلم انه عدو وليس بصديق








كذلك صديق اللذة الذي يشغلك ويلهيك , التمتع بالسمر واضاعة الوقت بالخروج الى المنتزهات وما الى ذلك , ايضا هذا لا خير فيه .





الذي يجب ان تعض عليه بالنواجذ هو صديق الفضيلة .





kolob11.gif
انتهى الفصل الرابع
kolob11.gif







 
تفريغ مقرر الاختبار الرابع

1_1233214184.gif

المادة الصوتية



الشريط السابع
إلى الدقيقة 56​




[[
kalb1.gif
المتن
kalb1.gif
]
]

•°•[[الفصل الخامس آداب الطالب في حياته العلمية]]•°•
•°•[[ الأمر الرابع والعشرون- كِبَرُ الْهِمَّةِ في العِلْمِ :
من سجايا الإسلامِ التَّحَلِّي بكِبَرِ الْهِمَّةِ ؛ مرْكَزِ السالِبِ والموجِبِ في شَخْصِك ، الرقيبِ على جوارِحِك ، كِبَرُ الْهِمَّةِ يَجْلُبُ لك بإذْنِ اللهِ خَيْرًا غيرَ مَجذوذٍ ، لتَرْقَى إلى دَرجاتِ الكَمالِ ، فيُجْرِيَ في عُروقِك دَمَ الشَّهَامةِ ، والرَّكْضَ في مَيدانِ العِلْمِ والعَمَلِ ، فلا يَراكَ الناسُ وَاقِفًا إلا على أبوابِ الفضائلِ ولا باسطًا يَدَيْكَ إلا لِمُهِمَّاتِ الأمورِ .]]•°•

..
KALBSAGERAHMR.gif
الشــرح
KALBSAGERAHMR.gif
..

وهذا من أهم ما يكون، أن يكون الإنسان في طلب العلم له هدف ليس مراده مجرد قتل الوقت بهذا الطلب بل يكون له همة , ومن أهم همم طالب العلم أن يريد القيادة والإمامة للمسلمين في علمه , ويشعر أن هذه درجة هو يرتقي إليها درجة درجة حتى يصل إليها , وإذا كان كذلك فسوف يرى أنه واسطة بين الله عز وجل وبين العباد في تبليغ الشرع , هذه مرتبة ثانية , وإذا شعر بهذا الشعور فسوف يحرص غاية الحرص على اتباع ما جاء في الكتاب والسنة معرضاً عن آراء الناس , إلا أنه يستأنس بها ويستعين بها على معرفة الحق , لأن ما تكلم به العلماء رحمهم الله من العلم لا شك أنه هو الذي يفتح الأبواب لنا , وإلا لما استطعنا أن نصل إلى درجة أن نستنبط الأحكام من النصوص أو نعرف الراجح من المرجوح وما أشبه ذلك .
فالمهم أن يكون الإنسان عنده همة , وهو بإذن الله إذا نوى هذه النية فإن الله سبحانه وتعالى سيعينه على الوصول إليها .


9Et99795.bmp


[[
kalb1.gif
المتن
kalb1.gif
]
]

•°•[[ والتَّحَلِّي بها يَسْلُبُ منك سَفاسِفَ الآمالِ والأعمالِ ، ويَجْتَثُّ منك شَجرةَ الذُّلِّ والهوانِ والتمَلُّقِ والْمُداهَنَةِ فَكَبِيرُ الْهِمَّةِ ثابتُ الْجَأْشِ ، لا تُرْهِبُهُ المواقِفُ ، وفاقِدُها جَبانٌ رِعديدٌ ، تُغْلِقُ فَمَه الفَهَاهَةُ ..]]•°•

..
KALBSAGERAHMR.gif
الشــرح
KALBSAGERAHMR.gif
..

هذا صحيح . التحلي بعلو الهمة يسلب عنك سفاسف الآمال والأعمال .
الآمال : هي أن يتمنى الإنسان الشيء دون السعي في أسبابه , فإن المؤمن كيس فطن لا تلهه الآمال , بل ينظر الأعمال ويرتقب النتائج .
وأما من تلهيه الآمال ويقول : إن شاء الله أقرأ هذا , أراجع هذا , الآن أستريح وبعد ذلك أراجع . أو تلهيه الآمال بما يحدث للإنسان أحياناً , يتصفح الكتاب من أجل مراجعة مسألة من المسائل ثم يمر به في الفهرس أو في الصفحات مسائل تلهيه عن المقصود الذي من أجله فتح الكتاب ليراجع وهذا يقع كثيراً , فينتهي الوقت وهو لم يراجع المسألة التي من أجلها صار يراجع هذا الكتاب أو فهرس هذا الكتاب فإياك والآمال المخيبة . اجعل نفسك قوي العزيمة عالي الهمة . وقد مر علينا أحاديث تدل على أن العناية بالمقصود قبل كل شيء. مثل عتبان بن مالك جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى بيته ليصلي في مكان يتخذه عتبان مصلى فواعده النبي عليه الصلاة والسلام فأعد لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم طعاما وأخبر الجيران بذلك فخرج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلما وصل البيت أخبره عتبان بما صنعه ولكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال أرني المكان الذي تريد أن أصلي فيه فأراه المكان وصلى قبل أن يأكل الطعام وقبل أن يجلس إلى القوم لأنه جاء لغرض فلا تشتغل عن الغرض الذي تريده بأشياء لا تريدها من الأصل لأن هذايضيع عليك الوقت وهو من علو الهمة.


9Et99795.bmp


[[
kalb1.gif
المتن
kalb1.gif
]
]

•°•[[ ولا تَغْلَطْ فتَخْلِطْ بينَ كِبَرِ الْهِمَّةِ والكِبْرِ ؛ فإنَّ بينَهما من الفَرْقِ كما بينَ السماءِ ذاتِ الرَّجْعِ والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ .
كِبَرُ الْهِمَّةِ حِلْيَةُ وَرَثَةِ الأنبياءِ ، والكِبْرُ داءُ الْمَرْضَى بعِلَّةِ الْجَبابِرَةِ البُؤَسَاءِ ..]]•°•

..
KALBSAGERAHMR.gif
الشــرح
KALBSAGERAHMR.gif
..

(كبر الهمة): إن الإنسان يحفظ وقته ويعرف كيف يصرفه ولا يضيع الوقت بغير فائدة , وإذا جاءه إنسان يرى أن مجالسته فيها إهمال وإلهاء عرف كيف يتصرف .
(وأما كبر النفس ): فهو الذي يحتقر غيره ولا يرى الناس إلا ضفادع ولا يهتم وربما يصعر وجهه وهو يخاطبهم فكما قال الشيخ بكر: بينهما كما بين السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع .


9Et99795.bmp

[[
kalb1.gif
المتن
kalb1.gif
]
]

•°•[[ فيا طالبَ العلْمِ ! ارْسُمْ لنفسِكَ كِبَرَ الْهِمَّةِ ، ولا تَنْفَلِتْ منه ، وقد أَوْمَأَ الشرْعُ إليها في فِقْهِيَّاتٍ تُلابِسُ حياتَك ؛ لتكونَ دائمًا على يَقَظَةٍ من اغتنامِها ، ومنها إباحةُ التيَمُّمِ للمُكَلَّفِ عندَ فَقْدِ الماءِ وعدَمُ إلزامِه بقَبولِ هِبَةِ ثَمَنِ الماءِ للوُضوءِ ؛ لما في ذلك من الْمِنَّةِ التي تَنالُ من الْهِمَّةِ مَنَالًا وعلى هذا فقِسْ ، واللهُ أَعْلَمُ ..]]•°•

..
KALBSAGERAHMR.gif
الشــرح
KALBSAGERAHMR.gif
..

يعني من علو الهمة أن لا تكون متشوفاً لما في أيدي الناس , لأنك إذا تشوفت ومَنَّ الناسُ عليك ملكوك؛ لأن المنة ملك للرقبة في الواقع.
لو أعطاك الإنسان قرشاً لوجد أن يده أعلى من يدك كما جاء في الحديث : ( اليد العليا خير من اليد السفلى)
واليد العليا هي المعطية , والسفلى هي الآخذة , لا تبسط يدك للناس ولا تمد كفك إليهم.
إذا كان الإنسان عادم الماء لو وهب له الماء لم يلزمه قبوله بل يعدل إلى التيمم خوفاً من المنة مع أن الوضوء بالماء فرض للقادر عليه , ولهذا فرق الفقهاء رحمهم الله بين أن تجد من يبيعه ومن يهديه .
فقالوا : من يبيعه اشتر منه وجوباً لأنه لا منة له , حيث أنك تعطيه العوض . ومن أهدى عليك لا يلزمك قبوله . من أجل أن منته تقطع رقبتك , ولكن إذا كان الذي أهدى الماء لا يمن عليك به , بل يرى أنك أنت المان عليه بقبوله , أو من جرت العادة بأنه لا منة بينهم مثل الأب مع ابنه , والأخ المشفق مع أخيه وما أشبه ذلك .
فهنا ترتفع العلة , وإذا ارتفعت العلة ارتفع الحكم . والمهم أن من علو الهمة وكبرها ألا يكون الإنسان مستشرفاً لما في أيدي الناس .
بعض الناس يكون عنده أسلوب في السؤال، أي في سؤال المال , إذا رأى مع إنسان شيئا يعجبه أخذه بيده وقام يقلبه، ما أحسن هذا، ما شاء الله، من أين اشتريته؟ هل يوجد في السوق ؟ لأجل ماذا ؟ حتى يعطيه إياه لأن الكريم سوف يخجل ويقول : إنه ما سأل هذا السؤال إلا من أجل أن أقول: (تعمل عليه) فخذه . هو إذا قال (تعمل عليه) ماذا يقول؟ لا يا أخي فالمهم أن بعض الناس يستشرف أو يسأل بطريق غير مباشر، وكل هذا مما يحط قدر طالب العلم وقدر غيره أيضاً.

9Et99795.bmp
 
kolob11.gif
25- النهمة في الطلب
kolob11.gif


إذا علمت الكلمة المنسوبة إلى الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
« قيمة كل امرئ ما يحسنه »، وقد قيل: ليس كلمة أحض على طلب العلم منها، فاحذر غلط القائل: ما ترك الأول للآخر. وصوابه: كم ترك الأول للآخر!
فعليك بالاستكثار من ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، وابذل الوسع في الطلب والتحصيل والتدقيق، ومهما بلغت في العلم، فتذكر: «كم ترك الأول للآخر»!

إن كل إنسان يحسن الفقه والشرع صار له قيمة، أحسن مما يحسن فتل الحبال مثلا. لأن كل منهما يحسن شيئا، لكن فرق بين هذا وهذا فقيمة كل امرئ ما يحسنه. «وقد قيل: ليس كلمة أحض على طلب العلم منها» وهذا القيل ليس بصحيح. أشد كلمة في الحض على طلب العلم قول الله تعالى (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (سورة الزمر: 90). وقوله تعالى : (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) (سورة المجادلة: 11). وقول النبي صلى الله عليه وسلم :
kalb2.gif
«
من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين »
kalb2.gif

وقوله صلى الله عليه وسلم :« العلماء ورثة الأنبياء » . وأشباه ذلك مما جاء في الحث على طلب العلم، لكن ما نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هي كلمة لا شك أنها جامعة، لكن لا شك أنها ليست أحسن ما قيل في الحث على طلب العلم.

وقوله :«ما ترك الأول للآخر» إما تكون «ما» نافية أو استفهامية فإن كانت «نافية» فالمعنى: ما ترك الأول للآخر شيئا. وإن كانت «استفهامية» فيكون المعنى: أي شيء ترك الأول للآخر؟
وكلا المعنيين يوجب أن يتثبط الإنسان عن العلم، ويقول كل العلم أخذ من قبلي فلا فائدة. فيكون بذلك تثبيط لهمته، لأنه إذا قيل لك: أن من قبلك أخذوا كل شيء. ستقول إذا ما الفائدة.
أما إذا قيل: كم ترك الأول للآخر، فالمعنى: ما أكثر ما ترك الأول للآخر، وهذا يحملك على أن تبحث على كل ما قاله الأولون، ولا يمنعك من الزيادة على ما قال الأولون.
ولا شك أن المعنى الصواب: كم ترك الأول للآخر. فإن قيل: إن الشاعر الجاهلي يقول:


ما أرانا نقول إلا معارا ** أو معادا من قولنا مكرور


فهل هذا صواب؟ الجواب: لا هذا ليس بصواب، وما أكثر الأشياء الجديدة التي تكلمنا بها ولم يتكلم بها من قبلنا. أما إن أراد بهذا حروف الكلمات أو الكلمات، وهذا صحيح لو أراد المعاني.
ولعل الشاعر الجاهلي أراد أنه كل ما يقال من الكلمات والحروف فإنه إما معار أخذه من غيره، وإما معاد.
لكن إذا كان البيت بهذا المعنى فقيمته ضعيفة جدا، رخيصة لأن هذا معلوم لا يحتاج إلى أن ينشره الإنسان في بيت شعر.
قوله :«فعليك بالاستكثار..» يحثك على أن تستكثر من ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك العلم لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر من ميراث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ثم اعلم أن ميراث النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون بالقرآن الكريم أو بالسنة النبوية. فإن كان بالقرآن الكريم، فقد كفيت إسناده والنظر فيه، لأن القرآن لا يحتاج إلى النظر بالسند لأنه متواتر أعظم التواتر.
أما إذا كان بالسنة النبوية فلا بد أن تنظر في السنة النبوية، أولا هل صحت نسبه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أم لم تصح؟ فإن كنت تستطيع أن تمحص ذلك بنفسك فهذا هو الأولى؟ وإلا:


kalb2.gif
إذا لم تستطع شيئا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
kalb2.gif


قوله :«ابذل الوسع» يعني الطاقة في التدقيق، أمر مهم لأن بعض الناس يأخذ بظواهر النصوص وبعمومها دون أن يدقق. هل هذا الظاهر مراد أم غير مراد؟ وهل هذا العام مخصص أم غير مخصص؟ أم هذا العام مقيد أم غير مقيد؟
فتجده يضرب السنة بعضها ببعض لأنه ليس عنده علم في هذا الأمر. وهذا يغلب على كثير من الشباب اليوم الذين يعتنون بالسنة تجد الواحد منهم يتسرع في الحكم المستفاد من الحديث، أو في الحكم على الحديث. هذا خطر عظيم.
يقول «مهما بلغت في العلم فتذكر: كم ترك الأول للآخر» هذا طيب، ولكن نقول: إن أحسن من ذلك مهما بلغت في العلم، فتذكر قول الله عز وجل : (وفوق كل ذي علم عليم) (سورة يوسف: 76). وقوله (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) (سورة الإسراء: 85).
وفي ترجمة أحمد بن عبد الجليل من «تاريخ بغداد» للخطيب ذكر من قصيدة له:


لا يكون السري مثل الدني لا ولا ذو الذكاء مثل الغبي
قيمة المرء كلما أحسن المرء قضاء من الإمـام علـي

هذا سبق الكلام عليه. و«السري» يعني: الشريف عالي الهمة، مثل الوفي ونفي المماثلة ظاهر أيضا، لا يكون الإنسان الذكي مثل الإنسان الغبي ولا ذو العلم مثل الجاهل.


fasel1.jpg

kolob11.gif
26- الرحلة للطلب
kolob11.gif

«من لم يكن رحلة لن يكون رحلة»: فمن لم يرحل في طلب العلم، للبحث عن الشيوخ، والسياحة في الأخذ عنهم، فيبعد تأهله ليرحل إليه، لأن هؤلاء العلماء الذين مضى وقت في تعلمهم، وتعليمهم، والتلقي عنهم: لديهم من التحريرات، والضبط، والنكات العلمية، والتجارب، ما يعز الوقوف عليه أو على نظائره في بطون الأسفار.

قوله :«من لم يكن رحلة لن يكون رحلة» لعل: من لم يكن له.... يرجع إلى الأصل.
قوله :«التجارب» مكسور حرف الراء. والتجربة غلط ما هي لغة عربية، رغم أنها في الشائع بين الناس الآن، حتى طلبة العلم، يقول: تجارب، تجربة. رغم أن الصواب كسر الراء. والمعنى: أن من لم يكن له رحلة في طلب العلم فلن يرحل إليه وتأتي الناس إليه.
واحذر العقود عن هذا على مسلك المتصوفة البطالين، الذين يفضلون «علم الخرق» على «علم الورق». وقد قيل لبعضهم: ألا ترحل حتى تسمع من عبد الرزاق؟ فقال: ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الخلاق؟!
وقال آخر:

إذا خاطبوني بعلم الورق برزت عليهم بعلم الخرق

فاحذر هؤلاء، فإنهم لا للإسلام نصروا، ولا للكفر كسروا، بل فيهم من كان بأسا وبلاء على الإسلام.
الصوفية يدعون أن الله يخاطبهم ويوحي إليهم، وأنه يزورهم ويزورونه وهذا من خرافاتهم.
والعبارة الأخيرة مأخوذة من كلام شيخ الإسلام رحمه الله في المتكلمين قال في هؤلاء :«لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا» يعني أنهم ما نصروا الإسلام الذي جاء لذلك أن هؤلاء المتكلمين حرفوا النصوص عن ظاهرها وأولوها إلى معان أو جددوها بما يزعمون أنه عقل، فتسلط عليهم الفلاسفة وقالوا لهم: أنتم إذا أولتم آيات الصفات وأحاديث الصفات، مع ظهورها ووضوحها، فاسمحوا لنا أن نأول آيات المعاد، أي آيات اليوم الآخر فإن ذكر أسماء الله وصفاته في الكتب الإلهية أكثر بكثير من ذكر المعاد وما يتعلق به، فإذا أبحتم لأنفسكم أن تأولوا في أسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة، فاسمحوا لنا أن نأول في آيات المعاد وننكر المعاد رأسا ولا شك أن هذه حجة قوية لهؤلاء الفلاسفة على هؤلاء المتكلمين، إذ لا فرق.

المهم أن الشيخ وفقه الله هاجم الصوفية، فهم جديرون بالمهاجمة، لأن بعضهم يصل إلى حد الكفر والإلحاد بالله، حتى يعتقد أنه هو الرب كما يقول بعضهم «ما في الجبة إلا الله» يعني نفسه. ويقول:

الرب عبد والعبد رب = يا ليت شعري من المكلف

يعني هما شيء واحد. إلى أمثال ذلك من الخرافات التي يقولونها، لكن ينبغي أيضا أن نهاجم ونركز على مهاجمة أهل الكلام الذين سلبوا الله من كماله بكلامهم انكروا الصفات، فمنهم من أنكر الصفات رأسا كالمعتزلة . ومنهم من أثبت الأسماء، لكن جعلها أسماء جامدة لا تدل على معنى، وغالى بعضهم وقال: إنها أسماء واحدة، وأن السميع هو البصير، وأن السميع والبصير هما العزيز وهما شيء واحد. وغالى بعضهم فقال: هي أسماء متعددة، لكن لا تدل على معنى.
مسلوبة المعنى.
لأنهم لو أثبتوا لها معنى- بزعمهم- لزم تعدد الصفات، وبتعددها وبتعدد الصفات يرون أنه شرك، لأنهم يقولون يلزم تعدد الصفات القديمة كالعلم والسمع والبصر، فيلزم من ذلك تعدد القدماء، وهو أشد شركا من النصارى.
فالحاصل أنه أيضا ينبغي أن يهاجم على أهل الكلام الذين عطلوا لله مما يجب له من صفات كمال بعقول واهية.
والعلماء رحمهم الله الذين تكلموا عن الرحلة لم يدركوا هذا الأثر، الأشرطة المسجلة تغني عن الرحلة، لكن الرحلة أكبر لأن الرحلة إلى العالم، يكتسب الإنسان من علمه وأدبه وأخلاقه، ثم يترك الرجل يتكلم ليس كما يعمله إياه في الشريط.
مثلا: الخطبة، أنت عند رجل يخطب وكلامه جيد... تتأثر به لكن لو تسمع هذا الكلام من الشريط لن تتأثر به تأثرك وأنت تشاهد الخطيب

fasel1.jpg

kalb2.gif

kalb2.gif

kalb2.gif
 
..҉
wardah5.gif
حفظ العلم كتابة
wardah5.gif
҉..


ابذل الجهد في حفظ العلم (حفظ كتاب)، لأن تقييد العلم بالكتابة أمان من الضياع، وقصر لمسافة البحث عند الاحتياج، لا سيما في مسائل العلم التي تكون في غير مظانها، ومن أجل فوائده أنه عند كبر السن وضعف القوى يكون لديك مادة تستجر منها مادة تكتب فيها بلا عناء في البحث والتقصي.
«ابذل» همزة وصل، لكن عند الابتداء بها تكون همزة قطع. بذل الجهد في الكتابة مهم، لا سيما في نوادر المسائل أو في التقسيمات التي لا تجدها في بعض الكتب.

كم من مسألة نادرة مهمة لا يقيدها اعتمادا على أنه يقول: إن شاء الله لا أنساها. فإذا به ينساها ويتمنى لو كتبها، ولكن احذر أن تكتب على كتابك على هامشه أو بين سطوره، كتابة تطمس الأصل فإن بعض الناس يكتب على هامش الكتاب أو بين سطوره كتابة تطمس الأصل، لكن يجب إذا أردت أن تكتب على كتابك أن تجعله على الهامش البعيد من الأصل لئلا يلتبس هذا بهذا، فإن لم يتيسر هذا، كأن ما تريد تعليقه أكثر من الهامش فلا ضير عليك أن تجعل ورقة بيضاء تلصقها بين الورقات وتشير إلى موضعها من الأصل وتكتب ما شئت، وكان طلبة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله يحدثوننا أنهم يأخذون مذكرات صغيرة يجعلونها في الجيب كلما ذكر الإنسان منهم مسألة قيدها، إما فائدة علم في خاطر، أو مسألة يسأل عنها الشيخ فيقيدها، فاستفادوا بذلك كثيرا. ولذا، فاجعل لك (كناشا) أو (مذكرة) لتقييد الفوائد والفرائد والأبحاث المنثورة في غير مظانها، وإن استعملت غلاف الكتاب لتقييد ما فيه من ذلك، فحسن، ثم تنقل ما يجمع لك بعد في مذكرة، مرتبا له على الموضوعات، مقيدا رأس المسألة، واسم الكتاب، ورقم الصفحة والمجلد، ثم اكتب على ما قيدته :«نقل»، حتى لا يختلط بما لم ينقل، كما تكتب :«بلغ صفحة كذا» فيما وصلت إليه من قراءة الكتاب حتى لا يفوتك ما لم تبلغه قراءة.

وللعلماء مؤلفات عدة في هذا، منها
kalb2.gif
«بدائع الفوائد»، لابن القيم،

kalb2.gif
«خبايا الزوايا» للزركشي،

kalb2.gif
كتاب «الإغفال»، و«بقايا الخفايا»، وغيرها.

kalb2.gif
ومنها أيضا «صيد الخاطر» لابن الجوزي

لكن أحسن ما رأيت
kalb2.gif
«بدائع الفوائد» لأبن القيم أربعة أجزاء في مجلدين، فيها من بدائع العلوم ما لا تكاد تجده في كتاب أخر لكل فن. كل ما طرأ على باله قيده، لذلك تجد فيه من العقائد في التوحيد، في الفقه، في النحو، في البلاغة، في التفسير، في كل شيء.


أحيانا يبحث في كلمة من الكلمات اللغوية في صفحة تحليلا وتفريعا واشتقاقا وغير ذلك. بحث بحثا بالغا في الفرق بين «المدح والحمد»، كتب كتابة فائقة في ذلك، وقال: كان شيخنا إذا بحث في مثل هذا أتى بالعجب العجاب لكنه كما قيل:


kalb1.bmp
تألق البرق نجديا فقلت له إليك عني فإني عنك مشغول
kalb1.bmp


يعني رحمه الله مشغول بما هو أهم من التحقق في اللغة العربية وإلا فهو- شيخ الإسلام – رحمه الله آية في اللغة العربية، لما قدم مصر اجتمع بأبي حيان المصري الشهير صاحب «البحر المحيط» في التفسير، وكان أبو حيان يثني على شيخ الإسلام ثناء عطرا، ويمدحه بقصائد عصامية، ومن جملة ما يقول فيه:


kalb2.gif
قام ابن تيمية في نصر شريعتنا مقام سيد يتم إذ عصت مضر
kalb2.gif



يعني أبي بكر يوم الردة. فلما قدم مصر شيخ الإسلام اجتمع بهذا الرجل- أبي حيان- وتناظر معه في مسألة نحوية واحتج عليه أبو حيان بقول سيبويه في كتابه، قال إن سيبويه في كتابه قال كذا وكذا. فكيف تخالفه؟.

فقال له شيخ الإسلام:«وهل سيبويه نبي النحو؟!» يعني: حتى يجب علينا اتباعه، ثم قال:«لقد غلط في الكتاب في أكثر من 80 موضعا لا تعلمها أنت ولا هو». سبحان الله !! هكذا يقول لسيد النحاة.
يقال: إن أبا حيان بعد ذلك أخذ عليه وصار بنفسه فأنشأ قصيدة يهجوه فيها.
عفا الله عنا وعنهم جميعا. المهم أن كتاب «بدائع الفوائد» من أجمل الكتب، فيه فوائد لا تجدها في غيره.
وعليه، فقيد العلم بالكتاب، لاسيما بدائع الفوائد في غير مظانها، وخبايا الزوايا في غير مساقها، ودررا منثورة تراها وتسمعها تخشي فواتها...... وهكذا، فإن الحفظ يضعف، والنسيان يعرض.
قوله:«لاسيما بدائع» الأفصح في هذا أن تكون مرفوعة بعد لاسيما، يجوز النصب ولكن الأحسن الرفع.
ومعني الكلام: أنه يحث على كتابة هذه الأشياء، بدائع الفوائد التي تعرض للإنسان حتى لا ينساها وكذلك أيضا ولاسيما إذا كانت في غير مظانها لأنك أحيانا تبحث عن مسألة تظنها مثلا في باب الصيد وهي مذكورة في مكان آخر، فإذا ذكرت في مكان آخر فقيدها، وكذلك أيضا«خبايا الزوايا في غير مساقها» وهي بمعني الجملة الأولي. و«درر منثورة تراها» وتسمعها تخشي فواتها. وهذه أيضا مسائل تعرض لك أو تعرض في كتب أهل العلم وهي منثورة، فهذه يجب أن تجمعها وتجعلها في كتاب.
قال الشعبي:«إذا سمعت شيئا، فاكتبه، ولو في الحائط». رواه خيثمة.
وإذا اجتمع لديك ما شاء الله أن يجتمع، فرتبه في (تذكرة) أو (كناش) على الموضوعات، فإنه يسعفك في أضيق الأوقات التي قد يعجز عن الإدراك فيها كبار الأثبات.
وهل الأولى أن ترتبها على الموضوعات أو أن ترتبها على ألف وباء؟ نرى أنه على ألف باء أحسن، وذلك لأن ترتيبها على الموضوعات تختلف فيه كتب العلماء، تجد مثلا: ترتيب الحنابلة يفترق عن الشافعية لاسيما في المعاملات، بل إن نفس المذهب الواحد يختلف ترتيبه. ترتيب المتقدمين منهم والمتأخرين.


fasel4.gif



..҉
wardah5.gif
حفظ الرعاية
wardah5.gif
҉..


ابْذُل الوُسْعَ في حِفْظِ العلْمِ ( حفْظَ رِعايةٍ ) بالعمَلِ والاتِّباعِ ؛ قالَ الْخَطيبُ البَغداديُّ رَحِمَه اللهُ تعالى : ( يَجِبُ على طالِبِ الحديثِ أن يُخْلِصَ نِيَّتَه في طَلَبِه ، ويكونَ قَصْدُه وَجْهَ اللهِ سبحانَه ، ولْيَحْذَرْ أن يَجْعَلَه سَبيلًا إلى نَيْلِ الأعراضِ ) ، وطريقًا إلى أَخْذِ الأعواضِ ؛ فقد جاءَ الوعيدُ لِمَن ابْتَغَى ذلك بعِلْمِه .
ولْيَتَّقِّ المفاخَرَةَ والْمُباهاةَ به ، وأن يكونَ قَصْدُه في طَلَبِ الحديثِ نَيْلَ الرئاسةِ واتِّخاذَ الأتباعِ وعَقْدَ المجالِسِ ؛ فإنَّ الآفَةَ الداخلةَ على العُلماءِ أَكْثَرُها من هذا الوجْهِ .
ولْيَجْعَلْ حِفْظَه للحديثِ حِفْظَ رعايةٍ لا حِفْظَ روايةٍ ؛ فإنَّ رُواةَ العُلومِ كثيرٌ ، ورُعاتَها قَليلٌ ، ورُبَّ حاضرٍ كالغائبِ ، وعالِمٍ كالجاهِلِ ، وحاملٍ للحديثِ ليس معه منه شيءٌ إذ كان في اطِّرَاحِه لِحُكْمِهِ بِمَنْزِلَةِ الذاهبِ عن مَعرفتِه وعِلْمِه .
ويَنبغِي لطالِبِ الحديثِ أن يَتمَيَّزَ في عامَّةِ أمورِه عن طرائقِ العَوَامِّ باستمعالِ آثارِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما أَمْكَنَه ، وتوظيفِ السُّنَنِ على نفسِه ؛ فإنَّ اللهَ تعالى يقولُ : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } اهـ .

nogom3.gif
wardahsagerah.gif
الشرح
wardahsagerah.gif
nogom3.gif


ابذل الوسع في حفظ العلم(حفظ رعاية) بالعمل والاتباع، قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى:«يجب على طالب الحديث أن يخلص نيته في طلبه، ويكون قصده وجه الله سبحانه. وليحذر أن يجعله سبيلا إلى نيل الأعراض، وطريقا إلى أخذ الأعواض، فقد جاء الوعيد لمن ابتغى ذلك بعلمه.
جاء الوعيد لمن طلب علما وهو يبتغي به وجه الله لغير الله لم يجد عرف الجنة، أي ريحها، وما ذكره الخطيب البغدادي- رحمه الله- حق أن يخلص الإنسان النية في طلب العلم بأن ينوي امتثال أمر الله تعالى والوصول إلى ثواب طلب العلم وحماية الشريعة والذب عنها ورفع الجهل عن نفسه ورفع الجهل عن غيره، كل هذه تدل على الإخلاص، ولا يكون قصده نيل الأعراض كالجاه والرئاسة والمرتبة، أو طريقا إلى أحد الأعواض كالمرتبات لا يريد هذا.

فإذا قال قائل: كل الذين يطلبون العلم في الكليات إنما يقصدون الشهادة ولذلك نرى بعضهم يريد الوصول إلى هذه الشهادات ولو بالباطل كالشهادات المزيفة والغش وما أشبه ذلك. فيقال يمكن للإنسان أن يريد الشهادة في الكلية مع إخلاص النية وذلك أن يريد الوصول إلى منفعة الخلق لأن من لم يحمل الشهادة لا يتمكن من أن يكون مدرسا أو مديرا أو ما أشبه ذلك مما يتوقف على نيل الشهادة.
فإذا قال: أنا أريد أن أنال الشهادة لأتمكن من التدريس في الكلية مثلا، ولولا هذه الشهادة ما درست. أريد الشهادة لأن أكون داعية، لأننا في عصر لا يمكن أن يكون الإنسان فيه داعيا إلى الله إلا بالشهادة.
فإذا كانت هذه نية الإنسان فهي نية حسنة لا تضر إن شاء الله هذا في العلم الشرعي. أما في العلم الدنيوي فانو فيه ما شئت مما أحله الله. لو تعلم الإنسان الهندسة وقال أريد أن أكون مهندسا ليكون الراتب 10 آلاف ريال. فهل هذا حرام؟
لا.. لماذا؟ لأن هذا علم دنيوي، كالتاجر يتاجر من أجل أن يحصل على ربح.
وليتق المفاخرة والمباهاة به، وأن يكون قصده في طلب الحديث نيل الرئاسة، واتخاذ الأتباع، وعقد المجالس، فإن الآفة الداخلة على العلماء أكثرها من هذا الوجه.
وقد جاء الوعيد فيمن طلب ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء. فأنت لا تقصد بعلمك المفاخرة والمباهاة، وأن يكون قصدك أن تصرف وجوه الناس إليك وما أشبه ذلك. هذه نيات سيئة، وهي ستحصل لك مع النية الصالحة إذا نويت نية صالحة، صرت إماما، صرت رئيسا يشير الناس إليك وأخذوا بقولك.
وليجعل حفظه للحديث حفظ رعاية لا حفظ رواية، فإن رواة العلوم كثير ورعاتها قليل، ورب حاضر كالغائب، وعالم كالجاهل، وحامل للحديث ليس معه منه شيء إذا كان في اطراحه لحكمة بمنزلة الذاهب عن معرفته وعلمه.

ومعنى «رعاية» أن يفقه الحديث ويعمل به ويبينه للناس، لأن مجرد الحفظ بدون فقه للمعنى ناقص جدا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :«رب مبلغ أوعى من سامع» .
والمقصود بالأحاديث أو القرآن الكريم هو فقه المعنى حتى يعمل به الإنسان ويدعو إليه، ولكن الله سبحانه وتعالى بحكمته جعل الناس أصنافا، منهم راو فقط ولا يعرف من المعنى شيئا إلا شيء واضح بين لا يحتاج الناس إلى مناقشته فيه، لكنه في الحفظ والثبات قوي جدا، ومن الناس من أعطاه الله فهما وفقها لكنه ضعيف الحفظ إلا أنه يفجر ينابيع العلم من النصوص إلا أنه ضعيف الحفظ، ومن الناس من يعطيه الله الأمرين: قوة الحفظ وقوة الفقه، لكن هذا نادر

¤ [[ وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا لما أتاه الله تعالى من العلم والحكمة مطر أصاب أرضا فصارت الأرض ثلاثة أقسام..]] ¤
kalb2.gif
القسم الأول>>
قيعان ابتلعت الماء ولم تنبت الكلأ، فهذا مثل من أتاه الله العلم والحكمة ولكنه لم يرفع به رأسا ولم ينتفع به ولم ينفع به غيره.

kalb2.gif
القسم الثاني>>
أرض أمسكت الماء ولكنها لم تنبت الكلأ. هؤلاء من الرواة، امسكوا الماء فسقوا الناس واستقوا وزرعوا، لكن هم أنفسهم ليس عندهم إلا حفظ هذا الشيء.

kalb2.gif
والقسم الثالث >>
أرض رياض قبلت الماء فأنبتت العشب والكلأ فانتفع الناس وأكلوا وأكلت مواشيهم. وهؤلاء الذين من الله عليهم بالعلم والفقه، فنفعوا الناس وانتفعوا به.



وينبغي لطالب الحديث أن يتميز في عامة أموره عن طرائق العوام باستعمال آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمكنه، وتوظيف السنن على نفسه، فإن الله تعالى يقول :(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (سورة الأحزاب: 21). اهـ.
«ينبغي» أحيانا يراد بها الوجوب، لكن الشائع في استعمالها أنها للندب. وهذا في الأمور التعبدية ظاهر. أنه ينبغي للإنسان أن يتميز باستعمال آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمور الاتفاقية التي وقعت اتفاقا من غير قصد هل يشرع أن يتبعها الإنسان أم لا ؟
كان ابن عمر رضي الله عنه وعن أبيه يتبع ذلك، حتى أنه يتحرى المكان الذي نزل فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وبال فيه، فنزل ويبول. وإن لم يكن محتاجا للبول.
كل هذا من شدة تحريه لاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم لكن هذا قد خالف أكثر الصحابة فيه ورأوا أن ما وقع اتفاقا فليس بمشروع اتباعه للإنسان. ولهذا لو قال قائل: أيسن لنا الآن ألا نقدم مكة في الحج إلا في اليوم الرابع لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قدم في اليوم الرابع؟
الصحيح أنه لا يشرع لأنه وقع اتفاقا لا قصدا.
ما وقع عادة فهل يشرع لنا أن نتبعه فيه؟ مثلا: العمامة والرداء والإزار.
نقول: نعم يشرع أن نتبعه فيه.

لكن ما معنى الاتباع. هل معناه اتباعه في عين ما لبس؟ أو اتباعه في جنس ما لبس؟

الجواب: الثاني. لأنه لبس ما اعتاده الناس في ذلك الوقت.
وعلى ذلك نقول: السنة لبس ما يعتاده الناس، ما لم يكن محرما، فإن كان محرما وجب اجتنابه ما وقع على سبيل التشهي فهل نتبعه فيه. كان عليه الصلاة والسلام يحب الحلوى، يحب العسل، يتتبع الدباء في الأكل. هل نتبعه في ذلك.
قال أنس رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء- يعني القرع- في الطعام، فمازلت أتتبعها منذ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبعها.
وعلى هذا فهل نقول من المشروع أنك تتبع الدباء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يتبعه أم لا؟
الظاهر أن هذا الاتباع فيه أحرى من الاتباع فيما سبقه- وهو ما وقع اتفاقا- لأن هذا لم يقع اتفاقا، حيث أننا نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين يتتبعها أنه يتتبعها قصدا لا اتفاقا، ولا شك أن الإنسان إذا تتبع الدباء من على ظهر القصعة وهو يشعر أنه يفعل كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لا شك أن هذا يوجب له محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم واتباع آثاره وحينئذ نقول: إذا تتبعت هذا فإنك على الخير، وقد يكون في الدباء منفعة طبية، تسهل وتلين وتكون قدما للطعام.
قوله «باستعمال آثار» هذه العبارة فيها شيء من الركاكة، ولو قال «باتباع آثار»

كما عبر بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية قال: من أصول أهل السنة والجماعة اتباع آثار النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا». وهذا هو اللفظ المطابق للقرآن . (فاتبعوني يحببكم الله) (سورة آل عمران: 31). أما استعمال الآثار فقد يتوهم واحد أن استعمال ثيابه وعمامته وما أشبه ذلك. لكن إذا قلنا اتباع آثار كان ذلك أحسن وأوضح.
وقوله :«توظيف السنن على نفسه» يراد بذلك أن يطبق توظيفها، بمعنى تطبيق السنن على نفسه لأن الله يقول: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة) (سورة الأحزاب: 21).
ولو ذكر آخر الآية لكان أحسن ما هي (لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) (سورة الأحزاب: 21).

fasel4.gif
 
[[
kalb1.gif
المتن
kalb1.gif
]
]


تَعَاهُدُ المحفوظاتِ :
تَعاهَدْ عِلْمَك من وَقتٍ إلى آخَرَ ؛ فإنَّ عَدَمَ التعاهُدِ عُنوانُ الذهابِ للعِلْمِ مهما كان .
.:.:.
kalb1.bmp
[ [ الشــرح] ]
kalb1.bmp
.:.:.

فإن عدم التعاهد عنوان الذهاب، يعني دليل
الذهاب ، ولكن لو عبر بقوله :«فإن عدم التعاهد سبب الذهاب للعلم» لكان أولى لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها». فيدل ذلك على أن عدم التعاهد سبب للنسيان، وليس عنوان الذهاب للعلم، لأن عنوان الشيء يكون بعد الشيء. وسبب الشيء يكون قبل الشيء، وعدم التعاهد سابق على عدم البقاء ، أي بقاء العلم، والخطب في هذا يسير إذا كان المعنى مفهوما ، فالأمر يسير بالنسبة للألفاظ .


fasel321.gif


[[
kalb1.gif
المتن
kalb1.gif
]
]

عن ابنِ عمرَ رَضِي اللهُ عنهما أنَّ رسولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ :(( إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعْقَلَةِ ، إن عاهدَ عليها أَمْسَكَها وإن أَطْلَقَها ذَهَبَتْ )). رواه الشيخانِ ، ومالِكٌ في ( الْمُوَطَّأِ ) .
قالَ الحافظُ ابنُ عبدِ البَرِّ رَحِمَه اللهُ : ( وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ مَن لم يَتَعَاهَدْ عِلْمَه ذَهَبَ عنه ، أيْ مَنْ كان ؛ لأنَّ عِلْمَهم كان ذلك الوَقْتَ القرآنَ لا غيرَ ، وإذا كان القرآنُ الْمُيَسَّرُ للذكْرِ يَذْهَبُ إن لم يُتَعَاهَدْ ؛ فما ظَنُّكَ بغيرِه من العلومِ المعهودةِ ؟! وخيرُ العلومِ ما ضُبِطَ أَصْلُه ، واسْتُذْكِرَ فَرْعُه ، وقادَ إلى اللهِ تعالى ودَلَّ على ما يَرضاهُ ) .

.:.:.
kalb1.bmp
[ [ الشــرح] ]
kalb1.bmp
.:.:.

( وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ مَن لم يَتَعَاهَدْ عِلْمَه ذَهَبَ عنه ) وهذا واضح أن من لم يتعاهد حفظه نسي وكما أن هذا في المعقول فهو أيضا في المحسوس فمن لم يتعاهد الشجرة بالماء تموت، أو تذبل ، وكذلك من لم يتعاهد أغصانها بالشتل ، تتكاثر ويفسد بعضها بعضا فلا تستقيم وكذلك العلوم
(خيرُ العلومِ ما ضُبِطَ أَصْلُه ، واسْتُذْكِرَ فَرْعُه ) يعني كأنه يرد على القواعد والأصول وأنا أحثكم دائما عليهما عليكم بالقواعد والأصول لأن المسائل الفقهية المتفرعة كتلاقط الجراد من أرض صحراء تضيع عليك لكن الذي عنده علم بالأصول هذا هو العالم من فاتته الأصول فاته الوصول.

fasel321.gif



[[
kalb1.gif
المتن
kalb1.gif
]
]


وقالَ بعضُهم ( كلُّ عِزٍّ لم يُؤَكَّدْ بعِلْمٍ فإلى ذُلٍّ مَصيرُه ) اهـ .
.:.:.
kalb1.bmp
[ [ الشــرح] ]
kalb1.bmp
.:.:.

يعني غالبا ، وإلا فقد يكون الإنسان عزيزا بماله وإنفاقه ونفع الناس به فيبقى عزيزا إلى أن يموت ولكن في الغالب أن العز الذي لم يأكد بالعلم أنه يزول.
– التَّفَقُّهُ بتخريجِ الفروعِ على الأُصولِ :
من وراءِ الفِقْهِ : التَّفَقُّهُ ، ومُعْتَمِلُه هو الذي يُعَلِّقُ الأحكامَ بِمَدارِكِها الشرعيَّةِ .
وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ : أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ : (( نَضَّرَ اللهُ امْرَءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا ، فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ )) .
قالَ ابنُ خَيْرٍ رَحِمَه اللهُ تعالى في فِقْهِ هذا الحديثِ : ( وفيه بيانُ أنَّ الفِقْهَ هو الاستنباطُ والاستدراكُ في معاني الكلامِ من طريقِ التَّفَهُّمِ ، وفي ضِمْنِه بيانُ وُجوبِ التفَقُّهِ ، والبحْثُ على معاني الحديثِ واستخراجُ الْمَكنونِ من سِرِّهِ ) اهـ .
وللشيخين ؛ شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ وتِلميذِه ابنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ رَحِمَهما اللهُ تعالى ، في ذلك القِدْحُ الْمُعَلَّى ، ومَن نَظَرَ في كُتُبِ هذين الإمامينِ ؛ سَلَكَ به النَّظَرُ فيها إلى التَّفَقُّهِ طَرِيقًا مُستَقِيمًا .
ومن مَلِيحِ كلامِ ابنِ تَيميةَ رَحِمَه اللهُ تعالى قولُه في مَجْلِسٍ للتَّفَقُّهِ : ( أَمَّا بعدُ ؛ فقد كُنَّا في مَجلِسِ التَّفَقُّهِ في الدِّينِ ، والنظَرِ في مَدارِكِ الأحكامِ المشروعةِ ؛ تَصويرًا ، وتَقريرًا ، وتَأصيلًا ، وتَفصيلًا ، فوقَعَ الكلامُ في ... فأقولُ : لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ ، هذا مَبْنِيٌّ على أَصْلٍ وفَصلَيْنِ ...)
واعْلَمْ أَرْشَدَك اللهُ أنَّ بينَ يَدَي التَّفَقُّهِ : ( التَّفَكُّرَ ) فإنَّ اللهَ - سبحانَه وتعالى – دعا عِبادَه في غيرِ ما آيةٍ من كتابِه إلى التحَرُّكِ بإجالةِ النظَرِ العميقِ في ( التَّفَكُّرِ ) في مَلكوتِ السماواتِ والأرضِ وإلى إن يُمْعِنَ المرءُ النظَرَ في نفسِه ، وما حولَه ؛ فَتْحًا للقُوَى العَقليَّةِ على مِصراعَيْهَا ، وحتى يَصِلَ إلى تَقويةِ الإيمانِ ، وتَعميقِ الأحكامِ والانتصارِ العِلْمِيِّ : { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ } . وعليه فإنَّ ( التفَقُّهَ ) أبعَدُ مَدًى من ( التفَكُّرِ ) ؛ إذ هو حَصيلتُه وإنتاجُه ؛ وإلا { فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} .
لكنَّ هذا التَّفَقُّهَ مَحجوزٌ بالبُرهانِ ، مَحجورٌ عن التَّشَهِّي والْهَوَى : { وَلِئْنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ } .
فيا أيُّها الطالبُ ! تَحَلَّ بالنظَرِ والتفَكُّرِ ، والفقْهِ والتفَقُّهِ ؛ لعلك أن تَتجاوَزَ من مَرحلةِ الفقيهِ إلى ( فقيهِ النفْسِ) كما يقولُ الفُقهاءُ ، وهو الذي يُعَلِّقُ الأحكامَ بِمَدارِكِها الشرعيَّةِ ، أو ( فقيهِ البَدَنِ ) كما في اصطلاحِ الْمُحَدِّثِينَ .
فأَجْلِ النظَرَ عندَ الوارداتِ بتَخريجِ الفُروعِ على الأصولِ ، وتَمامِ العنايةِ بالقواعدِ والضوابطِ . وأَجْمِعْ للنَّظَرِ في فَرْعٍ ما بينَ تَتَبُّعِه وإفراغِه في قالَبِ الشريعةِ العامِّ من قواعدِها وأصولِها الْمُطَّرِدَةِ ؛ كقواعدِ المصالِحِ ، ودفْعِ الضرَرِ والمشَقَّةِ وجَلْبِ التيسيرِ ، وسَدِّ بابِ الْحِيَلِ وسَدِّ الذرائعِ .
وهكذا هُدِيتَ لرُشْدِكَ أَبَدًا ؛ فإنَّ هذا يُسْعِفُكَ في مَواطِنِ الْمَضايِقِ وعليك بالتَّفَقُّهِ – كما أَسْلَفْتُ – في نصوصِ الشرْعِ ، والتبَصُّرِ فيما يَحُفُّ أحوالَ التشريعِ، والتأمُّلِ في مَقاصِدِ الشريعةِ ، فإنْ خَلَا فَهْمُك من هذا ، أو نَبَا سَمْعُكَ ؛ فإنَّ وَقْتَكَ ضائعٌ ، وإنَّ اسمَ الْجَهْلِ عليك لواقِعٌ وهذه الْخَلَّةُ بالذاتِ هي التي تُعطيكَ التمييزَ الدقيقَ ، والْمِعيارَ الصحيحَ ، لِمَدَى التحصيلِ والقُدرةِ على التخريجِ .
فالفقيهُ هو مَن تَعْرِضُ له النازلةُ لا نَصَّ فيها فيَقْتَبِسُ لها حُكْمًا ، والبَلاغِيُّ ليس من يَذْكُرُ لك أقسامَها وتَفريعاتِها ، لكنه مَن تَسْرِي بَصيرتُه البلاغيَّةُ في كتابِ اللهِ ، مَثَلًا ، فيُخْرِجُ من مَكنونِ عُلومِه وُجُوهَها وإن كَتَبَ أو خَطَبَ نَظَمَ لك عِقْدَها . وهكذا في العلومِ كافَّةً .

fasel321.gif


..[[ 30- التفقه بتخريج الفروع على الأصول ]]..
من وراء الفقه: التفقه، ومعتمله هو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية.
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه : أن رسول الله قال : «نضر الله امرؤ سمع مقالتي فحفظها، ووعاها، فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه».
«التفقه» يعني طلب الفقه، والفقه ليس العلم. بل هو إدراك أسرار الشريعة. وكم من إنسان عنده كثير ولكنه ليس بفقيه، ولهذا حذر ابن مسعود رضي الله عنه من ذلك فقال: «كيف لكم إذا كثر قراؤكم وقل فقهاؤكم».
الفقيه هو العالم بأسرار الشريعة وغاياتها وحكمها حتى يستطيع أن يرد الفروع الشاردة إلى الأصول الموجودة، ويتمكن من تطبيق الأشياء على أصولها، فيحصل له بذلك خير كثير.
قال: «نضر الله.. » نضر بمعنى: حسنه، ومنه قوله تعالى : (وجوه يومئذ ناضرة) (سورة القيامة: 22). أي: حسنه، وقوله تعالى : (فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا) (سورة الإنسان: 11). نضرة: يعني حسنا في وجوههم، وسرورا في قلوبهم، فيجتمع لهم حسن الظاهر والباطن. لأن الإنسان قد يغتم قلبه، ووجهه قد أعطاه الله نضارة لكن سرعان ما تزول. ومن الناس من يكون قلبه مسرورا لكن لم يعطه الله نضارة الوجه، ومن الناس من يحصل له الأمران: السرور في القلب ونضارة في الوجه. وبذلك تتم النعمة.

قال ابن خير.- رحمه الله تعالى- في فقه هذا الحديث :«وفيه بيان أن الفقه هو الاستنباط والاستدراك في معاني الكلام من طريق التفهم، وفي ضمنه بيان وجوب التفقه، والبحث على معاني الحديث، واستخراج المكنون من سره» أ هـ. وللشيخين، شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم الجوزية رحمهما الله تعالى، في ذلك القدح المعلي، ومن نظر في كتب هذبن الإمامين، سلك به النظر فيها إلى التفقه طريقا مستقيما.
لا شك أن ما ذكره- وفقه الله- هو الصواب؛ أن الفقه هو استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة. لكن لا ينبغي أن يقتصر على الحديث، بل نقول من الأدلة في القرآن والسنة ودلالات القرآن أقوى من دلالات السنة وأثبت، لأنه لا يعتريه عيب النقل بالمعنى، وأما السنة فهي تنقل بالمعنى. وعلى هذا فيقال: «بالبحث عن معاني القرآن والحديث».
ومن أحسن من رأيت في استخراج الأحكام من الآيات شيخنا- رحمه الله- عبد الرحمن بن سعدي، فإنه يستخرج – أحيانا- من الآيات من الفقه ما لا تراه في كتاب آخر، وهذا الطريق- أعني طريق استنباط الأحكام من القرآن والسنة- هو طريق الصحابة، فما كانوا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلمونها، وما فيها من العلم والعمل. ثم أشار الشيخ بكر إلى شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم- رحمهم الله- وبيان ما يتوصلان إليه من الأحكام الكثيرة من الأدلة القليلة، وقد أعطاهما الله فهما عجيبا في القرآن والسنة.
ونضرب مثلا لهذا- أعني التفقه-، أن العلماء اتخذوا الحكم بأن أقل مدة الحمل ستة أشهر من قوله تعالى :(وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) (سورة الأحقاف:15).
ومن قوله : (وفصاله في عامين) (سورة لقمان: 14). فإن ثلاثين شهرا، عامان وستة أشهر، فإذا كان حمله وفصاله (ثلاثون شهرا) وفي الآية الآخرى (في عامين) لزم أن يكون الحمل أقله ستة أشهر.

ومن مليح كلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- قوله في مجلس للتفقه: «أما بعد، فقد كنا في مجلس التفقه في الدين، والنظر في مدارك الأحكام المشروعة، تصويرا وتقريرا، وتأصيلا، وتفصيلا، فوقع الكلام في ... فأقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا مبني على أصل وفصلين..».
واعلم أرشدك الله أن بين يدي التفقه : (التفكر). فإن الله سبحانه وتعالى دعا عباده في غير ما آية من كتابه إلى التحرك بإجالة النظر العميق في (التفكر) في ملكوت السموات والأرض، وإلى أن يمعن النظر في نفسه، وما حوله، فتحا للقوى العقلية على مصراعيها، وحتى يصل إلى تقوية الإيمان، وتعميق الأحكام، والانتصار العلمي : (كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون) (سورة البقرة: 219). ، (قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون) (سورة الأنعام: 50).
وعليه، فإن «التفقه» أبعد مدى من (التفكر)، إذ هو حصيلته وإنتاجه، وإلا: (فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا) (سورة النساء: 78). لكن هذا التفقه محجوز بالبرهان، محجوز عن التشهي والهوى: (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) (سورة البقرة: 12).
إذا نقول : المراتب، أولا- العلم، ثم الفهم، ثم التفكير، ثم التفقه. لا بد من هذا، فمن لا علم عنده كيف يتفقه؟ وكيف يعلم... من عنده علم وليس عنده فهم.. كيف يتفقه؟ حتى لو حاول أن يتفقه وهو مما لا يفهم لا يمكن ذلك. بعد أن تفهم... تتفكر ما مدلول هذه الآيات؟ وما مدلول هذا الحديث؟ وتتفكر أيضا في أنواع الدلالة،

fasel321.gif
 
تآبع الفصل الخامس ..


..
kalb1.bmp
[[ وأنواع الدلالة ثلاثة ]]
kalb1.bmp
..

1/ دلالة المطابقة 2/ دلالة التضمن 3/ دلالة الالتزام.

kalb2.gif
فدلالة اللفظ على جميع معناه، دلالة مطابقة.

kalb2.gif
ودلالته على بعض معناه، دلالة تضمن.

kalb2.gif
ودلالته على لازم خارج، هذه دلالة التزام.

وهذا النوع الثالث من الدلالة هو الذي يختلف فيه الناس اختلافا عظيما، إذ قد يلتزم بعض الناس من الدليل ما لا يلزم، وقد يفوته ما يلزم. وبين ذلك تفاوت عظيم، فلا بد أن يعمل هذه الدلالات حينئذ يصل إلى درجة التفقه واستنباط الأحكام من أدلتها.

ويذكر أن الشافعي رحمه الله نزل ضيفا على الإمام أحمد بن حنبل- وأحمد تلميذ الشافعي وكان يثني عليه عند أهله- فقدم له العشاء فأكله كله ورد الصحفة.
خالية، فتعجب أهل أحمد كيف يأكل الطعام كله، والسنة أن الإنسان يأكل قليلا.
«حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» . لكن الشافعي أكل كل الطعام. هذه واحدة ثم إن الإمام أحمد انصرف إلى أهله ونام الشافعي فلما كان في آخر الليل قام يتهجد ولم يطلب ماء يتوضأ به، أو أظنه أنه لم يقم يتهجد، ثم أذن الفجر فخرج إلى الصلاة ولم يطلب ماء للوضوء، هذه اثنتان.
فلما أصبح قال أهل الإمام أحمد له كيف تقول في الشافعي ما تقول، والرجل أكل الطعام ونام وقام ولم يتوضأ كيف إذا؟
قال :«آتيكم بالخبر ..» فسأله. قال: فأما الطعام فلا أجد أحل من طعام الإمام أحمد بن حنبل فأردت أن أملأ بطني منه، أما كوني لم أتهجد فلأن التفكير في العلم أفضل من التهجد، وأنا جعلت أتفكر في العلم واستنبط من قول الرسول صلى الله عليه وسلم : «يا أبا عمير ما فعل النغير» . كذا وكذا ما أدري قال: مائة، أو ألف.
أما كوني لم أطلب ماء وأن خارج لصلاة الفجر، فلم أشأ أن أطلب ماء وأنا على وضوء. فذكر ذلك لأهله. فقالوا: الآن !!
wardah5.gif
فهيا أيها الطالب!
wardah5.gif
تحل بالنظر والتفكر، والفقه والتفقه، لعلك أن تتجاوز من مرحلة الفقيه إلى (فقيه النفس) كما يقول الفقهاء، وهو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية، أو (فقيه البدن) كما في اصطلاح المحدثين.

هناك فقه ثالث ظهر، وهو فقه الواقع الذي علق عليه بعض الناس العلم.
وقالوا: من لم يكن فقيها للواقع فليس بعالم، ونسوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». ثم غفلوا عن كون الإنسان يشتغل بفقه الواقع أن ذلك يشغله عن فقه الدين، بل ربما يشغله عن الاشتغال بالتعبد الصحيح، عبادة الله وحده وانصراف القلب إلى الله والتفكر في آياته الكونية والشرعية. والحقيقة أن انشغال الشباب بفقه الواقع صد لهم عن الفقه في دين الله، لأن القلب إذا امتلأ بشيء امتنع عن الآخر.
فانشغال الإنسان بالفقه في الدين وتحقيق العبادة والدين والإخلاص خيرا له من البحث عن الواقع، وماذا فعل فلان؟ وماذا فعل فلان، وربما يتلقون فقه الواقع من روايات ضعيفة أو موضوعة في وسائل الإعلام المسموعة أو المقرؤة أو المرئية أو يبنون ما يظنون فقه واقع على تقديرات وتخمينات يقدرها الإنسان، ثم يقول هذا فعل لهذا، ويعلل بتعليلات قد تكون بعيدة من الواقع.
أو ينظر إلى أشياء خطط لها أعداؤنا من قبل على واقع معين، تغير الواقع وزال بالكلية فبقيت هذه الخطط لا شيء.
والمهم أن فقه النفس، الذي هو صلاح القلب والعقيدة السليمة ومحبة الخير للمسلمين وما أشبه ذلك هذا ينبني عليه فقد البدن: معرفة هذا القول حلال أم حرام. هذا الفعل حلال أم حرام.
فأجل النظر عند الواردات بتخريج الفروع على الأصول، وتمام العناية بالقواعد والضوابط. وأجمع للنظر في فرع ما بين تتبعه وإفراغه في قالب الشريعة العام من قواعدها وأصولها المطردة، كقواعد المصالح، ودفع الضرر والمشقة، وجلب التيسير، وسد باب الحيل، وسد الذرائع.
لا بد لطالب العلم من أصول يرجع إليها، والأصول الثلاثة: الأدلة من القرآن والسنة والقواعد والضوابط المأخوذة من الكتاب والسنة.
والمهم أن يكون لدى الإنسان علم بالقواعد والضوابط حتى ينزل عليها الجزئيات.

fa9l.gif



..
kalb1.bmp
[[ والفرق بين القاعدة والضابط ]]
kalb1.bmp
..

الضابط >> يكون لمسائل محصورة معينة.
القاعدة >> أصل يتفرع عليه أشياء كثيرة.
فالضابط أقل رتبة من القاعدة، كما يدل ذلك اللفظ،
الضابط يضبط الأشياء ويجمعها في قالب واحد. والقاعدة أصل تفرع عنه الجزيئات.

قوله:«فأجل النظر عند الواردات بتخريج الفروع على الأصوال، وتمام العناية بالقواعد والضوابط» هذا من أهم ما يكون، أن الإنسان يجعل نظره أي فكره يتجول بتخريج الفروع على الأصول حتى يتمرن، لأن بعض الناس قد يحفظ القاعدة كما يحفظ الفاتحة ولكن لا يعرف أن يخرج عليها. وهذا لا شك نقص في التفكير. فلا بد من أن يجتهد ويجيل نظره بتخريج القواعد على الأصول.

قوله: «وأجمع للنظر في فرع ما بين تتبعه وإفراغه في قالب الشريعة العام...» وهذا أيضا مهم عند أهل الحديث. يأتي مثلا نص ظاهرة.

الحكم بكذا لكن إذا تأملت في هذا النص وجدنه مخالفا للقواعد العامة من الشريعة، فما موقفك؟

نقول: لا بد أن نرجع إلى القواعد، ويحكم على هذا بما تقتضيه الحاجة. وكذلك قال العلماء فيما لو خالف الإنسان الثقة الثبت من هو أرجح منه، فإن حديثه هذا- وإن كان من حيث النظر إلى مجرد الطريق نحكم بصحته- نقول: إن هذا غير صحيح. لماذا؟ لأنه شاذ. والذي أوجب لكثير من المبتدئين في طلب العلم أن يسلكوا مسلكا شاذا هو هذا. أعني عدم النظر إلى القواعد والأصول الثابتة. وهذا أمر مهم، وذلك لأن الشريعة إنما جاءت لجلب المصالح الدينية والدنيوية ولدرء المفاسد أو تقليلها، سواء كانت المفاسد دينية أو دنيوية، ولهذا تجد أن الله عز وجل يقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة شرعا وقدرا.
تنزل الأمطار على الأرض، وهذا رجل تم بنيانه قريبا. هل يضره المطر أو لا؟ نعم يضره، لكن لا عبرة. لأن العبرة بالعموم.
وكذلك تنزل وهذا الرجل قد انتهي من السقي، والمعروف أن الزرع إذا أصابه الماء، مطرا كان أو سقي بعد الانتهاء من سقيه أنه يضره لكن العبرة بالعموم.
فهذه مسائل ينبغي لطالب العلم أن ينتبه لها، ولهذا قال الشيخ بكر رحمه الله ووفقه الله«وأصولها المطردة كقواعد المصالح».
وهنا نقف لنبين أن بعض الأصوليين أتى بدليل خامس: هو المصالح المرسلة.
فقال: الأدلة هي القرآن والسنة والقياس الصحيح والمصالح المرسلة.
وهذا غلط لأن هذه المصالح الذين يدعون أنها – مصالح مرسلة – إن كان الشرع قد شهد لها أنها مصالح مرسلة فهي من الشرع داخلة في عموم الشرع: كتاب أو سنة قياس كان أو إجماع، وإن لم تكن فيها مصالح شرعية فهي باطلة فاسدة الاعتبار، وحينئذ لا تؤصل أصلا، دليلا ندين الله بالتعبد به بدون دليل من القرآن والسنة. لأن كونك تؤصل أصلا يعني أنك تبني دينك على هذا.
وعلى هذا فتمسح أو فتنسخ ذكر المصالح المرسلة من الأدلة. لماذا؟ لأننا نقول: إن شهد الشرع بهذه المصلحة فهي ثابتة بالكتاب والسنة بعمومتها وقواعدها، وإن شهد ببطلانها فهي باطلة.
الآن من أهل البدع من ركب بدعته على هذا الدليل. قال: هذا من المصالح المرسلة. فالإنسان يحيي قلبه ويحركه بماذا؟ ببدعة صوفية وما أشبه ذلك وقال: نحن نطمئن الآن إذا أتينا بهذه الأذكار وعلى هذه الصفة ويضرب الأرض حتى تتغبر قدماه. قال: هذه مصلحة عظيمة تحرك القلوب.
ماذا نقول: لو قلنا باعتبار المصالح المرسلة كل واحد يدعي أن هذه المصلحة وأصل النزاع الذي أمر الله فيه بالرد إلى الكتاب والسنة أصله أن كل واحد يرى أن كل ما عليه مصلحة، وربما يماري ليكون قوله المقبول.


المهم أن قول الشيخ بكر «كقواعد المصالح» مراده بذلك المصالح الشرعية، فإن كان هذا مراده فهو حق، وإن كان يريد المصالح المرسلة فهو بعيد، لأنه قال بعد ذلك «ودفع الضرر والمشقة»، إنا كان يشير إلى المصالح المرسلة فقد علمت فساد ما يجعلها دليلا مستقلا.

وقوله :«ودفع الضرر» أين نجد من القرآن والسنة دفع الضرر؟ كثير، قال الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) (سورة النساء: 29). وهذه الآية تعم قتل النفس مباشرة بأن ينتحر الإنسان أو فعل ما يكون سببا للهلاك، ولهذا استدل عمرو بن العاص رضي الله عنه بهذه الآية على التيمم خوفا من البرد، مع أن البرد قد لا يميت الإنسان، ولكن قد يكون سببا لموته، استدل بها، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وضحك.
هذا من القرآن. وأيضا من القرآن قوله تعالى : (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا) (سورة المائدة: 6). الشاهد قوله : (مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا) لماذا يتيمم وهو مريض، يقدر أن يستعمل الماء؟ لكن لئلا يزاد مرضه أو يتأخر برأه.

ومن دفع المشقة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى زحاما وهو في السفر، ورجلا قد ظلل عليه. فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم. قال:«ليس من البر الصيام في السفر» . مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم يصوم وهو مسافر، وهل يفعل غير البر ؟! لا لكن إذا وصلت الحال من المشقة فإنه ليس من البر، وإذا انتفى أن يكون من البر، فهو إما من الإثم وإما أن يكون من لا لك ولا عليك.
شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس عطاش وقد شق عليهم الصيام، لكنهم ينظرون متى، فدعا بماء بعد صلاة العصر ووضعه على فخده الشريفة، وجعل الناس ينظرون إليه، فأخذه وشرب، والناس ينظرون. ثم قيل له إن بعض الناس قد صام. فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة».
هل ورد نهي أن يبقوا على صيامهم؟ لا، ولكن العموم ( ولا تقتلوا أنفسكم) (سورة النساء: 29). ، (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (سورة الحج: 78).

** إذا الشرع يراعي قواعد المصالح ودفع الضرر، دفع المشقة **

قوله :«وجلب التيسير» كل الإسلام تيسير، لكن هل اليسر هوما تيسر على كل شخص بعينه أو باعتبار العموم؟ باعتبار العموم. ومع ذلك إذا حصل للإنسان ما يقتضي التيسير وجد الباب مفتوحا: «صل قائما..». إذا هذا تيسير، بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الدين يسر ولا يشاد الدين أحدا إلا غلبه».
كل الدين يسر، وكان إذا بعث البعوث يقول: «يسروا لا وتعسروا، بشروا ولا تنفروا فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين».

فالحمد لله. هذا الدين للإنسان دين يسر، وبناء على ذلك هل يتعمد الإنسان فعل العبادة على وجه يشق عليه أو أن يفعلها على الوجه الأيسر. أيهما أقرب إلى مقاصد الشريعة؟
الثاني، ولهذا لو أن رجلا في البرد حانت صلاة الفجر وعنده ماء، أحدهما ساخن والآخر بارد.
فقال أنا أريد أن أتوضأ بالماء البارد حتى أنال أجر إسباغ الوضوء على المكاره.

وقال الثاني أنا أريد أن أتوضأ بالماء الساخن حتى أوافق مراد الله الشرعي، حيث قال: (يريد الله بكم اليسر) (سورة البقرة: 185). أيهما أصوب؟
الثاني بالإجماع بلا شك هو الموافق للشريعة، لأن إسباغ الوضوء على المكاره ليس المراد منه أن يقتصد الإنسان ما يكره. المراد إذا لم يكن الوضوء إلا بمكروه.. يتوضأ هذا معناه.
وإلا لكان يقول أحجج البيت على قدميك... سر من أفغانستان إلى مكة على قدميك، فإن لم تفعل فعلى سيارة خربة، تمشي قليلا وتقف كثيرا لماذا؟ لأنها أشق.
فإن لم تستطع فعلى طيارة. ليس هذا بصحيح!! أيهما أفضل الطيارة لأنها أسهل وأيسر.
وأول ما خرجت الطيارات كنا نحدث ونحن صغار أن الحج على الطيارة ثمن الحج. وعلى السيارة نصف الحج.

والشاهد على كل حال: جلب التيسير هو الموافق لروح الدين. من هنا نرى أنه إذا اختلف عالمان في رأي، ولم يتبين لنا الأرجح من قولهما لا من حيث الدليل، ولا من حيث الاستدلال، ولا من حيث المستدل.
وأحدهما أشد من الثاني، فمن نتبع الأيسر أم الأشد؟ الأيسر. وقيل الأشد لأنه أحوط؟ لكن في هذا القول لأننا نقول ما هو الأحوط؟ هل هو الأشد على بني آدم أم هو الموافق للشرع؟ الثاني.... ما كان أوفق للشرع.

ثم قال :«وسد الحيل وسد الذرائع». إن هذه الأمة اتبعت سنن من كان قبلها في مسألة الحيل، وأشد الناس حيلا ومكرا هم اليهود، وهذه الأمة فيها من تشبه باليهود وتحايلوا على محارم الله.

fa9l.gif
 
تآبع

[[ والحيلة ]] أصلها حولة من حال يحول. هذا في اللغة.
أما في الشرع والاصطلاح: هي التوصل إلى إسقاط واجب أو انتهاك محرم بما ظاهره الإباحة .
مثال ذلك: رجل سافر في نهار رمضان، قصده أن يفطر في رمضان وليس له قصد في السفر إلا أن يفطر. ظاهر فعله أنه حلال، لكن أراد بذلك إلى إسقاط واجب وهو الصوم.

مثال آخر: رجل تزوج بمطلقة صاحبه ثلاثا، ورآه محزونا عليها فذهب وتزوجها من أجل أن يحللها للزوج الأول- الذي هو صاحبه- ليس له غرض في المرأة، وإنما يريد أن يجامعها ليلة ثم يدعها.
نقول: هذا تحيل على محرم، لأن هذه المرأة لا تحل لزوجها الأول الذي طلقها ثلاثا وأراد أن يحللها له.
ولهذا جاء في الحديث بما هو أهل له حيث سمي «التيس المستعار». ومن باب الحيل أيضا ما يفعله كثير من الناس اليوم في مسائل الربا رجل باع سلعة ب، 10 آلاف إلى سنة، ثم اشتراها نقدا بـ 8 آلاف. هذه حيلة على أن يعطي 8 آلاف ويأخذ 10 آلاف لأن هذا العقد صوري. ولهذا قال فيه عبد الله بن مسعود أنه دراهم بدراهم دخلت بينهم حريرة، يعني قطة قماش.

«سد الذرائع» الذرائع جمع ذريعة، وهي الوسيلة. والفرق بينها وبين الحيلة: أن فاعل الحيلة قد قصد التحيل. وفاعل الذريعة لم يقصد، ولكن فعله يكون ذريعة إلى الشر والفساد.

مثال ذلك: بعض النساء اليوم صارت تلبس النقاب، تغطي وجهها بالنقاب، لكن هل إن المرأة بقيت على هذا. بمعنى أنها لم تخرق فيه لتسر وجهها إلا مقدار العين؟... لا. إذا يمنع النقاب لأنه ذريعة يتوصل به إلى شيء محرم؟
وهكذا هديت لرشدك أبدا، فإن هذا يسعفك في مواطن المضايق. وعليك بالتفقه كما أسلفت في نصوص الشرع، والتبصر فيما يحف أحوال التشريع، والتأمل في مقاصد الشريعة، فإن خلا فهمك من هذا، أو نبا سمعك، فإن وقتك ضائع، وإن اسم الجهل عليك لواقع. وهذه الخلة بالذات هي التي تعطيك التمييز الدقيق، والمعيار الصحيح، لمدى التحصيل والقدرة على التخريج:
فالفقيه هو من تعرض له النازلة لا نص فيها فيقتبس لها حكما.
والبلاغي ليس من يذكر لك أقسامها وتفريعاتها، لكنه من تسري بصيرته البلاغية في كتاب الله، مثلا، فيخرج من مكنون علومه وجوهها، وإن كتب أو خطب، نظم لك عقدها. وهكذا في العلوم كافة.
هذا صحيح .. الفقيه حقيقة هو الذي يستنبط الأحكام من النصوص وينزل الأحكام عليها، وليس من يقرأ النصوص.
من يقرأ النصوص فهو كنسخة من الكتاب، لكن من يشقق النصوص وينزل الوقائع عليها، كالبلاغي... وهل البلاغي هو من يبين لك البلاغة وأقسامها، والفصاحة وأقسامها؟ أم من يكون كلامه بليغا؟... الثاني، من يكون كلامه بليغا فهو البلاغي، حتى ولو لم يكن يعرف من البلاغة شيئا.
ولهذا ينبغي للإنسان أن يطبق المعلومات على الواقع. بمعنى: أنه إذا نزلت نازلة يعرف كيف يتصرف في النصوص حتى يعرف الحكم، وإذا عرف شيئا يمرن نفسه على أن يطبق هذا في حياته القولية والفعلية.

F8599795.bmp

 
تفريغ المقرر الخامس للحلية..


المقرر الخامس
(تابع الفصل الخامس :آداب الطالب في حياته العلمية)

الشريط السابع
من الدقيقة 56 إلى آخر الشريط
الشريط الثامن

F8599795.bmp

[[
kalb1.gif
المتن
kalb1.gif
]
]


nogom3.gif
wardahsagerah.gif
31- اللجوءُ إلى اللهِ تعالى في الطَّلَبِ والتحصيلِ
wardahsagerah.gif
nogom3.gif

لا تَفْزَعْ إذا لم يُفْتَحْ لك في علْمٍ من العلومِ ؛ فقد تَعاصَتْ بعضُ العُلومِ على بعضِ الأعلامِ المشاهيرِ ، ومنهم مَن صَرَّحَ بذلك كما يُعْلَمُ من تَرَاجِمِهم، ومنهم : الأَصْمَعِيُّ في عِلْمِ العَروضِ والرُّهاويُّ المحدِّثُ في الْخَطِّ ، وابنُ صالحٍ في الْمَنْطِقِ ، وأبو مسلِمٍ النحويُّ في عِلْمِ التصريفِ والسيوطيُّ في الْحِسابِ ، وأبو عُبيدةَ ، ومحمَّدُ بنُ عبدِ الباقي الأنصاريُّ ، وأبو الحسَنِ القَطيعيُّ ، وأبو زَكَرِيَّا يَحْيَى بنُ زِيادٍ الفَرّاءُ ، وأبو حامدٍ الغزاليُّ ، خَمْسَتُهُم لم يُفْتَحْ لهم بالنحوِ .
فيا أيُّها الطالِبُ ! ضاعِف الرَّغبةَ ، وافْزَعْ إلى اللهِ في الدعاءِ واللجوءِ إليه والانكسارِ بينَ يَدَيْهِ .وكانَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رَحِمَه اللهُ تعالى ، كثيرًا ما يَقولُ في دعائِه إذا اسْتَعْصَى عليه تفسيرُ آيةٍ من كتابِ اللهِ تعالى : ( اللَّهُمَّ يَا مُعَلِّمَ آدَمَ وإبراهيمَ عَلِّمْنِي ، ويا مُفَهِّمَ سليمانَ فَهِّمْنِي. فيَجِدُ الْفَتْحَ في ذلك ) .

¤*(( الشيخ ))*¤

31- اللجوء إلى الله تعالى في الطلب والتحصيل:
لا تفزع إذا لم يفتح لك في علم من العلوم، فقد تعاصت بعض العلوم على بعض الأعلام المشاهير، ومنهم من صرح بذلك كما يعلم من تراجمهم، ومنهم: الأصمعي في علم العروض، والرهاوي المحدث في الخط، وابن الصلاح في المنطق، وأبو مسلم النحوي في علم التصريف، والسيوطي في الحساب، وأبو عبيدة، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري، وأبو الحسن القطيعي، وأبو زكريا يحيي بن زياد الفراء، وأبو حامد الغزالي، خمستهم لم يفتح لهم بالنحو.


لكن هذا لا يضر... ما دمنا نطلب الفقه لا يضرنا أن نتكلم بكلام أو ألا نعرف النحو. لكن لا شك إذا تكلم بكلام مطابق للغة العربية فإن كلامه يكون مقبولا محبوبا للنفس، والإنسان الذي يعرف العربية أكره ما يسمع أن يتكلم الإنسان ويلحن يكره الكلام من هذا الرجل كراهية عظيمة.
فإن عجزت عن فن فالجأ إلى الله عز وجل، ومر علينا في خلاف الأدباء أن أحد أئمة النحو- إذا لم يكن الكسائي- فهو مثله، طلب النحو وعجز عن إدراكه في يوم من الأيام رأى نملة تريد أن تصعد بطعم لها من الجدار فكلما صعدت سقطت ثم تأخذ هذا الطعم وتمشي ثم تسقط ثم تصعد وربما كل مرة تقول: أرفع قليلا حتى اقتحمت العقبة وتجاوزته، فقال: إذا كانت هذه تحاول وتفشل عدة مرات ولكنها استمرت حتى انتهى أمرها، فرجع إلى علم النحو وتعلمه حتى صار من أئمته.
فأنت تحاول لا تقول عجزت هذه المرة، تعجز هذه المرة، لكن المرة الثانية يقرب لك الأمر.

فيا أيها الطالب! ضاعف الرغبة، وافزع إلى الله في الدعاء واللجوء إليه والانكسار بين يديه. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- كثيرا ما يقول في دعائه إذا استعصى عليه تفسير آية من كتاب الله تعالى:«اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني». فيجد الفتح في ذلك.

وهذا من باب التوسل بأفعال الله، والتوسل بأفعال الله جائز، لأن التوسل جائز وممنوع، وإن شئت فقل: مشروع وغير مشروع.
التوسل إلى الله بأسماءه وصفاته وأفعاله من المشروع، وكذلك التوسل إلى الله تعالى بذكر شكوى الحال وأنه مفتقر إليه، والتوسل إلى الله بالإيمان به، والتوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح، والتوسل إلى الله تعالى بدعاء من يرجي استجابة دعاءه.كل هذا مشروع.

F8599795.bmp

[[
kalb1.gif
المتن
kalb1.gif
]
]

32 الأمر الثاني والثلاثون - الأمانةُ العلْمِيَّةُ :
يَجِبُ على طالبِ العلْمِ ، فائِقُ التحَلِّي بالأمانةِ العِلْمِيَّةِ ، في الطلَبِ والتحَمُّلِ والعمَلِ والبلاغِ ، والأداءِ :
( فإنَّ فَلاحَ الأُمَّةِ في صَلاحِ أعمالِها ، وصلاحَ أعمالِها في صِحَّةِ عُلُومِها ، وصِحَّةَ عُلومِها في أن يكونَ رجالُها أُمناءَ فيما يَرْوُونَ أو يَصِفُونَ، فمَن تَحَدَّثَ في العِلْمِ بغيرِ أمانةٍ ؛ فقد مَسَّ العلْمَ بقُرحةٍ ووَضَعَ في سبيلِ فَلاحِ الأُمَّةِ حَجَرَ عَثْرَةٍ ) .


¤*(( الشيخ ))*¤
هذا أيضا من أهم ما يكون في طالب العلم أن يكون أمينا في علمه، فيكون أمينا في نقله، وأمينا في وصفه. إذا وصف الحال فليكن أمينا لا يزيد ولا ينقص، وإذا نقل فليكن أمينا في النقل لا يزيد ولا ينقص وكثير من الناس تنقصه هذه الأمانة، فتجده يصف من الأحوال ما يناسب رأيه ويحذف الباقي، وينقل من أقوال أهل العلم، بل ومن النصوص ما يوافق رأيه ويحذف الباقي فيكون كالذي قال:

ما قال ربك ويل للأولى سكروا ** بل قال ربك ويل للمصلينا

نعوذ بالله وحذف (الذين هم عن صلاتهم ساهون) . وهذا لا شك أنه حجر عثرة وأنه تدليس على العلم، لأن الواجب النقل بأمانة والوصف بأمانة، وما يضرك إذا كان الدليل على خلاف ما تقول، فإنه يجب عليك أن تتبع الدليل وأن تنقله للأمة حتى يكونوا على بصيرة من الأمر.
ومثل هذه الحال- أعني عدم الأمانة- يوجب أن يكون الإنسان فاسقا لا يوثق له بخبر ولا يقبل له نقل لأنه مدلس.

F8599795.bmp

[[
kalb1.gif
المتن
kalb1.gif
]
]


لا تَخلُو الطوائفُ المنتمِيَةُ إلى العلومِ من أشخاصٍ لا يَطلبونَ العِلْمَ ليَتَحَلَّوْا بأَسْنَى فضِيلَةٍ ، أو ليَنْفَعُوا الناسَ بما عَرَفُوا من حِكمةٍ ، وأمثالُ هؤلاءِ لا تَجِدُ الأمانةُ في نفوسِهم مُسْتَقَرًّا ، فلا يَتَحَرَّجُون أن يَرْوُوا ما لم يَسْمَعُوا أو يَصِفُوا ما لم يَعْلَمُوا ، وهذا ما كان يَدْعُو جهابذةَ أهلِ العلْمِ إلى نَقْدِ الرجالِ .

¤*(( الشيخ ))*¤
يقول: (لا تَخلُو الطوائفُ المنتمِيَةُ إلى العلومِ من أشخاصٍ لا يَطلبونَ العِلْمَ ليَتَحَلَّوْا بأَسْنَى فضِيلَةٍ ) لأن طلب العلم يؤدي إلى التحلي بأسنى فضيلة، أي: بأعلاها، (أو ليَنْفَعُوا الناسَ بما عَرَفُوا من حِكمةٍ) ، وإنما يطلبون العلم من أجل نصر آرائهم فتجده يبحث في بطون الكتب ليجد شيئا يقوي به رأيه، سواء كان خطأ أم صوابا، وهذا والعياذ بالله هو المراء والجدال المنهي عنه، أما من يقلب بطون الكتب من أجل أن يعرف الحق فيصل إليه، فلا شك أن هذا هو الأمين المنصف.

F8599795.bmp

[[
kalb1.gif
المتن
kalb1.gif
]
]


وهذا ما كان يَدْعُو جهابذةَ أهلِ العلْمِ إلى نَقْدِ الرجالِ

¤*(( الشيخ ))*¤
يعني هذا هو الذي يدعو جهابذة أهل العلم إلى نقد الرجال ليبينوا أحوالهم وأنه رجل يتبع الهوى ولا يريد الهدى.

F8599795.bmp


[[
kalb1.gif
المتن
kalb1.gif
]
]


وتَمييزِ مَن يُسْرِفُ في القوْلِ مِمَّنْ يَصوغُه على قَدْرِ ما يَعْلَمُ ، حتى أَصْبَحَ طُلَّابُ العِلْمِ على بَصيرةٍ من قِيمةِ ما يَقرؤونَه ، فلا تَخْفى عليهم مَنْزِلَتُه ، من القطْعِ بصِدقِه أو كَذِبِه ، أو رُجحانِ أحدِهما على الآخَرِ ، أو احتمالِهما على سواءٍ ) اهـ .
 
[ المتن]

[ 33/ الصدق]
صِدْقُ اللهجةِ : عُنوانُ الوَقارِ وشَرَفُ النفْسِ ، ونقاءُ السَّريرةِ وسُمُوُّ الْهِمَّةِ ورُجحانُ العَقْلِ ، ورسولُ الْمَوَدَّةِ من الْخَلْقِ ، وسعادةُ الجماعةِ وصِيانةُ الديانةِ ، ولهذا كان فَرْضُ عينٍ ، فيا خَيْبَةَ مَن فَرَّطَ فيه ، ومَن فَعَلَ فقد مَسَّ نفسَه وعِلْمَهُ بأَذًى .
قالَ الأوزاعيُّ رَحِمَه اللهُ تعالى : ( تَعَلَّمِ الصدْقَ قبلَ أن تَتَعَلَّمَ العِلْمَ ) .
وقالَ وَكيعٌ رَحِمَه اللهُ تعالى : ( هذه الصَّنْعَةُ لا يَرتفِعُ فيها إلا صادقٌ ) .
فتَعَلَّمْ – رَحِمَكَ اللهُ – الصدْقَ قبلَ أن تَتَعَلَّمَ العلْمَ ، والصدْقُ : إلقاءُ الكلامِ على وَجْهٍ مُطابِقٍ للواقِعِ والاعتقادِ ، فالصدْقُ من طريقٍ واحدٍ ، أمَّا نقيضُه الكَذِبُ فضُروبٌ وألوانٌ ومَسالِكُ وأَوديةٌ ، يَجْمَعُها ثلاثةٌ :

كَذِبُ الْمُتَمَلِّقِ : وهو ما يُخالِفُ الواقِعَ والاعتقادَ ، كمن يَتَمَلَّقُ لِمَنْ يَعْرِفُه فاسقًا أو مُبْتَدِعًا فيَصِفُه بالاستقامةِ .
وكَذِبُ المنافِقِ : وهو ما يُخالِفُ الاعتقادَ ويطابِقُ الواقعَ كالمنافِقِ يَنْطِقُ بما يقولُه أهلُ السُّنَّةِ والهدايةِ .
وكَذِبُ الغَبِيِّ : بما يُخالِفُ الواقِعَ ويُطابِقُ الاعتقادَ ، كمَن يَعتقِدُ صلاحَ صُوفِيٍّ مبتدِعٍ فيَصِفُه بالوَلايةِ .
فالْزَم الْجَادَّةَ ( الصدْقَ ) ، فلا تَضْغَطْ على عَكَدِ اللسانِ ، ولا تَضُمَّ شَفَتَيْكَ ، ولا تَفتَحْ فاكَ ناطقًا إلا على حُروفٍ تُعَبِّرُ عن إحساسِك الصادِقِ في الباطِنِ ؛ كالحُبِّ والبُغْضِ ، أو إحساسِك في الظاهِرِ ؛ كالذي تُدْرِكُه الحواسُّ الخمْسُ : السمْعُ، البَصَرُ ، الشمُّ ، الذَّوْقُ ، اللمْسُ .فالصادقُ لا يقولُ : ( أَحْبَبْتُكَ ) وهو مُبْغِضٌ ، ولا يقولُ : ( سَمِعْتُ ) وهو لم يَسْمَعْ ، وهكذا .
واحْذَرْ أن تَحومَ حولَك الظنونُ ، فتَخونَك العزيمةُ في صِدْقِ اللهجةِ ، فتُسَجَّلَ في قائمةِ الكذابينَ .وطريقُ الضَّمانةِ لهذا – إذا نَازَعَتْكَ نفسُك بكلامٍ غيرِ صادقٍ فيه - : أن تَقْهَرَهَا بذِكْرِ مَنزِلَةِ الصدْقِ وشَرَفِه ورَذيلةِ الكَذِبِ ودَرَكِه ، وأنَّ الكَاذِبَ عن قريبٍ يَنْكَشِفُ .
واستَعِنْ باللهِ ولا تَعْجِزَنَّ .ولا تَفْتَحْ لنفسِك سابلةَ الْمَعارِيضِ في غيرِ ما حَصَرَه الشرْعُ .
فيا طالبَ العلْمِ ! احْذَرْ أن تَمْرُقَ من الصدْقِ إلى الْمَعارِيضِ فالْكَذِبِ ، وأَسوأُ مَرَامِي هذا الْمُروقِ ( الكَذِبُ في العلمِ ) ؛ لداءِ مُنافَسَةِ الأقرانِ وطَيَرانِ السُّمعةِ في الآفاقِ .
ومَن تَطَلَّعَ إلى سُمْعَةٍ فوقَ مَنْزِلَتِه ؛ فلْيَعْلَمْ أنَّ في الْمِرصادِ رِجالًا يَحْمِلون بصائرَ نافذةً ، وأقلامًا ناقدةً ، فيَزِنُونَ السُّمعةَ بالأَثَرِ ، فتَتِمُّ تَعريتُك عن ثلاثةِ معانٍ :
فَقْدُ الثقةِ من القلوبِ .
ذَهابُ عِلْمِكَ وانحسارُ القَبولِ .
أن لا تُصَدَّقَ ولو صَدَقْتَ .
وبالجملةِ ؛ فمَن يَحترِفْ زُخرُفَ القولِ ؛ فهو أَخُو الساحرِ ، ولا يُفْلِحُ الساحرُ حيث أَتَى، واللهُ أَعْلَمُ .

..
KALBSAGERAHMR.gif
الشــرح
KALBSAGERAHMR.gif
..


33- الصدق:
صدق اللهجة: عنوان الوقار، وشرف النفس، ونقاء السريرة، وسمو الهمة، ورجحان العقل، ورسول المودة مع الخلق، وسعادة الجماعة، وصيانة الديانة، ولهذا كان فرض عين، فيا خيبة من فرط فيه، ومن فعل فقد مس نفسه وعلمه بأذى.
الصدق هنا قريب من مسألة الأمانة العلمية، لأن الأمانة العلمية تكون بالصدق، والصدق كما قال: عنوان الوقار، وشرف النفس، ونقاء السريرة وإذا كان الكذب ينجي، فإن الصدق أنجى وأنجى. وإن كان الكذب أيضا لا يدوم، لأنه سرعان ما يتبين الكذب ويفتضح الكاذب.
لكن الصدق عاقبته حميدة. فعليك بالصدق، ولو كنت تتخيل أنه يضرك فاصبر، فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا.
وإني لأذكر رجلا من عامة الناس شهر بالصدق، فكان الناس يتناقلون أخباره في المجالس على التلذذ بها أكثر مما يذكرون أخبار العلماء الذين في وقته لأن الصدق يرفع الله به من اتصف به، لا سيما في مسائل العلم.
فلا تقل إن الله حرم هذا وهو لم يحرمه، ولا أوجب هذا وهو لم يوجبه، ولا قال فلان كذا وهو لم يقله. بل تجنب هذا كله.

وكان الإمام أحمد – رحمه الله – وغيره من الأئمة لا يصرحون بالتحريم إلا ما جاءت النصوص به، وإلا فإنك تجد الإمام أحمد يقول: أكره كذا، لا يعجبني ، لا تفعل . وما أشبه ذلك.
وقول الشيخ بكر – وفقه الله- «ولهذا كان فرض عين»، يعني الصدق فرض عين، لا فرض كفاية، فلا يقول: أنا أكذب، والثاني يصدق.. لا ... لا يجوز أن تكذب.

استثنى بعض العلماء ما جاء عن طريق التورية، ولكن لا حاجة للاستثناء، لأن التورية صدق باعتبار ما في نفس القائل، كمثل قول إبراهيم عليه السلام للملك الجبار هذه أختي.
وهذا ليس بالكذب، وإن كان إبراهيم اعتذر عن الشفاعة بأنه كذب ثلاث كذبات، لكنه كذب من وجه وهو التلبيس على الظالم المعتدي، ولكنه صدق باعتبار ما في نفس القائل.
استثنى بعض العلماء أيضا
ما جاء في الحديث أنه لا يجوز الكذب إلا في ثلاث:
kDw12128.gif
في الحرب،

kDw12128.gif
والإصلاح بين الناس،

kDw12128.gif
وحديث المرأة لزوجها وحديث الرجل لزوجته.



ولكن بعض العلماء يقول: إن هذا محمول على التورية، وليس على الحقيقة، فالحرب خدعة، بأن تري عدوك أنك تريد جهة ما، وأنت تريد الجهة الأخرى، أو تري عدوك أن عندك جنود كثيرة بحيث أن تجعل الجيش يتراسم، كما فعل القعقاع بن عمرو في أحدى غزواته، قسم الجيش وهم عدد قليل، لكن العدو يظنه عددا كثيرا.
كذلك الإصلاح بين الناس ... لا تكذب، ولكن تأل. إذا قال لك فلان: يقول في كذا وكذا. تقول: لا لم يقل فيك شيئا.
كذلك حديث المرأة زوجها وحديث الرجل زوجته، يعني: على سبيل التورية لا التصريح وهذا القول ليس ببعيد، لأن الكذب كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم يهدي إلى الفجور، لا يهدي إلى الخير. ثم إن الإنسان إذا اعتاد هذا- لاسيما مع الزوجة وصار كلما حدثها بحديث وبحثت عنه وجدته كذبا لم تثق فيه بعد ذلك، وربما يكون سببا لفقدها إياه وللفراق التام.
وعند العامة يستثني كذبا أكثر من ذلك يقولون: الكذب الحرام ما كان فيه أكل للمال بالباطل، وأما ما سواه فهو كذب أبيض ويقسمون الكذب إلى قسمين: كذب أبيض وكذب أسود. والأبيض حلال، والأسود حرام. والأسود ما فيه أكل المال بالباطل، والأبيض ما ليس كذلك، ولكن هذا هو دين العامة وليس شريعة محمد صلى الله عليه وسلم
fasel7.bmp

قال الأوزاعي- رحمه الله تعالي-:«تعلم الصدق قبل أن تتعلم العلم».
وقال وكيع- رحمه الله تعالى-:«هذه الصنعة لا يرتفع فيها إلا صادق».
فتعلم- رحمك الله- الصدق قبل أن تتعلم العلم، والصدق: إلقاء الكلام على وجه مطابق للواقع والاعتقاد، فالصدق من طريق واحد، أما نقيضه الكذب فضروب وألوان ومسالك وأودية، يجمعها ثلاثة:
kDw12128.gif
1- كذب المتملق:
وهو ما يخالف الواقع والاعتقاد، كمن يتملق لمن يعرفه فاسقا أو مبتدعا فيصفه بالاستقامة.

kDw12128.gif
2- وكذب المنافق:
وهو ما يخالف الاعتقاد ويطابق الواقع، كالمنافق ينطق بما يقوله أهل السنة والهداية.

kDw12128.gif
3- وكذب الغبي:
بما يخالف الواقع ويطابق الاعتقاد، كمن يعتقد صلاح صوفي مبتدع فيصفه بالولاية.



الصدق لا شك أنه سبيل واحد، والكذب سبل، وهكذا الهداية والضلالة.
الهداية سبيلها واحد، والضلالة سبل متفرقة. قال الله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) (سورة الأنعام:153). وأما قوله: (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام)(سورة المائدة:16). فقد جمعها باعتبار تنوع الشرائع... صلاة، زكاة، صيام، حج، بر، صلة، صدقة- وما أشبه ذلك فجمعها باعتبار وتوحيدها باعتبار آخر.
أما الكذب فضروب وألوان متعددة، ويتعدد بتعدد أغراضه فهو يجمعها ثلاثة. يقول:

1- «كذب المتملق: وهو ما يخالف الواقع والاعتقاد، كمن يتملق لمن يعرفه فاسقا أو مبتدعا فيصفه بالاستقامة».
تعرف أن هذا الرجل فاسق ثم تأتي إليه وتقول: ما شاء الله أنت رجل مستقيم، مستقيم الأخلاق، مستقيم الدين، مستقيم المنهج. وأنت تعرف أنه أفسق عباد الله.
هذا ماذا يقال له؟ يقال له متملق وهذا أكثر ما يكون عند الملوك والأمراء، تجد الرجل يتملق إلى الأمير أو الملك ويقول: أنت فيك كذا وأنت فيك كذا، وهذا من النفاق العلمي: إذا حدث كذب والعياذ بالله.
2- «كذب المنافق: وهو ما يخالف الاعتقاد ويطابق الواقع» ومنه قوله تعالي (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله). وكونه رسول الله مطابق للواقع. ما الدليل؟ قوله: (والله يعلم إنك لرسوله) . لكن شهادتهم هذه مخالفة لاعتقادهم، لأن الله قال: (والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) (سورة المنافقون:1).
أي في قولهم نشهد إنك لرسول الله لا في قولهم إنه لرسول الله. هذا يخالف الاعتقاد ويطابق الواقع.
وهذا باعتبار قول المنافق في غيره، أما باعتبار قوله في نفسه مثلا أنه صالح، فهو يخالف الاعتقاد، ويخالف الواقع إلا ظاهرا.
3- «كذب الغبي: بما يخالف الواقع ويطابق الاعتقاد». وهو أن يقول الشيء ما ليس فيه لغباءه، فيقول مثلا عن أهل الكلام أنهم هم العقلاء، وأنهم أهل العلم والحكمة، أما أهل السنة فهم أغبياء يفوضون النصوص ولا يعرفون لها معنى.
نقول: هذا غبي، ولهذا عبر شيخ الإسلام- رحمه الله- في كتابه الفتوى الحموية، عبر بهذا الوصف فقال:«قال بعض الأغبياء: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم».
وكذلك من يشاهد الصوفية وتصنعهم وعباداتهم، فيقول: إنهم أهل الصلاح وأهل الولاية.
نقول: أنت غبي لا تعرف حقيقتهم فلا تحكم عليهم بالصلاح حتى تعرف الحقيقة، وإلا كنت غبيا.
فهذا كاذب، فهل يعذر بكذبه؟ نقول: إذا أفرط في البحث فلا بعذر وإن كان هذا منتهي علمه، فإنه يعذر لأنه جاهل. أما الأول فهو متملق، والثاني فهو منافق فلا عذر لهم في ذلك.
فالزم الجادة(الصدق)، فلا تضغط على عكد اللسان، ولا تضم شفتيك، ولا تفتح فاك ناطقا إلا على حروف تعبر عن إحساسك الصادق في الباطن، كالحب والبغض، أو إحساسك في الظاهر، كالذي تدركه الحواس الخمس: السمع، البصر، الشم، الذوق، اللمس. فالصادق لا يقول:«أحببتك» وهو مبغض، ولا يقول: «سمعت» وهو لم يسمع، وهكذا... واحذر أن تحوم حولك الظنون، فتخونك العزيمة في صدق اللهجة، فتسجل في قائمة الكذابين. وطريق الضمانة لهذا- إذا نازعتك نفسك بكلام غير صادق فيه: أن تقهرها بذكر منزلة الصدق وشرفه، ورذيلة الكذب ودركه، وأن الكاذب عن قريب ينكشف. واستعن بالله ولا تعجزن.
ولا تفتح لنفسك سابلة المعاريض في غير ما حصره الشرع. فيا طالب العلم! احذر أن تمرق من الصدق إلى المعاريض فالكذب، وأسوأ مرامي هذا المروق (الكذب في العلم)، لداء منافسة الأقران، وطيران السمعة في الآفاق.
هنا إضافة مهمة جدا، هو أن بعض الناس يتسرع في الرقي إلى العلو بما يلفقه ويوهم الناس به من أنه عنده علم واسع، وأنه عبقري، وأنه في كل فن له يد وما أشبه ذلك. وهذا لا شك أنه غلط عظيم، فهو مع جمعه الكذب، فيه خيانة الناس وإيهامهم بخلاف الواقع. وفيه أيضا التغرير بالنفس، أن الإنسان يزهو بنفسه حتى يحجمها ويكبرها وهي دون ذلك، وكم من إنسان هلك بمثل هذا سواء في طريق العلم أو في طريق العبادة، ولكن سرعان ما ينكشف، سرعان ما يرد عليه شيء يعجز عنه وحينئذ إما أن يقول ما هو معلوم كذبه فينكشف، وإما أن يتذبذب ويفتضح أمره.


ولهذا كان مما قاله عبد الله بن مسعود:«إن من العلم أن تقول لما لا تعلم لا أعلم».
وذكر بعضهم أن قول القائل:«لا أعلم» هي نصف العلم، ولكن في الواقع: العلم كله، والإنسان إذا عرف بالتحري وأنه يقول بما لا يعلم«لا أعلم» وثق الناس بقوله، أما إذا كان يجيب على كل ما يسأل حتى لو كان لا يعرف شيئا فيما سئل فيه، فإنه سوف ينكشف أمره وسوف لا يثق الناس بقوله حتى ولو كان حقا. ولكن ما الذي يحمل الإنسان على أن يقول مثل هذا؟
يحمله طلب العلو، أن يكون فائقا على الأقران، أو طلب الصيت والشهرة بحيث يقال العلامة، الفهامة، البحر الزاخر وما أشبه ذلك.
وهذه لا شك أنها من مكائد الشيطان، فالواجب عليك أن تعرف قدر نفسك وأن لا تنزلها فوق منزلتها، ثم إن القول في مسائل الدين أخطر ما يكون لأنه قول على الله بلا علم، وقد قال الله عز وجل (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) (سورة الأعراف: 33).
بعض الناس إذا عثر على خطأه قال: سبحان الله، سبحان الذي لا ينسى نعم.... لكن أنت لم تنس، بل أنت جاهل من أصله.

fasel7.bmp


ومن تطلع إلى سمعة فوق منزلته فليعلم أن في المرصاد رجالا يحملون بصائر نافذة، وأقلاما ناقدة، فيزنون السمعة بالأثر، فتتم تعريتك عن ثلاثة معان:
kDw12128.gif
1-
فقد الثقة في القلوب.

kDw12128.gif
2-
ذهاب عملك وانحسار القبول.

kDw12128.gif
3-
أن لا تصدق ولو صدقت.


وبالجملة، فمن يحترف زخرف القول، فهو أخو الساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى (1). والله أعلم.

هذا صحيح.. الإنسان إذا تطلع إلى السمعة فقط ونزل فوق منزلته فسرعان ما ينكشف،ثم إن النية في طلب العلم يجب فيها الإخلاص لله عز وجل، ولهذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم :«أن من طلب علما وهو مما يبتغي به وجه الله لا يريد إلا أن ينال عرضا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة. وأن من طلب العلم ليماري به السفهاء أو ليجاري به العلماء فليتبوء مقعده من النار» . فالمسألة خطيرة، ولا سيما العلوم الشرعية. وذكر ثلاث مضار.

kDw12128.gif
أولا-
فقد الثقة في القلوب، متى تفقد؟ إذا تبين أنه قال عن جهل؛ ما يثقون به وينصرفون إلى غيره.

kDw12128.gif
ثانيا-
ذهاب عملك وانحسار القبول: لأنه إذا فقدت الثقة لم يقبله الناس فإذا كان يقبله مثلا (10)، فإنهم إذا فقدوا الثقة انحسروا إلى (5) أو إلى (4).


kDw12128.gif
ثالثا-
أن لا تصدق ولو صدقت: حتى لو حدثتهم بحديث يعرفونه. قالوا: هذا رمية من غير رام.

فالحاصل أن الإنسان يجب أن يعرف مقدار نفسه وأن يحترم العلم، وأن لا يجعله به وسيلة للرقي الخادع.



fasel7.bmp





JAv11916.gif
يتبع
JAv11916.gif
 
.:.:.°¤ المتن ¤°.:.:.
34-جُنَّةُ طالِبِ العلْمِ :
..[[ جُنَّةُ العالِمِ ( لا أَدْرِي ) ويَهْتِكُ حِجابَه الاستنكافُ منها ، وقولُه: يُقالُ .....
وعليه ؛ فإن كان نِصْفُ العلْمِ ( لا أَدْرِي ) ؛ فنِصْفُ الجهْلِ ( يُقالُ ) و( أَظُنُّ ) . ]] ..



*`'شرح الشيخ ¸.*

نعم صحيح. هذا تتميم لما قبله، أن الإنسان يجب عليه إذا لم يعلم أن يقول: لا أعلم ولا يضره هذا، بل يزيده ثقة بقوله.
وأما قوله :«نصف الجهل أظن أو يقال » هذا صحيح. بعض العوام تسأله هل هذا حرام أم حلال ؟ يقول أظنه حرام. هذا عامي، يقول أظنه حرام. أو يقولون: إنه حرام، بدل يقال ، هذا أيضا نصف الجهل في الواقع، ولكن هل أثق بقول العامي أظن كذا؟! لا يجوز، ولهذا كم من أناس أفتاهم العوام بفتاوي خاطئة ولا سيما في أيام الحج. سبحان الله العظيم أيام الحج يكثر العلماء تجد كل عمود خيمة تحته عالمان كل واحد منهما يفتي ، حتى إنه قيل لي: إن أحد الناس قال: إن الذي يطوف في السطح أو في الدور الثاني يكفيه عن سبعة أشواط ثلاثة أشواط ونصف . لماذا؟ لاتساع الدائرة ، وكأنه قاس الأشواط بالخطوات، وعلى قياس قوله أن الذي يطوف في أطراف الصحن يكفيه كم؟ خمسة ، لأنه ليس كالذي عند الكعبة ن لأن عند الكعبة أقل، إلا أن يقال: مشقة هذا الذي عند الكعبة، تقابل كثرة خطوات هذا فيمتنع القياس ، على كل حال أنا أقول: إنه لا يجوز الاعتماد على فتوى العامي أبداً، لا تستفتي إلا إنسانا تثق في علمه وأمانته.


fasel1.jpg


.:.:.°¤ المتن ¤°.:.:.
..[[35- المحافَظَةُ على رأسِ مالِك ( ساعاتِ عُمُرِك) :
الوقتَ الوقتَ للتحصيلِ ، فكن حِلْفَ عمَلٍ لا حِلْفَ بَطالةٍ وبَطَرٍ ، وحِلْسَ مَعْمَلٍ لا حِلْسَ تَلَهٍّ وسَمَرٍ ، فالْحِفْظُ على الوَقْتِ ؛ بالجِدِّ والاجتهادِ ومُلازَمَةِ الطلبِّ ، ومُثافَنَةِ الأشياخِ ، والاشتغالِ بالعلْمِ قراءةً وإقراءً ومطالَعَةً وتَدَبُّرًا وحِفْظًا وبَحْثًا ، لا سِيَّمَا في أوقاتِ شرْخِ الشبابِ ، ومُقْتَبَلِ العُمْرِ ، ومَعْدِنِ العافيةِ ، فاغْتَنِمْ هذه الفرصةَ الغاليةَ ، لتنالَ رُتَبَ العلْمِ العاليةَ ؛ فإنها ( وقتُ جَمْعِ القلبِ ، واجتماعِ الفِكْرِ ) ؛ لقِلَّةِ الشواغِلِ والصوارِفِ عن التزاماتِ الحياةِ والتَّرَؤُّسِ ، ولِخِفَّةِ الظَّهْرِ والعِيالِ :
ما للمُعيلِ وللعوالِي إنمـايَسْعَى إليهنَّ الفريدُ الفارِدُ

وإيَّاك وتأميرَ التسويفِ على نفسِك ؛ فلا تُسَوِّفْ لنفسِكَ بعدَ الفراغِ من كذا ؛ وبعدَ ( التقاعُدِ ) من العَمَلِ هذا ... وهكذا ، بل البِدارَ قبلَ أن يَصْدُقَ عليك قولُ أبي الطَّحَّانِ القَيْنيِّ :


حَنَتْنِي حانياتُ الدهْرِ حَتَّـىكأني خَاتِـلٌ أَدْنُـو لصَيْـدٍ
قصيرُ الْخَطْوِ يَحْسَبُ مَن رآنِيولسْتُ مُقَيَّـدًا أنِّـي بِقَيْـدِ

وقال أُسامةُ بنُ مُنْقِذٍ :
مع الثمانينَ عاثَ الضعْفُ في جَسَدِي وساءني ضَعْفُ رِجْلِي واضطرابُ يَدِي
إذا كَتَبْتُ فخَطِّي خـطُّ مُضْطَـرِبٍ كخـطِّ مُرْتَعِـشِ الكَفَّيْـنِ مُرْتَعِـدِ
فاعْجَبْ لضَعْفِ يَدِي عن حَمْلِها قَلَمًا من بعدِ حَمْلِ الْقَنَا في لَبَّـةِ الأسَـدِ
فقـلْ لِمَـن يَتَمَنَّـى طُـولَ مُدَّتِـهِ هذي عَواقِبُ طُولِ العُمُـرِ والْمُـدَدِ ]]..


*`'شرح الشيخ ¸.*

wardah5.gif
35- المحافظة على رأس مال (ساعات عمرك):
wardah5.gif

الوقت الوقت للتحصيل، فكن حلف عمل لا حلف بطالة بطر؛ وحلس معمل لا حلس تله وسمر، فالحفظ على الوقت، بالجد والاجتهاد، وملازمة الطلب، ومثافنة الأشياخ، والاشتغال بالعلم قراءة وإقراء، ومطالعة وتدبر وحفظا وبحثا، لا سيما في أوقات شرخ الشباب، ومقتبل العمر، ومعدن العافية، فاغتنم هذه الفرصة الغالية، لتنال رتب العلم العالية، فإنها «وقت جمع القلب، واجتماع الفكر»، لقلة الشواغل والصوارف عن التزامات الحياة والترؤس، ولخفة الظهر والعيال:
ولهذا قال عمر رضي الله عنه :«تفقهوا قبل أن تسودوا» وفي لفظ «تسودوا» لأن الإنسان إذا ساد كثرت المشاكل، وكثرت أفكاره وتفرقت وتمزقت عزائمه، فبينما يعزم على شيء إذا بحاجة نزلت به أشد إلحاحا مما عزم عليه... فيتفرق. ولذلك اجتهد ما دمت في زمن الإمهال وانتبح، واعمل، وابحث، واجعل بطون الكتب هي مرئياتك حتى تعتاد على هذا، واعلم أنك إذا اعتدت على هذا- يعني على الجد والاجتهاد- صار طبيعة لك بحيث لو أنك إذا كسلت يوما من الأيام في الرحلة فإنك تستنكر هذا وتجد الفراغ.
وليكن بحثك مركزا، بحيث لا تقطف من كل زهرة جزءا، اجعل بحثك مركزا الأهم فالأهم، حتى يكون لك ملكة تستطيع أن تخرج المسائل على القواعد والفروع على الأصول.

ما للمعيل وللعوالي إنما = يسعى إليهن الفريد الفارد

المعيل: كثير العيال. والعوالي: جمع عالية- يعني المنازل العالية فإذا كثرت العيال وكثرت المشاغل ألهتك لأن الإنسان بشر، والطاقة محدودة، فما دمت متفرغا فلتكن متفردا. ولا تظن أن المؤلف يريد بهذا إلا تطلب العيال والنكاح، بل إن النكاح قد يكون من أسباب الراحة إذا وافق الإنسان فيه ويسرت له امرأة صالحة.
وإياك وتأمير التسويف على نفسك، فلا تسوف لنفسك بعد الفراغ من كذا، وبعد (التقاعد) من العمل هذا... وهكذا، بل البدار قبل أن يصدق عليك قول أبي الطحان القيني:

حنتني حانيات الدهر حتى = كأني خاتل أدنو لصيد
قصير الخطو يحسب من رآني = ولست مقيدا أني بقيد

خاتل أدنو لصيد: الرجل يكسر ظهره كأنه راكب يمشي ببطء على الأرض يخشى أن الطير يحس به فيطير.
«ولست مقيدا أني بقيد» وهذا صحيح، لأن الله عز وجل قال في كتابه (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير) (سورة الروم:54).
والإنسان في حالة شبابه يظن أنه لن يتعب ولن يسأم ولن يمل، لكن إذا كبر فكما قال عن زكريا :(رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا) (سورة مريم:4). لا بد أن يتعب، لا بد أن يمل، فكون الإنسان ينتهز الفرصة هذا أمر لا بد منه.
وقال أسامة بن منقذ:
مع الثمانين عاث الضعف في جسدي وساءني ضعف رجلي واضطراب يدي
إذا كتبت فخطي خـط مضطـرب كخط مرتعـش الكفيـت مرتعـد
فاعجب لضعف يدي عن حملها قلما من بعد حمل القنا فـي لبـة الأسـد
فقـل لمـن يتمنـى طـول مدتـه هذي عواقب طول العمـر والمـدد


فإن أعملت البدار، فهذا شاهد منك على أنك تحمل «كبر الهمة في العلم».
هذه كلها أبيات تدل على الحكمة، أن الإنسان مآله إلى هذا. يقول: «مع الثمانين عاث الضعف في جسدي» أي: انتشر وشاع.
لكن المؤمن- والحمد لله- ما دام عقله باقيا وقلبه ثابتا، فإن بلغ هذا المبلغ من العجز البدني، فالقلب حاضر يستطيع أن يشغل وقته بذكر الله عز وجل والتفكير في آياته، لأن هذا لا عجز عن مراده إلا الغفلة، والغفلة شيء مشكل.
على كل حال فالمؤلف- وفقه الله- يدعونا إلى انتهاز الفرصة وألا نضيع الأوقات واعلم أنك إذا اعتدت على تضييع الوقت، عجزت بعد ذلك عن الحرص عليه وعن الانتفاع به، لأنك تكون قد اعتدت على الكسل.


فإن قال قائل: أليس لنفسك عليك حقا؟
فالجواب: بلى، إن لنفسك عليك حقا، ونحن لا نقول إذا تعبت أو مللت استمر. نقول: لا استرح، حتى إن الإنسان الذي يصلي إذا أتاه النعاس مأمور أن يدع الصلاة وينام.
لكن ما دمت نشيطا فاحرص، لأن هناك فرقا بين العجز والكسل. الكسل ضعف في الإرادة، والعجز ضعف في البدن، وضعف البدن لا حيلة فيه. لكن الإرادة هي التي يستطيع الإنسان يعود نفسه على الهمة العالية كي يستغل.

fasel1.jpg

 

.:.:.
kalb1.bmp
[ [ المتن ] ]
kalb1.bmp
.:.:.

.. [[ الأمر السادس والثلاثون-إجمامُ النفْسِ ]] ..
خُذْ من وَقْتِك سُويعاتٍ تُجِمُّ بها نفسَك في رِياضِ العِلْمِ من كُتُبِ المحاضراتِ ( الثقافةِ العامَّةِ ) ؛ فإنَّ القلوبَ يُرَوَّحُ عنها ساعةً فساعةً .
وفي المأثورِ عن أميرِ المؤمنينَ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ أنه قالَ : ( أَجِمُّوا هذه القلوبَ ، وابْتَغُوا لها طرائفَ الْحِكمةِ ، فإنها تَمَلُّ كما تَمَلُّ الأبدانُ ) .
وقالُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رَحِمَه اللهُ تعالى في حِكْمَةِ النهيِ عن التَّطَوُّعِ في مُطْلَقِ الأوقاتِ :( بل في النهيِ عنه بعضَ الأوقاتِ مصالِحُ أُخَرُ من إِجمامِ النفوسِ بعضَ الأوقاتِ ، من ثِقَلِ العِبادةِ ؛ كما يُجَمُّ بالنوْمِ وغيرِه ، ولهذا قالَ مُعاذٌ : إني لأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي ، كما أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي ... )
وقالَ : ( بل قد قيلَ : إنَّ من جُملةِ حِكمةِ النهيِ عن التَّطَوُّعِ المطلَقِ في بعضِ الأوقاتِ : إجمامَ النفوسِ في وَقْتِ النهيِ لتَنْشَطَ للصلاةِ ؛ فإنها تَنْبَسِطُ إلى ما كانت مَمنوعةً منه ، وتَنْشَطُ للصلاةِ بعدَ الراحةِ . واللهُ أَعْلَمُ ) اهـ .



kolob11.gif
الشرح
kolob11.gif


وهنا يجب أن نعلم أن إجمام النفس وإعطاءها شيئا من الراحة حتى تنشط في المستقبل وحتى تستريح بعض الراحة مما سبق أن هذا من الأمور الشرعية التي دل عليها قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (إن لنفسك عليك حقا ولربك عليك حقا ولأهلك عليك حقا ولزوجك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه).
وهذا الحديث هو الميزان الحقيقي الذي تطمئن إليه النفس لا ما روي عن عمر ولا عن علي وغيرهما، فلو أن المؤلف استدل بهذا الحديث لكان أبين وأظهر، والنفس إذا جعلتها دائما في جد لا بد أن تمل وتسأم، وأما ما قيل: إن من جملة حكمة النهي عن التطوع المطلق في بعض الأوقات. فهذا من جملة الحكمة، وليس هو الحكمة، بل الحكمة الحقيقية ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام: أن الشمس إذا طلعت فإنها تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار وكذلك إذا غربت يسجدون لها. فهم يسجدون لها استقبالا، ويسجدون لها وداعا.


أما وقت الزوال فإن الحكمة فيه: أنه الوقت التي تسجر فيه جهنم فيلحق النفس من التعب في الحر لا سيما في أيام الصيف ما ينهى أن يصلي الإنسان فيه. وليس هذا القيل الذي قيل معارضا للحديث لكنه من جملة الحكمة، والله أعلم.

.:.:.
kalb1.bmp
[ [ المتن ] ]
kalb1.bmp
.:.:.

ولهذا كانت العُطَلُ الأسبوعيَّةُ للطُّلَّابِ مُنتشِرَةً منذُ أَمَدٍ بعيدٍ ، وكان الأَغْلَبُ فيها يومَ الْجُمعةِ وعَصْرَ الخميسِ ، وعندَ بعضِهم يومَ الثلاثاءِ ويومَ الاثنينِ ، وفي عِيدَي الفطْرِ والأَضْحَى من يومٍ إلى ثلاثةِ أيَّامٍ وهكذا .


kolob11.gif
الشرح
kolob11.gif

صحيح... العطل الأسبوعية منتشرة منذ زمن، لكن بعضهم يقتصر على الجمعة فقط، وبعضهم يضيف إلى الجمعة يوم الخميس، وبعضهم يجعل الجمعة ونصف الأسبوع، وكان شيخنا عبد الرحمن بن سعدي –رحمه الله- يفعل هذا، يكون العطلة يوم الجمعة، ويوم الثلاثاء الذي هو وسط الأسبوع لأجل ألا يتوالى يومان كلاهما عطلة، ولئلا يمل الإنسان، وهذا يرجع على كل حال إلى أحوال الناس والأحوال تختلف، فيجعل من العطل ما يناسب.

.:.:.
kalb1.bmp
[ [ المتن ] ]
kalb1.bmp
.:.:.

ونَجِدُ ذلك في كُتُبِ آدابِ التعليمِ ، وفي السِّيَرِ ، ومنه على سبيلِ الْمِثالِ : ( آدابُ المعَلِّمِينَ ) لسُحْنونٍ ( ص 104 ) ، ( والرسالةُ الْمُفَصَّلَةُ ) للقابسيِّ ، ( والشقائقُ النُّعْمانيَّةُ ) وعنه في : ( أَبْجَدِ العلومِ ) ، وكتابِ ( أَلَيْسَ الصبْحُ بقريبٍ ) للطاهرِ ابنِ عاشورٍ ، ( وفتاوَى رَشيد رِضَا ) و( مُعْجَمِ البِلدانِ ) و ( فتاوى شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ ) .
..[[ 37 – قراءةُ التصحيحِ والضبْطِ ]]..
احْرِصْ على قِراءةِ التصحيحِ والضبْطِ على شيخٍ مُتْقِنٍ؛ لتأْمَنَ من التحريفِ والتصحيفِ والغلَطِ والوَهْمِ . وإذا اسْتَقْرَأْتَ تَراجمَ العُلماءِ – وبخاصَّةٍ الْحُفَّاظَ منهم – تَجِدُ عَددًا غيرَ قليلٍ مِمَّنْ جَرَّدَ المطَوَّلَاتِ في مجالِسَ أو أيَّامٍ قراءةَ ضَبْطٍ على شيخٍ مُتْقِنٍ .


kolob11.gif
الشرح
kolob11.gif

وهذه الفقرة من أهم الفقرات، وهو إتقان العلم وضبطه ومحاولة الرسوخ في القلب، لأن ذلك هو العلم، ولا بد أن يكون على شيخ متقن أما الشيخ المتمشيخ فإياك إياك فقد يضرك ضررا كثيرا والإتقان يكون في كل فن بحسبه، قد نجد رجلا متقنا في الفرائض مثلا غير متقن في أحكام الصلاة، ونجد رجلا متقنا في علوم العربية غير عارف بالعلوم الشرعية وآخر بالعكس، فخذ من كل عالم ما يكون متقنا فيه ما لم يتضمن ذلك ضررا، مثل أن نجد رجلا متقنا في علوم العربية، لكنه منحرف في عقيدته وسلوكه فهذا لا ينبغي أن نجلس إليه لأننا إذا جلسنا إليه اغتر به الآخرون وظنوا أنه على حق، فنحن نطلب العلم من غيره وإن كان أجود الناس في هذا الفن، لكن ما دام منحرفا فلا ينبغي أن نجلس إليه.

.:.:.
kalb1.bmp
[ [ المتن ] ]
kalb1.bmp
.:.:.

فهذا الحافظُ ابنُ حَجَرٍ رَحِمَه اللهُ تعالى قَرَأَ ( صحيحَ البخاريِّ ) في عشرةِ مجالسَ ، كلُّ مجلِسٍ عشرُ ساعاتٍ .

kolob11.gif
الشرح
kolob11.gif

كم عدد الساعات ؟ ! 100 ساعة .. الله المستعان ، ولكن على كل حال هو قراءة فقط دون شرح وتأمل.


.:.:.
kalb1.bmp
[ [ المتن ] ]
kalb1.bmp
.:.:.


( وصحيحَ مسلِمٍ ) في أربعةِ مجالسَ في نحوِ يومينِ وشيءٍ من بُكْرَةِ النهارِ إلى الظهْرِ وانتهى ذلك في يومِ عَرَفَةَ ،

وانتهى ذلك في يومِ عَرَفَةَ ، وكان يومَ الجمُعَةِ سنةَ 813 هـ ، وقرأَ ( سُنَنَ ابنِ ماجهْ ) في أربعةِ مجالِسَ ، و ( مُعجَمَ الطبرانيِّ الصغيرَ ) في مَجلِسٍ واحدٍ ، بينَ صَلَاتَي الظهْرِ والعَصْرِ .
وشيخُه الفَيروزآباديُّ قَرَأَ في دِمَشْقَ ( صحيحَ مُسْلِمٍ ) على شيخِه ابنِ جَهْبَلَ قِراءةَ ضَبْطٍ في ثلاثةِ أيَّامٍ .
وللخطيبِ البَغدادىِّ والمؤتَمَنِ الساجيِّ ، وابنِ الأبَّارِ وغيرِهم في ذلك عجائبُ وغرائبُ يَطولُ ذِكْرُها، وانْظُرْها في ( السِّيَرِ ) للذهبيِّ و ( طَبقاتِ الشافعيَّةِ ) للسُّبْكيِّ ، و ( الجواهِرِ والدُّرَرِ ) للسَّخَاويِّ ، و( فتْحِ الْمُغيثِ ) و ( شَذَراتِ الذهَبِ ) ، و ( خُلاصةِ الأثَرِ ) ، و ( فِهْرِسِ الفهارِسِ ) للكَتَّانِيِّ ، و ( تاجِ العَروسِ ) .
فلا تَنْسَ حَظَّكَ من هذا .


kolob11.gif
الشرح
kolob11.gif

الظاهر أن ما لي حظ أبدا في هذا . سبحان الله، والله المستعان.


.:.:.
kalb1.bmp
[ [ المتن ] ]
kalb1.bmp
.:.:.

الأمر الثامن والثلاثون: جَرْدُ الْمُطَوَّلَاتِ :
الْجَرْدُ للمُطَوَّلاتِ من أَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ ؛ لتَعَدُّدِ المعارِفِ ، وتوسيعِ الْمَدَارِكِ واستخراجِ مَكنونِها من الفوائدِ والفرائدِ ، والخبرةِ في مَظَانِّ الأبحاثِ والمسائلِ ، ومَعرِفَةِ طرائقِ الْمُصَنِّفِينَ في تآليفِهم واصطلاحِهم فيها .
وقد كان السالِفون يَكتبون عندَ وُقوفِهم : ( بَلَغَ ) حتى لا يَفوتَه شيءٌ عندَ الْمُعاوَدَةِ ، لا سيَّمَا مع طُولِ الزَّمَنِ .


kolob11.gif
الشرح
kolob11.gif

هذه فيها نظر – يعني جرد المطولات- قد يكون فيه مصلحة للطالب وقد يكون فيه مضرة، فإذا كان الطالب مبتدئا، فإن جرد المطولات له هلكة، كرجل لا يحسن السباحة يرمي نفسه في البحر.
وإن كان عند الإنسان العلم، ولكنه أراد أن يسرد هذه المطولات من أجل أن يكسب فوق علمه الذي عنده، فهذا قد يكون حسن.


فهذه الفقرة تحتاج إلى تفصيل. لو أن رجلا بدأ بالعلم من الآن ونقول له اذهب راجع المغني وراجع شرح المهذب وراجع الحاوي الكبير... وراجع كذا وعددت له من الكتب الموسعة. هذا معناه أنك أهلكته، رميته في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج. أما الإنسان الذي أعطاه الله علما وأراد أن يتبحر ويتوسع فهنا نقول: عليك بالمطولات، وقد ذكر لي بعض الإخوة أن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين -رحمه الله- أنه لم يتجاوز (الروض المربع) في مراجعاته في الفقه، ومع ذلك كان يطلق عليه مفتي الديار النجدية وله حواش على الروض المربع وهو لم يتجاوزه، لكنه يكرره ويتأمله منطوقا ومفهوما وإماء وإشارة.

أما كتابة «بلغ» فهذا طيب إنك إذا راجعت كتابا فاكتب عند المنتهى «بلغ» لتستفيد فائدتين:
الأولى- ألا تنسى ما قرأت، لأن الإنسان ربما ينسى فلا يدري هل بلغ هذه الصفحة أم لا؟ وربما يفوته بعض الصفحات إذا ظن أنه قد تقدم في المطالعة.
والفائدة الثانية- أن يعلم الآتي بعدك الذي يقرأ هذا الكتاب أنك قد أحصيته وأكملته فيثق به أكثر.

fasel8.gif
 
[[
kalb1.gif
المتن
kalb1.gif
]
]

- حُسْنُ السؤالِ :
[[ الْتَزِمْ أَدَبَ الْمُباحَثَةِ ، من حُسْنِ السؤالِ ، فالاستماعِ ، فصِحَّةِ الفَهْمِ للجَوابِ ، وإيَّاكَ إذا حَصَلَ الجوابُ أن تَقولَ : لكنَّ الشيخَ فلانًا قالَ لي كذا ، أو قالَ كذا ، فإنَّ هذا وَهَنٌ في الأَدَبِ ، وضَرْبٌ لأَهْلِ العِلْمِ بعضِهم ببعضٍ ، فاحْذَرْ هذا .
وإن كنتَ لا بُدَّ فاعلاً ، فكنْ واضحًا في السؤالِ ، وقل ما رأيُك في الفَتْوَى بكذا ، ولا تُسَمِّ أَحَدًا .
قالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَه اللهُ تعالى : ( وقيلَ : إذا جَلَسْتَ إلى عالِمٍ ؛ فسَلْ تَفَقُّهًا لا تَعَنُّتًا ) اهـ .
وقالَ أيضًا : ( وللعلْمِ سِتَّةُ مَراتِبَ ) .
أوَّلُها : حسْنُ السؤالِ .
الثانيةُ : حسْنُ الإنصاتِ والاستماعِ .
الثالثةُ : حسْنُ الْفَهْمِ .
الرابعةُ : الْحِفْظُ .
الخامسةُ : التعليمُ .
السادسةُ : وهي ثَمَرَتُه ؛ العمَلُ به ومُراعاةُ حُدودِه اهـ .
ثم أَخَذَ في بيانِها ببَحْثٍ مُهِمٍّ .]]





wardahsagerah.gif
الشرح
wardahsagerah.gif

39- حسن السؤال:
التزم أدب المباحثة من حسن السؤال، فالاستماع، فصحة الفهم للجواب، وإياك إذا حصل الجواب أن تقول: لكن الشيخ فلانا قال لي كذا، أو قال كذا، فإن هذا وهن في الأدب، وضرب لأهل العلم بعضهم ببعض، فاحذر هذا. وإن كنت لا بد فاعلا، فكن واضحا في السؤال، وقل: ما رأيك في الفتوى بكذا، ولا تسم أحدا.




[fot1]من آداب طالب العلم:[/fot1]
[fot1]

[/fot1]
أولا- أن يكون عنده حسن سؤال، حسن إلقاء مثل أن يقول: أحسن الله إليك ما تقول في كذا، وإن لم يقل هذه العبارة فليكن قوله رقيقا بأدب.
الثاني- حسن الاستماع، أما أن تقول: يا شيخ أحسن الله إليك ماذا تقول في كذا وكذا.. وانتظر.
الثالث- صحة الفهم للجواب.. وهذا أيضا يفوت بعض الطلبة، تجده إذا سأل وأجيب. يستحيي أن يقول ما فهمت.​


بعد هذا يأتي بعض الناس بعدما يستمع للجواب يقول: لكن قال الشيخ الفلاني كذا وكذا.. في وسط الحلقة. هذا من سوء الأدب، معنى هذا إنك لم تقتنع بجوابه، ومعنى هذا إثارة البلبلة بين العلماء.
وإن كان لا بد فيقول: قال قائل... ثم يورد ما قاله الشيخ فلان لأن أحدا لا يفهم إذا قال إن قال قائل أنه أراد بذلك جواب شيخ آخر. لهذا يقول: «لكن إذا كنت لا بد فاعلا فقل ما رأيك في الفتوى بكذا» وهذا أيضا ما هو بحسن.
أحسن منه أن تقول (فإن قال قائل)، لأنك إذا قلت: ما رأيك في الفتوى بكذا- وهي خلاف ما أفتاك به- فيعني إنك تريد أن تعارض فتواه بفتوى آخر، لكن هي أحسن من قولك: قال الشيخ الفلاني كذا.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «وقيل: إذا جلست إلى عالم، فسل تفقها لا تعنتا» أ هـ.​


[fot1]للعلم ست مرآتب [/fot1]
أولها- حسن السؤال.
الثانية- حسن الإنصات والاستماع.
الثالثة- حسن الفهم.
الرابعة- الحفظ.
الخامسة- التعليم.
السادسة: وهي ثمرته، العمل به ومراعاة.​

حدوده» أ هـ. ثم أخذ في بيانها ببحث مهم.
ترتيبها على هذا الوجه لا شك أنه مناسب.​

حسن السؤال: إذا دعت الحاجة إلى حسن السؤال أما إذا لم تدع إلى السؤال فلا تلق السؤال، لأنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل إلا إذا احتاج هو إلى السؤال، أو أظن أن غيره يحتاج إلى السؤال قد يكون مثلا هو فاهم الدرس، ولكن فيه مسائل صعبة يحتاج إلى بيانها إلى بقية الطلبة، بل من أجل حاجة غيره.​


والسائل من أجل حاجة غيره كالمعلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه جبريل وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأشراطها. قال «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم».
فإذا كان الباعث على السؤال حاجة السائل. فسؤاله واضح أنه وجيه أو حاجة غيره إن سئل ليعلم غيره فهذا أيضا طيب، أما إذا سأل ليقول الناس: ما شاء الله فلان عنده حرص على العلم كثير السؤال،​

وابن عباس رضي الله عنه يقول: لما سئل بما أدركت العلم؟ قال :«بلسان سؤول وقلب عقول وبدن غير ملول»، فهذا غلط، وعلى عكس من ذلك من يقول: لا أسأل حياء. فالثاني مفرط.
والأول- مفرط، وخير الأمور الوسط.
الثاني- حسن الاتصال الانصات للاستماع.
الثالث- حسن الفهم.
الرابع- الحفظ، وهذا الحفظ ينقسم إلى قسمين: قسم غريزي يهبه الله لمن يشاء، فتجد الإنسان يمر عليه المسألة والبحث فيحفظه ولا ينساه، وقسم آخر كسبي.
بمعنى أن يمرن الإنسان نفسه على الحفظ ويتذكر ما حفظ، فإذا عود نفسه تذكر ما حفظ، سهل عليه الحفظ.
الخامسة- التعليم، والذي أرى أن تكون هي السادسة وأن العمل بالعلم قبل السادسة، فيعمل بالعلم ليصلح نفسه قبل أن يبدأ بإصلاح غيره ثم بعد ذلك يعلم الناس. قال النبي صلى الله عليه وسلم :«ابدأ بنفسك ثم بمن تعول». فالعمل به قبل تعليمه. بلى قد تقول أن تعليمه من العمل به، لأن من جملة العمل بالعلم أن تفعل ما أوجب الله عليك فيه من بثه ونشره.​

fa9l.gif


[[
kalb1.gif
المتن
kalb1.gif
]
]

[[ 40- المناظرة بلا مماراة:
إياك والمماراة، فإنها نقمة، أما المناظرة في الحق، فإنها نعمة، إذ المناظرة االحقة فيها إظهار الحق على الباطل، والراجح على المرجوح، فهي مبنية على المناصحة والحلم، ونشر العلم، أما المماراة في المحاورات والمناظرات، فإنها تحجج ورياء، ولغط وكبرياء، ومغالبة ومراء، واختيال وشحناء، ومجاراة للسفهاء، فاحذرها واحذر فاعلها، تسلم من المآثم وهتك المحارم، وأعرض تسلم وتكبت المآثم والمغرم.]]




wardahsagerah.gif
الشرح
wardahsagerah.gif

االمناظرة والمناقشة تشحذ الفهم وتعطي الإنسان قدرة على المجادلة. والمجادلة في الحق مأمور بها كما قال الله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (سورة النحل: 125).
فإذا تمرن الإنسان على المناظرة والمجادلة حصل على خير كثير، وكم من إنسان جادل بالباطل فغلب صاحب الحق لعدم قدرته على المجادلة.​

[fot1]
المجادلة نوعان:​
[/fot1]
مجادلة المماراة، يماري بذلك السفهاء ويجادل الفقهاء ويريد أن ينتصر قوله،فهذه مذمومة.
والثاني لإثبات الحق وإن كان عليه، فهذه محمودة مأمور بها. وعلامة ذلك- المجادلة الحقة - أن الإنسان إذا بلغه الحق اقتنع وأعلن الرجوع، أما المجادل الذي يريد الانتصار لنفسه فتجده لو بان الحق، وكان ظاهر الحق مع خصمه يورد إيرادات: لو قال قائل. ثم إذا أجيب. ولو قال قائل. ثم إذا أجيب، قال ولو قال قائل. ثم تكون سلسلة لا منتهي لها، ومثل هذا عليه خطر أن لا يقبل قلبه الحق، لا بالنسبة للمجادلة مع الآخر، لكن حتى في خلوته، ربما يورد لشيطان عليه هذه الإيرادات.
قال الله تعالى: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) (سورة الأنعام:110). وقال الله تعالى: (فإن تولوا فأعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم) (سورة المائدة:49).​


فعليك يا أخي ابتغاء الحق سواء كان بمجادلة غيرك أو بمجادلة نفسك متى تبين قل: سمعنا وأطعنا. لهذا تجد الصحابة يقبلون ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم وما أخبر به دون أن يوردوا عليه الاعتراضات أو قول: أرأيت . . . أرأيت.
ولهذا جادل رجل عبد الله بن عمر فقال له: أرأيت؟! قال له :«اجعل أرأيت في اليمن». لأنه من أهل اليمن.
عندما سأل أهل العراق عن دم البعوضة. وهل يجوز قتل البعوضة؟! قال: سبحان الله !! أهل العراق يقتلون ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأتون يسألون عن دم البعوضة!! هذه مجادلة ولا شك.​

fa9l.gif

[[
kalb1.gif
المتن
kalb1.gif
]
]

[[ - مُذاكَرَةُ العِلْمِ :
تَمَتَّعْ مع البُصَرَاءِ بالْمُذاكَرَةِ والْمُطارَحَةِ ؛ فإنها في مَواطِنَ تَفوقُ الْمُطالَعَةَ وتَشْحَذُ الذهْنَ وتُقَوِّي الذاكرةَ ؛ مُلْتَزِمًا الإنصافَ والملاطَفَةَ مُبْتَعِدًا عن الْحَيْفِ والشَّغَبِ والمجازَفَةِ .
وكُنْ على حَذَرٍ ؛ فإنها تَكْشِفُ عُوارَ مَن لا يَصْدُقُ
فإن كانت مع قاصرٍ في العِلْمِ ، باردِ الذهْنِ ؛ فهي داءٌ ومُنافَرَةٌ ، وأمَّا مُذاكرَتُك مع نفسِك في تقليبِك لمسائِلِ العلْمِ ؛ فهذا ما لا يَسوغُ أن تَنْفَكَّ عنه .
وقد قيلَ : إحياءُ العِلْمِ مُذاكرَتُه


.]]



wardahsagerah.gif
الشرح
wardahsagerah.gif

هذا أيضا من الذي ينبغي لطالب العلم أن يقوم به، وهو المذاكرة. والمذاكرة نوعان: مذاكرة مع النفس. ومذاكرة مع الغير.

المذاكرة مع النفس: تجلس مثلا جلسة واحدة، ثم تفرض مسألة من المسائل أو تكون مسألة مرت عليك، ثم تأخذ في محاولة ترجيح ما قيل في هذه المسألة بعضه على بعض. يعني ترجيح بعض الأقوال على بعض في هذه المسألة. وهذه سهلة على (...) هي أيضا تساعد على مسألة المناظرة السابقة.


أما المذاكرة مع الغير: فهي أيضا واضحة يختار الإنسان من إخوانه الطلبة من يكون عونا له على طلب العلم، مفيدا له فيجلس معه ويتذاكرا، يقرأن مثلا ما حفظاه كل واحد يقرأ على الآخر قليلا أو يتذاكرن في مسألة من المسائل بالمراجعة أو بالمفاهمة إن قدرا على ذلك، فإن هذا مما ينمي العلم ويزيده.
لكن إياك والشغب والصلف، لأن هذا لا يفيد. أنت الآن تحاج في مقام الإقناع أم في مقام التأديب؟ في مقام الإقناع. واعلم أنه لن يقتنع كلما اشتد غضبك عليه، بل ربما إذا اشتد غضبك عليه، اشتد غضبه عليك ثم ضاع الحق بينكما، لكن بالهدوء.
أما لو علمت منه الإعنات، مثل أن تكون أنت أعلم منه وتفهم من العلم ما لا يفهم، ولكن عرفت أن هذا الرجل يريد العنت. فحينئذ لك أن تشتد عليه وأن تقول: لن أفهمك لقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : (فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) . ولهذا قال المؤلف : «فإن كانت مع قاصرٍ في العِلْمِ ، باردِ الذهْنِ ؛ فهي داءٌ ومُنافَرَةٌ ».
(...) بعض الناس أكثر علما من الآخر لكن الثاني أفهم منه في معرفة النصوص والثالث أعقل منهم أيضا في معرفة مصادر الشريعة ومواردها لأنه قد يفهم الإنسان النص فهما كاملا لكن ليس عنده ذاك العقل الذي يجمع بين أدلة الشريعة وبين مقاصدها وأسرارها فتجده يأخذ بظاهر اللفظ ولو كان بعيدا عن مقاصد الشرع وهذا خلل عظيم، أرأيت قول ابن حزم في الشاة الثنية لا تجزئ وفي الجذعة، تجزئ، هذا بعيد جدا عن مقاصد الشريعة ، إذا كانت الجذعة تجزئ فالثنية من باب أولى ولا شك، أو يقول بعض الظاهرية: إذا استأذن الرجل ابنته البكر في أن يزوجها رجلا فقالت: يا أبت لا أريد إلا هذا الرجل وأمثاله وأنا موافقة يقول: هذا ليس بإذن ، لا يزوجها ، والبنت الثانية لما شاورها سكتت ولم تقل شيء هذه تزوج والأخرى لا تزوج مع أنها صرحت بالرضا والثانية سكوتها دليل الرضا وليس هو الرضا فالمهم أنه لا بد من عقل، فقد يكون بعض الناس أكثر علما لكنه لا يفهم، وقد حدثتكم مرة عن حمار الفروع تذكرون، رجل حفظ كتاب الفروع لابن مفلح (ثلاثة مجلدات) ولكنه لا يفهم منه ولا معنى واحد فكان أصحابه يجعلونه كمكتبة إذا أشكل عليهم شيء قالوا: ماذا قال صاحب الفروع في الفصل الفلاني أو الباب الفلاني أوالكتاب الفلاني؟ (...) وهو ما يعرف معناه أبدا ، فهذا ليس عنده فهم، فلا بد من فهم.


fa9l.gif

[[
kalb1.gif
المتن
kalb1.gif
]
]

[[ الأمر الثاني والأربعون: طالبُ العلْمِ يَعيشُ بينَ الكتابِ والسُّنَّةِ وعلومِها :
فهما له كالْجَناحينِ للطائرِ ، فاحْذَرْ أن تكونَ مَهيضَ الْجَناحِ .]]




wardahsagerah.gif
الشرح
wardahsagerah.gif

صحيح .. هذا أيضا من آداب طالب العلم. وبقي شيء آخر (طالب العلم يعيش بين الكتاب والسنة)، فهما كالجناجين للطائر والطائر لا يطير إلا بجناحين إذا انكسر أحدهما لم يطر، إذا لا تراعي السنة وتغفل عن القرآن، أو القرآن وتغفل عن السنة، كثير من طلبة العلم يعتني بالسنة وشروحها ورجالها، ومصطلحاتها اعتناء كاملا، لكن لو سألته عن آية من كتاب الله. ما قدم الإجابة، ولا عرف شيئا.
هذا غلط، لكن لا بد أن يكون الكتاب والسنة كلاهما جناحان لك، والجناح الأصل هو: القرآن.
وثم أيضا شيء ثالث- لكن هو داخل في قول المؤلف و(علومها): كلام العلماء، أيضا لا تهمل كلام العلماء ولا تغفل عنه، لأن العلماء أشد منك رسوخا في العلم، وعندهم من قواعد الشريعة وضوابط الشريعة وأسرارها ما ليس عندك فلا تغفله.
ولذلك كان العلماء الأجلاء المحققون إذا ترجح عندهم قول يقولون: «إن كان أحد قال به وإلا فلا نقول به».



شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- على علمه وسعة إطلاعه، إذا قال قولا لا يعلم به قائلا. قال : «أنا أقول به إن كان قد قيل به». ولا يأخذ برأيه، ويقول: خلاص أنا فهمت من القرآن كذا ولا علي من الناس.
هذا غلط. أنت إذا رأيت أكثر العلماء على قول، فلا تعدل عن قول أكثر العلماء إلا بعد التمحيص والتحقق، لأنه من المستبعد أن يكون الأقل هم أهل العلم. بمعنى: إذا رأيت مسألة من المسائل اختلف فيها العلماء وأكثرهم يقول بكذا، والآخرون يقولون بكذا، وترجح عندك قول الأقل ، لا تأخذ به مباشرة ، فكر، ما أدلة الآخرين؟ لأن الأكثر في الغالب يكون معهم الحق ، ففكر أولا ، ثم إذا تبين لك أن الحق مع الأقل فاتبع الحق ، لكن كونك تأخذ مباشرة بما ترجح عندك والجمهور على خلافه هذا لا ينبغي أبدا .
كذلك أيضا تأتي مثلا أدلة شواذ تخالف الأدلة التي هي كالجبال في الشريعة والدلالة فيأخذ الإنسان بهذا الدليل الشاذ، ولعله لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أو ثبت وهو منسوخ ، أو ثبت وهو مخصوص، فنقول ارفق ما دام هذا يخالف الأدلة التي هي كالجبال للشريعة فلا تتعجل في الأخذ به انتظر وتمهل ،

[fot1]فهذان أمران أنبه عليهما لأهميتهما : [/fot1]
wardah5.gif
- مخالفة الجمهور.
wardah5.gif
- ومخالفة القواعد في الشريعة الإسلامية.
wardah5.gif
القواعد التي تعتبر كالجبال للأرض ، رواسخ.


fa9l.gif

[[
kalb1.gif
المتن
kalb1.gif
]
]

[[ الأمر الثالث والأربعون: استكمالُ أدواتِ كلِّ فَنٍّ :
لن تكونَ طالبَ عِلْمٍ مُتْقِنًا مُتَفَنِّنًا – حتى يَلِجَ الْجَمَلُ في سَمِّ الْخِياطِ – ما لم تَستكمِلْ أدواتِ ذلك الفَنِّ ، ففي الفِقْهِ بينَ الفقْهِ وأصولِه ، وفي الحديثِ بينَ عِلْمَي الروايةِ والدِّرايةِ .... وهكذا ، وإلا فلا تَتَعَنَّ .
قالَ اللهُ تعالى : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ } فيُستفادُ منها أنَّ الطالِبَ لا يَتْرُكُ عِلْمًا حتى يُتْقِنَهُ .]]



wardahsagerah.gif
الشرح
wardahsagerah.gif

استكمال أدوات كل فن. يريد بذلك: أنك إذا أردت أن تكون طالب علم في فن معين، وهو ما يعرف عندنا بالتخصص، فلا بد أن تكون مستكملا أدوات ذلك الفن، يعني عندك علما به، فمثلا في الفقه إذا كنت تريد أن تكون عالما بالفقه، فلا بد أن تقرأ الفقه وأصول الفقه لتكون متبحرا فيه، وإلا فيمكن أن تعرف الفقه بدون علم الأصول، ولكن لا يمكن أن تعرف أصول الفقه بدون الفقه.
يعني: يمكن أن يستغني الفقيه عن أصول الفقه، لكن لا يمكن أن يستغني الأصولي عن الفقه، إذا كان يريد الفقه.



ولهذا اختلف العلماء، علماء الأصول: هل الأولى لطالب العلم أن يبدأ بأصول الفقه لابتناء الفقه عليه أو بالفقه لدعاء الحاجة إليه، حيث أن الإنسان يحتاجه في عمله، حاجاته، ومعاملاته قبل أن يفطن إلى أصول الفقه.
والثاني- هو الأولى وهو المتبع غالبا. وهنا استدل بقول الله تعالى :(الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته) (سورة البقرة: 121). والمراد بالتلاوة هنا: التلاوة اللفظية، والتلاوة المعنوية، والتلاوة العملية، مأخوذة من تلاه إذا اتبعه، فالذين آتاهم الكتاب لا يمكن أن يوصفوا بأنهم أهل الكتاب حتى يتلوه حق تلاوته.

قوله :«وفي الحديث بين علمي الرواية والدراية» يعني بذلك الرواية في أسانيد الحديث ورجال الحديث. والدراية في فهم معناه.

fa9l.gif


JAv11916.gif
تم بحمد الله الفصل الخــآمس
JAv11916.gif



 
تفريغ مقرر الاختبار السادس للحلية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


:icony6:حيا الله طالبات العلم:icony6:

تفريغ مقرر الاختبار السادس

الشريط التاسع
وجزء من الشريط العاشر



التحلي بالعمل


يقول الشيخ بكر أبو زيد _رحمه الله_ :


44- من علامات العلم النافع:


تساءل مع نفسك عن حظك من علامات العلم النافع، وهي:


1- العمل به.


2- كراهية التزكية والمدح والتكبر على الخلق.


3- تكاثر تواضعك كلما ازددت علما.


4- الهرب من حب الترؤس والشهرة والدنيا.


5- هجر دعوى العلم.


6- إساءة الظن بالنفس، وإحسانه بالناس، تنزها عن الوقوع بهم.



شرح الشيخ ابن عثيمين _رحمه الله_ :


هذه من علامات العلم النافع:


أولا: العمل به: وهذا بعد الإيمان, أن تؤمن بما علمت ثم تعمل, إذ لا يمكن عمل إلا بالإيمان, فإن لم يوفق الإنسان لذلك بأن كان يعلم الأشياء ولكن لا يعمل بها, فعلمه غير نافع, لكن هل هو ضار أم لا نافع ولا ضار ؟ بل هو ضار, لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال "القرآن حجة لك أو عليك" , ولم يقل: لا لك ولا عليك, فالعلم إما نافع وإما ضار.



والثاني: يقول " كراهية التزكية والمدح والتكبر على الخلق ": وهذا ابتلي به بعض الناس, فيزكي نفسه, ويرى أن ما قاله هو الصواب, وأن غيره إذا خالفه فهو مخطئ, وما أشبه ذلك. كذلك يحب المدح, تجده يسأل: ماذا قالوا لما تحدثوا عني؟, وإذا قالوا أنهم مدحوك انتفخ وزاد انتفاخه, حتى يعجز جلده عن تحمل بدنه, كذلك التكبر على الخلق, بعض الناس _والعياذ بالله_ إذا أتاه الله علما تكبر, الغني بالمال ربما يتكبر, ولهذا جعل النبي _ صلى الله عليه وسلم_ العائل المستكبر من الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم , لأنه ليس عنده مال يوجب الكبرياء, لكن العالم لا ينبغي أن يكون كالغني, كلما ازداد علما ازداد تكبرا, بل ينبغي العكس, كلما ازداد علما ازداد تواضعا, لأن من العلوم التي يقرؤها أخلاق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم, وأخلاقه كلها تواضع للحق وتواضع للخلق, لكن على كل حال إذا تعارض التواضع للخلق أو للحق, أيهما يقدم؟ يعني: بمعنى أنك تتواضع لإنسان يسب الحق ويصرح بمعاداة من يعمل به, فهنا لا تتواضع له, تواضع للحق, وجادل هذا الرجل, حتى وإن أهانك أو تكلم فيك فلا تهتم به, لابد من نصرة الحق.



ثالثا: تكاثر تواضعك كلما ازددت علما: وهذا في الحقيقة فرع من الثاني, يعني تكره التكبر على الخلق, وينبغي كلما ازددت علما أن تزداد تواضعا.



رابعا: الهرب من حب الترؤس والشهرة والدنيا: هذه أيضا قد تكون متفرعة على كراهية التزكية والمدح. يعني: لا تحاول أن تكون رئيسا لأجل علمك, لا تحاول أن تجعل علمك مطية إلى نيل الدنيا, فإن هذا يعني أنك جعلت الوسيلة غاية, والغاية وسيلة. ولكن هل يعني ذلك لو أنك كنت تجادل شخصا لإثبات الحق, هل ينبغي أن تعتبر نفسك فوقه أو دونه؟ هل أنتم فاهمين؟ إنسان يجادلني, أنا أريد إثبات الحق, وهو يريد إثبات الباطل, هل الأفضل أن تشعر بأنك دونه أو بأنك فوقه؟ فوقه , لأنك إذا شعرت بأنك دونه ما استطعت أن تجادله, لكن إذا شعرت أنك فوقه من أجل أن الحق معك, فإنك حينئذ تستطيع أن تسيطر عليه.



خامسا: هجر دعوى العلم: يعني معناه ألا يدعي العلم, ألا يقول: أنا عالم.


أنا ابن جلا و طلاع الثنايا ............................ متى أضع العمامة تعرفوني


كلما كان في مجلس تصدر المجلس, وإذا أراد أحد أن يتكلم قال: اسكت أنا أعلم منك , هذا لا ينبغي, واعلم أن من ادعى العلم فهو جاهل, وربما يفشل ويخزى في مكان يحب أن يكون فيه عزيزا.



سادسا: إساءة الظن بالنفس، وإحسانه بالناس: أن أسيء الظن بنفسي, لأنها ربما تغره, وتأمره بالسوء, فلا يحسن الظن بالنفس, وكل ما أملت عليه أخذ به.


أما قوله "إحسانه بالناس" فهذا يحتاج إلى تفصيل, الأصل إحسان الظن بالناس, وإنك متى وجدت محملا حسنا لكلام غيرك فاحمله عليه, ولا تسيء الظن, لكن إذا علم عن شخص من الناس أنه محل لإساءة الظن, فهنا لا حرج أن تسيء الظن من أجل أن تحترز منه, لأنك لو أحسنت الظن به لأفضت إليه كل ما في صدرك, ولكن ليس الأمر كذلك. ولعل قوله "تنزها عن الوقوع بهم" أنه أراد بقوله "إحسانه بالناس" ألا يأخذ الناس بالتهمة والظن فيتكلم فيهم بما لا يثبت عنده. على كل حال ربما يقال أيضا: وينبغي للعالم أن يكون كريما سخيا في علمه, يبذله كلما احتاج الناس إليه, ولا يقل: أخشى أن أكون ثقيلا على الناس. مدام الناس محتاجين إلى بيان العلم فبين, وإذا علم الله من نيتك أنك تريد نشر العلم وبيان ما قد يكون مشكلا على الناس, فإن الله يخفف كلامك على الناس ولا يستثقلونه.




 
يقول الشيخ بكر أبو زيد _رحمه الله_ :
وقد كان عبد الله بن المبارك إذا ذُكر أخلاق من سلف ينشد:
لا تعرضنَّ بذكرنا مع ذكرهم ................... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
شرح الشيخ ابن عثيمين _رحمه الله_ :
صحيح.
45- زكاة العلم:
أدِ زكاة العلم, صادِعا بالحق، أمَّارا بالمعروف, نهَّاء عن المنكر، موازنا بين المصالح والمضار، ناشرا للعلم، وحب النفع، وبذل الجاه، والشفاعة الحسنة للمسلمين في نوائب الحق والمعروف.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي _ صلى الله عليه وسلم_ قال :"إذا مات الإنسان انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". رواه مسلم وغيره.
قال بعض أهل العلم: هذه الثلاث لا تجتمع إلا للعالم الباذل لعلمه، فبذله صدقة ينتفع بها، والمتلقي لها ابن للعالم في تعلمه عليه.
فاحرص على هذه الحلية، فهي رأس ثمرة علمك, ولشرف العلم، فإنه يزيد بكثرة الإنفاق، وينقص مع الإشفاق، وآفته الكتمان.
ولا تحملك دعوى فساد الزمان وغلبة الفساق وضعف إفادة النصيحة عن واجب الأداء والبلاغ، فإن فعلت فهي فعلة يسوق عليها الفساق الذهب الأحمر، ليتم لهم الخروج على الفضيلة ورفع لواء الرذيلة.
شرح الشيخ ابن عثيمين _رحمه الله_ :
هذه زكاة العلم, تكون بأمور:
الأمر الأول: نشر العلم, هذه من زكاته, كما يتصدق الإنسان بشيء من ماله, فهذا العالم يتصدق بشيء من علمه, وصدقة العلم أبقى, وأبقى دواما, وأقل كلفة ومئونة, أبقى دواما لأنه رُبَّ كلمة من عالم تسمع ينتفع بها أجيال من الناس, ومازلنا الآن ننتفع بأحاديث أبي هريرة رضي الله عنه, ولم ننتفع بدرهم واحد من الخلفاء الذين كانوا في عهده, وكذلك العلماء ننتفع بكتبهم وعلومهم, فهذه زكاة, وأي زكاة, وهذه الزكاة لا تنقص العلم بل تزيده.
يزيد بكثرة الإنفاق منه ………………………….…. وينقص إن به كفًّا شددت
تزيده وتنميه, هذه من زكاة العلم.
ومن زكاة العلم أيضا: العمل به, لأن العمل به دعوة إليه بلا شك, وكثير من الناس يتأسون بالعالم في أخلاقه وأعماله, أكثر مما يتأسون بأقواله, وهذا لا شك زكاة, زكاة, وأي زكاة, لأن الناس يشربون منها ويردون إليها فينتفعون.
ومنها أيضا ما قاله المؤلف: أن يكون صداعا بالحق, وهذا من جملة النشر, لكن النشر قد يكون في حال السلامة وحال الأمن على النفس, وقد يكون في حال الخطر, فيكون صداعا بالحق.
ومنها _أي من تزكية العلم_ وهو الرابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا شك أنه من زكاة العلم, لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عارف بالمعروف وعارف بالمنكر, ثم قائم بما يجب عليه نحو هذه المعرفة, وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يقول _ رحمه الله وعفا عنه_: (أدِ زكاة العلم, صادِعا بالحق، أمَّارا بالمعروف, نهَّاء عن المنكر، موازنا بين المصالح والمضار) , ولا شك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أول من يُطالَب به هم أهل العلم, لأن الله تعالى حمَّلهم العلم, والعلم لابد له من زكاة. والمعروف: كل ما أمر الله به ورسوله. والمنكر: كل ما نهى الله عنه ورسوله. موازنا بين المصالح والمضار: أي مصالح الأمر ومضاره, لأنه قد يكون من الحكمة ألا تأمر, و قد يكون من الحكمة ألا تنهى, حسب ما تقتضيه المصلحة, فالإنسان ينظر إلى المصالح والمضار.
وقوله (ناشرا للعلم وحب النفع) يعني تنشر العلم بكل وسيلة للنشر, من قول باللسان, وكتابة بالبنان, وبكل طريق. وفي عصرنا هذا سهَّل الله سبحانه وتعالى الطرق لنشر العلم, فعليك أن تنتهز هذه الفرصة, من أجل أن تنشر العلم الذي أعطاك الله إياه, فإن الله تعالى أخذ على أهل العلم ميثاق أن يبينوه للناس ولا يكتمونه, ثم ساق المؤلف حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن الإنسان إذا مات "انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له", والشاهد من هذا الحديث قوله " أو علم ينتفع به ".
يقول الشيخ بكر أبو زيد _رحمه الله_ :
قال بعض أهل العلم: هذه الثلاث لا تجتمع إلا للعالم الباذل لعلمه، فبذله صدقة ينتفع بها، والمتلقي لها ابن للعالم في تعلمه عليه.
شرح الشيخ ابن عثيمين _رحمه الله_ :
هذا قصور, والصواب خلاف ذلك, المراد بالصدقة الجارية صدقة المال, وأما صدقة العلم فذكرها بعدُ بقوله " أوعلم ينتفع به أو ولد صالح " المراد به الولد بالنسب, لا الولد بالتعليم. فحمل الحديث على أن المراد بذلك العالم يُعلم فيكون صدقة ويبقى علمه بعد موته فينتفع به ويكون طلابه أبناء له, فهذا لا شك أنه تقصير في تفسير الحديث. والصواب: أن الحديث دل على ثلاثة أجناس مما ينتفع به الإنسان بعد موته, وهي الصدقة الجارية المستمرة, لأن الصدقة إما جارية وإما مؤقتة, فإذا أعطيت فقيرا يشتري طعاما, فهذه صدقة لكنها مؤقتة, وإذا حفرت بئرا ينتفع به المسلمون بالشرب, فهذه صدقة جارية.
 
يقول الشيخ بكر أبو زيد _رحمه الله_ :
فاحرص على هذه الحلية، فهي رأس ثمرة علمك, ولشرف العلم، فإنه يزيد بكثرة الإنفاق، وينقص مع الإشفاق، وآفته الكتمان.
شرح الشيخ ابن عثيمين _رحمه الله_ :
الأولى أن يقال (ولبركة العلم) , فإن هذا أنسب لكونه يزيد بكثرة الإنفاق, فما وجه زيادته؟ وجه زيادته أن الإنسان إذا علَّم الناس مكث علمه في قلبه واستقر, وإذا غفل نسي. ثانيا أنه إذا علم الناس فلا يخلو هذا التعليم من فوائد كثيرة, في مناقشة أو سؤال, فيُنمي علمه ويزداد, وكم من إنسان تعلم من تلاميذه, قد يذكر التلميذ مسألة ما جرت على بال الأستاذ, وينتفع بها الأستاذ, فلهذا كان بذل العلم سببا لزيادته وكثرته.
يقول الشيخ بكر أبو زيد _رحمه الله_ :
ولا تحملك دعوى فساد الزمان وغلبة الفساق وضعف إفادة النصيحة عن واجب الأداء والبلاغ، فإن فعلت فهي فِعلة يسوق عليها الفساق الذهب الأحمر، ليتم لهم الخروج على الفضيلة ورفع لواء الرذيلة.

شرح الشيخ ابن عثيمين _رحمه الله_ :شرح الشيخ ابن عثيمين _رحمه الله_ :
نعم, لا تيأس, ولا تقل: إن الناس غلب عليهم الفسق والمجون والغفلة, لا , ابذل النصيحة ما استطعت, ولا تيأس, لأنك إذا تقاعست واستحسرت فمن يفرح بذلك؟ الفساق والفجار, كما قيل:
خلا لك الجو فبيضي واصفري ...................... ونقري ما شئت أن تنقري
فلا تيأس, فكم من إنسان يئست من إصلاحه, ففتح الله عليه وصلح.
و لا تحملك دعوى فساد الزمان و غلبة الفساق و ضعف إفادة النصيحة عن واجب الأداء و البلاغ، فإن فعلت فهي فعلة يسوق عليها الفساق الذهب الأحمر ليتم لهم الخروج على الفضيلة و رفع لواء الرذيلة
لا تيأس و لا تقل إن الناس غلب عليهم الفسق و المجون و الغفلة، بل ابذل النصيحة ما استطعت لأنك إن تقاعست و استحسرت فإنما يفرح بذلك الفساق و الفجار، كما قيل:
خلا لكِ الجو فبيضي و اصفِري :: و نقّري ما شئت أن تنقِّري
فلا تيأس، فكم من إنسان يئست من صلاحه ففتح الله عليه و صلح
المتن :
46- عزة العلماء:
التحلي بعزة العلماء؛ صيانة العلم و تعظيمه و حماية جناب عزه و شرفه و بقدر ما تبذله في هذا يكون الكسب منه و من العمل به، و بقدر ما تهدره يكون الفوت، و لا حول و لا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، و عليه فاحذر أن يتمندل بك الكبراء أو يمتطيك السفهاء، فتُلاين في فتوى أو قضاء أو بحث أو خطاب.
و لا تسعَ به إلى أهل الدنيا و لا تقف به على أعتابهم و لا تبذله إلى غير أهله و إن عظم قدره
شرح الشيخ رحمه الله:
هذا فيه شيء صواب و شيء فيه نظر؛ فصيانة العلم و تعظيمه وحماية جنابه لا شك أنه عز و شرف، فإن الإنسان إذا صان علمه عن الدناءة و عن التطلع عما في أيدي الناس و عن بذل نفسه فهو أشرف له و أعز، لكن كون الإنسان لا يسعى به إلى أهل الدنيا و لا يقف على أعتابهم و لا يبذله إلى غير أهله و إن عظُم قدره، ففيه تفصيل، فيقال: إذا سعيت به إلى أهل الدنيا و كانوا ينتفعون بذلك فهذا خير، و هو داخل في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، أما إن كانوا يقفون من هذا العالم الذي دخل عليهم و جعل يحدثهم موقف الساخر المتململ فلا ينبغي أن يهدي العالم لهؤلاء لأن هذه إهانة له و إهانة لعلمه، لنفرض أن رجلا دخل على أناس من هؤلاء المترفين و جلس و جعل يتحدث إليهم في أمور شرعية، و لكن شاهد أنهم يتململون و يتغامزون ووجوههم تتمعر، فهؤلاء لا ينبغي أن يحوم حولهم؛ لأن ذلك ذل له و لعلمه، أما إذا كان إن دخل على هؤلاء و جلس و تحدث وجد نفوسا تهش و أفئدة تطمئن ووجد منهم إقبالا، فهنا ينبغي أن يفعل. و لو دخل طالب علم صغير على مثل هؤلاء المترفين فربما يقفون معه موقف الاستهزاء و السخرية، لكن لو دخل عليهم من له وزن عندهم و عند غيرهم لكان الأمر بالعكس، فلكل مقام مقال. فإن رأيت من أهل الدنيا أنهم يقبلون على قولك و يطمئنون إليه و ينتفعون به فلا حرج أن تذهب إليهم و تدعوهم، و العكس بالعكس.
 
و متع بصرك و بصيرتك بقراءة التراجم و السير لأئمة مضوا، ترَ فيها بذل النفس في سبيل هذه الحماية، لا سيما من جمع مُثُلا في هذا، مثل كتاب ((من أخلاق العلماء)) لمحمد سليمان رحمه الله تعالى، و كتاب ((الإسلام بين العلماء و الحكام)) لعبد العزيز البدري رحمه الله تعالى، و كتاب ((مناهج العلماء في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر)) لفاروق السامرائي. و أرجو أن ترى أضعاف ما ذكروه في كتاب ((عزة العلماء)) يسر الله إتمامه و طبعه. و قد كان العلماء يلقِّنون طلابهم حفظ قصيدة الجرجاني علي بن عبد العزيز (ت392هـ) رحمه الله، كما نجدها عند عدد من مترجميه، و مطلعها:
يقولون لي فيك انقباض و إنما :: رأوا رجلا عن موضع الذل أحجما
أرى الناس من داناهم هان عندهم :: و من أكرمته عزة النفس أكرما
و لو أن أهل العلم صانوه صانهم :: و لو عظموه في النفوس لعظما
شرح الشيخ رحمه الله :
هذا الضبط فيه نظر، و الظاهر: و لو عظموه في النفوس لعُظِّما؛ أي لكان عند الناس عظيما، لكنهم لم يعظموه في النفوس بل أهانوه و بذلوه بكل غالٍ و رخيص. و هذه مرت علي في البداية و النهاية لابن كثير في ترجمة الناظم الذي نظمها، و إن كانت توجد في غيرها.
المتـن:
47- صيانة العلم:
إذا بلغت منصبا فتذكر أن حبل الوصل إليه طلبك للعلم، فبفضل الله ثم بسبب علمك بلغت ما بلغت من ولاية التعليم أو الفتيا أو القضاء... و هكذا فأعط العلم قدره و حظه من العلم به و إنزاله منزلته.
و احذر مسلك من لا يرجون لله وقارا؛ الذين يجعلون الأساس حفظ المنصب، فيطوون ألسنتهم عن قول الحق و يحملهم حب الولاية على المجاراة، فالزم -رحمك الله- المحافظة على قيمتك بحفظ دينك و علمك و شرف نفسك بحكمة و دراية و حسن سياسة، احفظ الله يحفظك، احفظ الله في الرخاء يحفظك في الشدة.
شرح الشيخ ـ رحمه الله ـ :
إذا أراد بهذا الحديث فليس هذا لفظه، بل لفظه ((احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك)) و الجملة الثانية ((تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)). يريد بهذا الأدب أن الإنسان يصون علمه فلا يجعله متبذلا؛ بل يجعله محترما معظما، فلا يلين في جانب من يريد الحق بل يبقى طودا شامخا ثابت، أما أم يجعله الإنسان سبيلا إلى المداهنة و إلى المشي فوق بساط الملوك و ما أشبه ذلك فهذا أمر لا ينبغي، و لا يكون الإنسان صائنا لعلمه إذا سلك هذا المسلك. و الواجب قول الحق، لكن الحق قد يكون في مكان دون مكان، و الإنسان ينتهز الفرصة فلا يفوّتها و يحذر الزلة فلا يقع فيها، فقد يكون من المستحسن ألا أتكلم في هذا المكان بشيء و أتكلم في موضع آخر؛ لأني أعلم أن كلامي في الموضع الآخر أقرب إلى القبول و الاستجابة، فلكل مقام مقال؛ و لهذا يقول "بحكمة و دراية و حسن سياسة"؛ بحيث يتكلم إذا كان للكلام محل و يسكت إذا كان ليس للكلام محل، ز قوله -صلى الله عليه و سلم- ((احفظ الله يحفظك)) يعني احفظ حدود الله؛ كما قال الله تعالى: ((الحافظون لحدود الله)) -التوبة:112-؛ فلا ينتهكونها بفعل محرم و لا يضيعونها بترك واجب.
...وقوله ((يحفظك)) يعني في دينك ودنياك وفي أهلك ومالك فإن قال قائل إننا نرى بعض الحافظين لحدود الله يصيبهم ما يصيبهم فنقول : هذا زيادة تكفير سيئاتهم ورفعة درجاتهم ولا ينافي قوله صلى الله عليه وسلم ((أحفظ الله يحفظك .تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة )) قوله "يعرفك " لا تظن أن الله تعالى لا يعرف الإنسان إذا لم يتعرف إليه لكن هذه معرفه خاصة فهي كالنظر الخاص المنفي عمن نفى عنه كما في قوله تعالى {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} مع أن الله لا يغيب عن نظره شئ لكن النظر , نظران:نظر خاص , ونظر عام .كذلك المعرفة :معرفة خاصة ومعرفه عامه والمراد هنا المعرفة الخاصة .
بقي أن يقال إن المشهور عند أهل العلم أن الله تعالى لا يوصف بأنه عارف يقال عالم ولا يقال عارف وفرقوا بين العلم والمعرفة بأن المعرفة تكون للعلم اليقيني والظني وأنها -أي المعرفة- انكشاف بعد خفاء .وأما العلم فليس كذلك فنقول ليس المراد بالمعرفة هنا ما أرادوه الفقهاء أو الأصوليون إنما المراد بالمعرفة هنا : أن الله تعالى يزداد عناية لك ورحمه بك مع علمه بأحوالك عز وجل
وأن أصبحت عاطلاً من قلادة الولاية وهذا سبيلك ولو بعد حين فلا بأس فإنه عزل محمدة ولا عزل مذمة ومنقصة
هذه قاعدة مهمة وهي أن الإنسان إذا أصبح عاطلا عن قلادة الولاية -وهذا سبيلك ولو بعد حين - يعني سوف تترك الولاية ولو بقيت في الولاية حتى الموت فإنك ستتركها لا بد وقوله :((فلا بأس فإنه عزل محمدة ولا عزل مذمة ومنقصة)) هذا أيضا ليس على عمومه ,لان من الناس من يعزل عزل محمدة وعزة لكونه يقوم بالواجب عليه من الملاحظة والنزاهة ,ولكن يضيق على من تحته فيحفرون له حتى يقع وهذا كثير مع الأسف ومن الناس من يعزل لأنه قد تبين أنه ليس أهلا للولاية فهل هذا العزل عزل محمدة أم عزل مذمة ؟ عزل مذمة لا شك
المتن :
ومن العجيب أن بعض من حرم قصداً كبيراً من التوفيق لا يكون عنده الالتزام والإنابة والرجوع إلى الله إلا بعد ( التقاعد ) فهذا وأن كانت توبته شرعيه لكن دينه ودين العجائز سواء إذ لا يتعدى نفعه أما وقت ولايته حال الحاجة إلى تعدي نفعه فتجده من أعظم الناس فجوراً وضرراً أو بادر القلب أخرس اللسان عن الحق فنعوذ بالله من الخذلان
شرح الشيخ ـ رحمه الله ـ :
من العجب أن بعض الناس إذا عزل عن الولاية وترك المسئولية ازداد إنابة إلى الله عز وجل لأنه عُزل في حالة يحمد عليها فلجأ إلى الله وعرف أنه لا يغنيه أحد عن الله عز وجل وعرف افتقاره إلى الله تبارك وتعالى فصلحت حاله وأن كان انفصاله إلى غير ذلك فربما يمن الله عليه بالتوبة لتفرغه وعدم تحمله المسئولية فيعود إلى الله تبارك وتعالى
وأما قوله (( وأما في وقت ولايته وقت تعدي نفعه فتجده من أعظم الناس فجورا وضرراً)) هذا موجود بلا شك لكنه ليس فساد الناس والحمد لله لكن من الناس من يكون متهاونا في أداء وظيفته فإذا تركها رجع إلى الله عز وجل .
المتـن :
48- المداراة لا المداهنة:
المداهنة خلق منحط أما المداراة فلا ، لكن لا تخلط بينهما فتحملك المداهنة إلى حضار النفاق مجاهرة والمداهنة هي التي تمس دينك .
شرح الشيخ ـ رحمه الله ـ :
لا بد أن تعرف ما الفرق بين المداهنة والمداراة
المداهنة : أن يرضي الإنسان بما عليه قبيله كأن يقول لكم دينكم ولي دين ويتركهم
وأما المداراة فهو أن يعزم في قلبه على الإنكار عليه ولكنه يداريه فيتألفه تارة ويؤجل الكلام تارة أخرى وهكذا حتى تتحقق المصلحة
فالفرق بين المداراة والمداهنة ,أن المداراة يراد بها الإصلاح لكن على وجه الحكمة والتدرج في الأمور
وأما المداهنة فإنها الموافقة ولهذا جاءت بلفظ الدهن لأن الدهن يسهل الأمور والعامة يقولون في أمثالهم :أدهن السيل يسير يعني أعط الرشوة إذا أردت أن تمشي أمورك
و المطلوب من طالب العلم المداراة
المتن :
49- الغرام بالكتب :
شرف العلم معلوم نفعه وشدة الحاجة إليه كحاجة البدن إلى الأنفاس وظهور النقص بقدر نقصه وحصول اللذة والسرور بقدر تحصيله ولهذا اشتد غرام الطلاب بالطلب والغرام بجمع الكتب مع الانتقاء ولهم أخبار في هذا تطول وفيه مقيدات في ((خبر الكتاب)) يسر الله إتمامه وطبعه وعليه فأحرز الأصول من الكتب واعلم أنه لا يغني منها كتاب عن كتاب ولا تحشر مكتبتك وتشوش على فكرك بالكتب الغثائيه لا سيما كتب المبتدعة
فإنها سم ناقع
شرح الشيخ ـرحمه الله ـ :
جمع الكتب مما ينبغي لطالب العلم أن يهتم به ولكن يبدأ بالأهم فألاهم فإذا كان الإنسان قليل الراتب فليس من الخير لا من الحكمة أن يشتري كتب كثيرة يلزم نفسه بغرامة قيمتها فإن هذا من سوء التصرف ولذلك لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم
الرجل الذي أراد أن يزوجه ولم يجد شيئا وأن يقترض ويستدين
واحرص على كتب الأمهات الأصول دون المؤلفات الحديثة لان بعض المؤلفين حديثا ليس عنده علم راسخ ولهذا إذا قرأت كتابا
ما تجد انه سطحي قد ينقل الشيء بلفظه وقد يحرفه إلى عبارة طويلة لكنها غثاء
فعليك بالأمهات ، عليك بالأصل ككتب السلف فإنها خير وأبرك بكثير من كتب الخلف
ثم أحذر أن تضم مكتبتك التي ليس فيها خير لا أقول التي
فيها ضرر بل أقول التي ليس فيها خير لان الكتب تنقسم إلى ثلاثة أقسام خير وشر ولا خير ولا شر
فأحرص أن تكون مكتبتك خالية من الكتب التي ليس فيها خير أو التي فيها شر هناك كتب يقال أنها كتب أدب لكنها تقطع الوقت وتقتله
من غير فائدة هناك كتب غامضة ذات أفكار معينه ومنهج معين فهذه أيضا لا تدخل مكتبتك ، سواء كان هذا في المنهج أو في العقيدة ككتب المبتدعة في العقيدة و كتب الثورية في المنهج لأنها ضارة لأن الكتب غذاء للروح كالطعام و الشراب للبدن فإذا تغذيت بمثل هذه الكتب صار عليك ضرر عظيم و اتجهت اتجاه آخر خلاف ما ينبغي لطالب العلم
و ينبغي أيضا العناية بالكتب
 


المتن :



قوام مكتبتك:


عليك بالكتب المنسوجة على طريقة الاستدلال والتفقه على علل الأحكام، والغوص على أسرار المسائل، ومن أجلها كتب الشيخين: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وتلميذه ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى.


وعلى الجادة في ذلك من قبل ومن بعد كتب:


1- الحافظ ابن عبد البر (م سنة 463هـ) رحمه الله تعالى وأجل كتبه”التمهيد”.


2- الحافظ ابن قدامه (م سنة 620هـ) رحمه الله تعالى، وأرأس كتبه المغنى”.


3- الحافظ ابن الذهبي (م سنة 748هـ) رحمه الله تعالى.


4- الحافظ ابن كثير (م سنة 774هـ) رحمه الله تعالى.


5- الحافظ ابن رجب (م سنة 795هـ) رحمه الله تعالى.


6- الحافظ ابن حجر (م سنة 852هـ) رحمه الله تعالى.


7- الحافظ الشوكاني (م سنة 1250هـ) رحمه الله تعالى.


8- الإمام محمد بن عبد الوهاب (م سنة 1206هـ) رحمه الله تعالى.


9- كتب علماء الدعوة ومن أجمعها ”الدرر السنية”.


10- العلامة الصنعاني (م سنة 1182هـ) رحمه الله تعالى، لا سيما كتابة النافع ”سبل السلام”.


11- العلامة صديق حسن خان القنوجي (م سنة 1307هـ) رحمه الله تعالى.


12- العلامة محمد الأمين الشنقيطي (م سنة 1393هـ) رحمه الله تعالى لا سيما كتابة:”أضواء البيان”.





هذا أيضا مهم ، أن يختار الإنسان لمكتبته الكتب الأصلية القديمة لان غالب كتب المتأخرين غالبها قليله المعاني كثيرة المباني تقرأ صفحة كاملة يمكن أن تلخصها في سطر أو سطرين مع التعاريج و المطاب و التغريزات في بعض الكلمات التي لا تفهم إلا بعد افتراض لكن كتب السلف تجدها سهله هينة لينه رصينة لا تجد كلمه واحده ليس لها معنى .


ثم وصف هذه الكتب قال المنسوجة علي طريقه الاستدلال والتفقه في علل الأحكام


وهذا خير ما يكون لطالب العلم أن تكون المسائل مقرونة بالدلائل والدلائل إما نصوص وإما علل والعلل مستنبطه من النصوص لكن قد لا يكون نقد في هذه المسألة بعينها لكن تشملها العلة وأعلم أنه لا يوجد حكم من أحكام الله عز وجل إلا وله عله لأن الله تعالي قال " ذالكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم" فما من حكم إلا وله علة لكن من الأحكام ما نعلم علتها ونعلم أن لها أكثر من عله وبعضها يخفي عليك ولكننا وإن خفي علينا العلة الخاصة لا تخفي علينا العلة العامة وهي التعبد لله عز وجل فإن كمال التعبد لله أن تعبده عز وجل بما أمر سواء علمت الحكمة أم لم تعلم وهذا أبلغ في المقياس أن ينقاد الشخص في عمل لا يعرف حكمته وإنما يقوم به بمجرد التعبد والتذلل لله وقول الإنسان المقال والحال سمعنا وأطعنا هذه لا تكفي لو قال قائل مثلا ما العلة في أكل لحم الإبل نقول إن فتح لنا وفهمناها وهي علة خاصة مثلا فهذا مطلوب وإلا لعندنا العلة وهي التعبد لله فيما أمر


وكذلك العلة من رمي الجمرات ، لماذا نرمي هذه الجمرات حصى بمكان نتعبد لله به لأن الله أمر بذلك فقلنا سمعنا وأطعنا ولو كان هذا في غير هذا المكان وفي غير هذا الزمان لعد عبثا أو جنونا لو واحد منا طلع الآن السوق وأخذ حصيات وأخذ يحدف في الشارع أيش نقول في هذا هذا مجنون لكن لما وقع بأمر الله صار عباده لله عز وجل


إذا من أهم ما يكون اقتناء الكتب التي تجتمع علي المسائل والدلائل حتى تفتح لطالب أبواب العلم ثم اعلم أن الحكم الذي تقوم به مبني علي دليل تطمئن إليه النفس أكثر وتلتزم به أيضا أكثر لأنه مبني علي دليل علي نص أو عله داله عليه


ثم ذكر أمثله للكتب من اجلها كتب الشيخين شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم رحمهم الله وقد حث شيخنا عبد الرحمن بن السعدي رحمه الله علي اقتناء الكتب لهذين العالمين الجليلين ومن المعلوم أن كتب ابن القيم أسهل وأسلس لأن شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله كانت عباراته قويه لغزاره علمه وقوه عبارته وابن القيم رأي بيتا معمورا فكان منه التحسين


ولسنا نريد بذلك أن نقول أن ابن القيم نسخه من ابن تيميه ، أبدا ابن القيم حر إذا رأي أن شيخه قال ما يراه صوابا تكلم لمّا ذكر وجوب فصل الحج إلي العمرة وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه يري أنه يجب علي من يسق الهدي إذا أحرم بحج أو بقران أن يفسخه إلي عمره وكان شيخ الإسلام يري أن الوجوب خاص بالصحابة وقال :" و أنا إلي قوله أميل من قول شيخنا -شيخ الإسلام بن تيمية"- فصرح بمخالفته "


فهو-ابن القيم- رحمه الله مستقل حر الفكر لكنه لا غرو أن يتابع شيخه رحمه الله فيما يراه حقا وصوابا ولا شك أنك إذا تأملت غالب في الإسلام وجدتها أنها هي الصواب وهذا أمر يعرفه من تدبر كتبهم


فالمهم أننا نوافق الشيخ بكر بن أبا زيد كما أننا نتبع الشيخ كذلك رحمه الله بالحرص باقتنائه علي كتب شيخ الإسلام بن تيميه وتلميذه ابن القيم


كذلك أيضا


1- الحافظ بن عبد البر وأجل كتبه التمهيد شرح الموطأ وهذا الكتاب علي دلالته وغزاره علمه يصعب أن تحصل منه الفائدة لأنه غير مرتب إذ أنه بناه علي الأسانيد رحمه الله وساق الموطأ علي هذا المنهاج فصار الإنسان يتعب قبل أن يحصّل مسألة من مسائله ونرجو الله تعالي أن يوفق بعض شبابه من طلبه العلم إلي ترتيبه سواء ترتيبا كاملا في تغيير الكتاب أصلا أو ترتيبه بالفهارس وأظن ترتيبه بالفهارس سيكون سهلا يكون ثمة أوراقا ويسجل فيها مثلا ما يتعلق بكتاب الطهارة علي حده وما يتعلق بكتاب الصلاة علي حده حتى تجتمع ثم بعد ذلك يضم بعضها إلي بعض ولو فعل الإنسان ذلك لكان خدم هذا الكتاب خدمه عظيمه وخدم الناس الذين يريدون الانتفاع به


وكذلك أيضا


2-الحافظ بن قدامه رحمه الله أنا إلي الآن لا أسمع أحد وصف ابن قدامه أنه حافظ لكن لا شك أنه فقيه من أكبر الفقهاء رحمه الله يقول ورأس كتبه المغني وإنما قال وأرأس كتبه المغني إشارة إلي أنه رحمه الله له كتب علي الترتيب لطالب العلم ك الكافي


وأقنع طالب بمقنع فقه وأقنع بالمغني الفقه


لمن كان وعمدته من يعتمدها يحصل


فهو كتب في الفقه العمدة فيها مسائل ودلائل للطالب المبتدئ ثم المقنع للطالب الذي ترفع بعض الشيء وكان يذكر فيه القولين لمذهب الإمام أحمد إما الروايتين وإما الوجهين وإما الاحتمالين لكن بدون وجه الدليل ثم إذا ارتفع الإنسان إلي فيه ذكر القولين أو الاحتمالين أو الوجهين مع ذكر الدليل أو التعليل ثم يرتقي الر الرأس والقمه وهو المغني الذي يذكر فيه الموفق رحمه الله الخلاف في مذهب أحمد ومع الائمه الاربعه وغيرهم ولهذا قال ورأس كتبه المغني


3- الحافظ بن الذهبي أو الذهبي رحمه الله ولم يذكر شيئا من كتبه


4- الحافظ بن كثير وله الأحكام في شرح البخاري رحمه الله


5- الحافظ بن رجب وله كتب كثيرة في الحديث وكذلك في الفقه ومن ما أطلع عليه القواعد الفقهية حتى إن بعض العلماء قالوا إن هذه القواعد الفقهية ليست لابن رجب لأنها أكبر من مستواه ولكن الصحيح أنها له قد اشتهرت وتناقلها الناس وفضل الله يؤتيه من يشاء لكنني أعني القواعد الفقهية لطالب العلم الذي يريد التبحر في الفقه من أحكم ما رأيت لأنها مبنية علي التعليل وعلي المناقشة وفيها فوائد كثيرة وهي طبعا غير مرتبه ولكن في الطبعات رتبت علي أبواب الفقه في الفهارس


6- الحافظ بن حجر رحمه الله ولا هجره بعد الفتح له فتح الباري الذي نعرفه من كتبه وله كتب أخرى الحديثيه وربما يكون له كتب فقهيه


7- الحافظ الشوكاني وله كتب حديثيه فقهيه نيل الأوتار جامع بين علم الحديث والفقه هو فقه


8-الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أيضا له كتب متعددة في فنون متعددة وأكثر ما ألف فيه هو التوحيد يحبب الناس إلى ذلك


9- كتب علماء الدعوة ومن أثمنها الدرر الثنية والدرر الثنية كتب بعضها باعتبار المشايخ بحيث جمع لكل شيخ ما كتبه أو أجاب عنه أو أجاب عليه من أسئلة وجمعت علي وجه أخر مرتبه أبواب الفقه والعقائد وهي لا شك أنها نافعة جدا فيها رسائل صغيره وفيها أجوبة كثيرة نافعة


10- العلامة الصنعاني لا سيما كتابه سبل السلام في شرح بلوغ المرام فهو جامع بين الحديث والفقه


11- العلامة الصديق حسن خان رحمه الله تعالي وله كتب في الفقه وكتب في التفسير وتفسيره من أجمع التفاسير للأقوال مع اختصاره لكنه مفيد جدا وكان مشايخنا يوصوننا به أي بتفسير الصديق خان


12- العلامة العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله لاسيما كتابه أضواء البيان في التفسير لكنه في الحقيقة جامع بين التفسير والحديث والفقه ولاسيما حينما تجاوز البقرة وآل عمران والنساء أما كلامه في البقرة وآل عمران والنساء فهو قليل لكن فيما بعد ما شاء الله انفجر البحر وصار يتكلم بكلام قل أن تجده في غيره



التعامل مع الكتاب:


لا تستفد من كتاب حتى تعرف اصطلاح مؤلفة فيه، وكثيراً ما تكون المقدمة كاشفة عن ذلك، فابدأ من الكتاب بقراءة مقدمته.



الشرح:



التعامل مع الكتاب يكون بأمور


الأول : معرفه موضوعه معرفه الموضوع حتى يستفيد الإنسان منه لأنه يحتاج إلى التخصص تقرأ الكتاب لا تدري ما هو ربما يكون كتاب شعوذة أو سحر أو باطل لابد أن تعرف الموضوع


الثاني : لابد أن تعرف مصطلحات وهذا في الغالب يكون في المقدمة لأن معرفه المصطلحات يحصل بها في الواقع أنك تحفظ أوقاتا كثيرة وهذا يفعله الناس في مقدمات الكتب فمثلا نعرف أن صاحب بلوغ المرام إذا قال متفق عليه يعني رواه البخاري ومسلم لكن صاحب المنتقي علي خلاف ذلك صاحب المنتقي إذا قال متفق عليه في الحديث فإنه يعني راوي الإمام أحمد والبخاري ومسلم


كذلك أيضا كتب الفقه يفرق بين القولين والوجهين والروايتين والاحتمالين كما يعرف الناس من تتبع كتب الفقهاء الروايتين عن الإمام والوجهين عند أصحابه لكن أصحاب المذهب الكبار أهل التوجيه والاحتمالين للتردد بين قولين والقولين أعم من ذلك كله


كذلك تحتاج أن تعرف مثلا إذا قال المؤلف إجماعا أو إذا قال وفاقا إذا قال إجماعا يعني بين الأئمة وفاقا مع الأئمة الثلاثة كما هو اصطلاح صاحب الفروع في فقه الحنابلة


وكذلك بقيه أصحاب المذاهب كل له اصطلاحه فلابد أن تعرف اصطلاح المؤلف



ثالثا :يكون التعامل مع الكتاب بمعرفة أسلوبه و عباراته و لهذا تجد أنك إذا قرأت الكتاب أول ما تقرأ -لاسيما في الكتب العلمية المملوءة علما- تجد أنه تمر بك العبارة تحتاج إلى تأمل و تفكير في معناها لأنك لم تعلم فإذا كررت قراءة الكتاب فهمته


فأنظر مثلا إلى كتب شيخ السلام بن تيمية(رحمه الله ) الإنسان الذي لم يتمرن في مطالعة كتبه يصعب عليه أن يفهمها لأول مرة لكن إذا تمرن عرفه بيسر و سهولة هذه أيضا تكون من التعامل مع الكتاب


أما ما يتعلق بالأمر الخارج عن التعامل مع الكتاب هو التعليق بالهوامش أو بالحواشي فهذا أيضا مما ينبغي لطالب العلم أن يغتنمه و إذا مرت به مسألة تحتاج إلى شرح أو إلى دليل أو إلى تعليل ،و يخشى أن ينساه فإنه يعلقه إما بالهامش و هو الذي على اليمين أو على اليسار و إما بالحاشية و التي تكون بالأسفل. و كثيرا ما يفوت الإنسان مثل هذه القواعد التي لو علقها لم تستغرق عليه إلا دقيقة أو دقيقتين ثم إذا عاد إلى أن يتذكرها بقي مدة و هو يتذكرها و لا يمكنه. فينبغي أيضا لطالب العلم أن يعتني بمثل ذلك لاسيما مثلا في كتب الفقه يمر بك في الكتاب مسألة و حكمها ثم تتوقف و يشكل عليك فارجع إلى الكتب التي أوسع من الكتاب الذي بين يديك فإذا وجدت قولا فعلق القول من أجل أن ترجع إليه إن احتجت إليه دون الرجوع إلى أصل الكتاب الذي نقلت منه, فهذا مما يوفر عليك الوقت.


و كذلك أيضا إذا كان الكتاب في فقه مذهب من المذاهب و رأيت أنه يخالف المذهب في حكم هذه المسألة فإنه من المستحسن أن تقيم المذهب عن الهامش أو في الحاشية حتى تعرف أن هذا الكتاب خارج عن المذهب و لاسيما إذا كان المذهب أقوى مما ذهب إليه صاحب الكتاب.


هل من التعامل من الكتاب و إن كان خارجا عن التعامل الداخلي أن تلخص الكتاب مثلا؟


نعم,تلخيصه على سبيل التأليف و النشر قد يجد الإنسان في هذا حرجا لكن استخراج فوائد مبعثرة لا على سبيل التأليف هذا لا يجد الإنسان الحرج فيه و لو نشره و أما اختصاره و نشر الكتاب فإن دعت الحاجة إلى ذلك فلا بأس و إلا فلا تتعرض له لأنك إذا فعلت ذلك ربما يهجر الناس الأصل إلى هذا المختصر و ربما تحذف مسائل أهم من ما تثبته أما إذا دعت الحاجة إلى ذلك فلا حرج.


المتن :


52 ـ و منه إذا حزت كتابا فلا تدخله في مكتبتك إلا بعد أن تمر عليه جردا أو قراءة لمقدمته و فهرسه و مواضع منه أما إن جعلته مع همه في المكتبة فربما مر زمان و فات العمر دون النظر فيه و هذا مجرب و الله الموفق.


شرح الشيخ رحمه الله:


هذا صحيح, و هو حاصل كثيرا يعني أكثر ما يكون في حال الإنسان أنه إذا جاءه كتاب جديد يتصفح,إذا كان كثيرا يقرأ الفهرس, قل أن تجد شخص مثلا أو هل مرت بك حال من حين ما يأتيك الكتاب تجعله قرة؟ هذا قليل.لا بد أن تعلم.


و إنما قلنا أو قال الشيخ هذا لأجل إن احتجت إلى مراجعته عرفت أنه يتضمن حكم المسألة التي تريد أما إذا لم تجلده مراجعة و لو مرورا فإنك قد لا تدري ما فيه من المسائل و الفوائد فيفوتك شيء كثير موجود في هذا الكتاب الذي عندك في رفك.



المتن :


53ـ إعجام الكتابة:


إذا كتبت فأعجم الكتابة بإزالة عجمتها و ذلك بأمور


أعجم الكتاب معناه أَجعله أعجميا ؟


لا, معناه أزل عجمته بإعرابه و تشكيله و نقطه حتى لا يشكل, و هذه من العبارات التي


كما جاء في الحديث"يتحنث" أي أن النبي صلى الله عليه و سلم يتحنث في غار حراء الليالي ذوات العدد.يتحنث يعني يزيل الحنث أو يفعل الحنث؟ يزيله , و هذه لها أمثلة كثيرة فمعنى أعجم الكتاب أزال عجمته بتشكيله و إعرابه


و ذلك بأمور


-أولا: وضوح الخط


-ثانيا:رسمه على ضوء قواعد الرسم:الإملاء . و في هذا مؤلفات كثيرة من أهمها كتاب "الإملاء "لحسين والي


شرح الشيخ ـ رحمه الله :


لابد أن تكون عالما,أخش أن تقع في قول القائل( أريد تعريبه) فأعجَمَه.لابد أن تكون عالما أما مثلا فكرك يقول لك هذه مرفوعة ,مضمومة ,منصوبة,مكسورة ,و تفهم,لا,لابد أن تكون عالما, إذا أشكل عليك تركيب الكلمة أو حركاتها في تركيبها لا في إعرابها فارجع إلى أصلها لأن هناك أخطاء شائعة بين الناس مثلا يقولون تجرِبة و تجارِب أكثر الناس إن لم أقل أكثر الناس يضمونها فأخش أن يكون واحد يعجم فتمر به تجربة فيقول تجربة بضم الراء فيشكلها نطقا و إعرابا و هذا غلط , قد يشتهر بين الناس أشياء ما لها أصل فلا بد أن ترجع إلى الأصل


المتن :


و في هذا مؤلفات كثيرة من أهمها كتاب الإملاء لحسين والي,قواعد الإملاء لعبد السلام محمد هارون , المفرد للهاشمي رحمهم الله تعالى


ثالثا:النقط للمعجم و الإهمال للمهمل


رابعا:الشكل لما يشكل


-خامسا:تثبيت علامات الترقيم في غير آية أو حديث


شرح الشيخ ـ رحمه الله :


كل هذه قواعد ينبغي مراعاته


ما يقولون بالضاد مشالة أخت الطاء,بالضاد المعجمة أخت الصاد,بالدال المهملة أخت الذال و بالذال المعجمة أخت الدال...لكن أحيان يقولون هذا لأن لا يخطء الإنسان وعادة الذال و الدال ما تختلف إلا بالإعجام فقط, الضاد و الظاء هي التي تختلف يحتاج أن تقول بالظاء المشالة التي هي أخت الطاء


أختها :يعني على شكلها و صورتها.


سؤال:بعض الناس بطيء في القراءة فهل يسرع ليقطع أشواطا أكثر مع أنه لو أبطء فهم أكثر؟


المطالعة نوعان :


-مطالعة تدبر و تفكر:هذه لا بد للإنسان أن يتأمل و يتأن


-مطالعة استطلاع فقط:ماذا كتب هذا الرجل؟ مثلا,هذه نسرع فيها ,أحيانا يقرأ الإنسان الصفحة بعينه و لا يتأملها و لا شيء


سؤال:ما معنى المشالة؟يعني مرفوعة


سؤال:قوله تثبيت "علامات الترقيم في غير آية أو حديث" كأنه يقول لا تستعمل علامات الترقيم في الأحاديث,الآيات واضح لكن الأحاديث؟ الترقيم يعني الفاصلة و النقطة ..؟



الرقم يطلق على العدد هذا هو المشهور لكن وضع العلامات فهذا غير معلوم فيما يسمى الترقيم,إذا كان المقصود وضع العلامات فهذا صحيح أن القران لا يحسن أن تضع فيه علامات يعني مثلا "أفرأيتم اللات و العزة" ما تكتب علامة استفهام,هذا في القران,تقتصر على ما تكتب.في الحديث كثير من الناس الذين يطبعون كتب الحديث يكتبون العلامات الاستفهام و كذلك الفواصل في الأحاديث أما القران ففواصله بآياته.فإذا كان مراده الترقيم يعني العلامات دون الترقيم العددي فهذا صحيح القران ترقيمه بفصل الآيات,معروف, الحديث غير مسلم لا مانع أن تضع العلامات-علامة الاستفهام, علامة التعجب,علامة الوقف..- هذا مما يعين على فهم المعنى و القرآن لولا احترامنا للرسم العثماني لقلنا أيضا ضع فيه الترقيم,لكن القرآن ينبغي أن يحترم و أن لا يزاد فيه و ينقص.


علامات هذه الواقع أن الناس مختلفون فيها بعض الناس ما يعرف الفاصلة و لا يعرف علامة الوصل و لا علامة الاستفهام و لا علامة التعجب... و معنى هذا أننا ينبغي لنا أن نقرأ الكتب المؤلفة بهذا حتى إذا أردنا أن نكتب تكون كتابتنا متمشية على القواعد المعروفة.


انتهى الفصل السادس.

:icony6::icony6::icony6:
 
مقرر الاختبار السابع من حلية طالب العلم

تفريغ مقرر الاختبار السابع (الأخير) للحلية

الشريط الحادي عشر
الشريط الثاني عشر

الفصلُ السابعُ
الْمَحاذِيرُ
الرابع والخمسون: حلْمُ اليَقَظَةِ :
إيَّاك و ( حلْمَ اليَقَظَةِ ) ، ومنه بأن تَدَّعِيَ العلْمَ لِمَا لم تَعْلَمْ ، أو إتقانَ ما لم تُتْقِنْ ، فإن فَعَلْتَ ؛ فهو حِجابٌ كَثيفٌ عن الْعِلْمِ .

الشيخ:
هذا صحيح.. وما أسرع أن يغتر الإنسان ، أحيانا بعض الناس يري الحاضرين بأنه عالم مطلع، فتجده إذا سئل.... يسكت قليلا- يعني كأنه يتأمل ويطلع على الأسرار ثم يرفع رأسه ويقول: هذه المسألة فيها قولان للعلماء !! ، ولو قلت له ما هما القولين؟ يأتي بالقولين من عنده أو يقول تحتاج إلى مراجعة ، فالمهم أنك لا تدعي العلم ولا تنصب نفسك عالما مفتيا وأنت لا علم عندك؛ لأن هذا من السفه في العقل والضلال في الدين. ولهذا قال : «فإن فعلت فهو حجاب كثيف عن العلم». لأن الإنسان إذا فعل هذا ، يقول خلاص أنا صرت عالم لا أحتاج إلى ان أطلب العلم فينحجب عن العلم بهذا الاعتقاد الباطل.

الخامس والخمسون: احْذَرْ أن تكونَ ( أبا شِبْرٍ ) :
فقد قيلَ : العلْمُ ثلاثةُ أَشبارٍ ، مَن دَخَلَ في الشبْرِ الأَوَّلِ ؛ تَكَبَّرَ ؛ وَمَنْ دَخَلَ في الشبْرِ الثاني ؛ تَواضَعَ ، ومَن دَخَلَ في الشبْرِ الثالثِ ؛ عَلِمَ أنه ما يَعْلَمُ .


الشبر الأول يتكبر لأنه ما عرف نفسه حقيقة، الثاني تواضع، لكن متواضع وهو يرى نفسه عالما، الأول يرى نفسه عالما لكن متكبر ، والثاني يرى نفسه عالما لكنه متواضع ، والثالث أنه جاهل لا يعلم. وبالضرورة فلن يتكبر وهو يرى نفسه جاهلا، لكن هل هذه الأخيرة محمودة أم لا؟ أن ترى نفسك جاهلا؟ إذا رأيت نفسك جاهلا فاعلم أنك لن تقدم على عزم في الفتيا مثلا، ولهذا تجد بعض طلبة العلم لا يعطيك جزما يقول: الذي يظهر... أو يحتمل ...
لا يا أخي ما دام الله قد فتح عليك وكنت عالما حقا، فاعتبر نفسك عالما.. اجزم بالمسألة، لا تجعل الإنسان السائل طريح الاحتمال، وإلا ما أفدت الناس.
أما الإنسان الذي ليس عنده علم متمكن فهذا ينبغي أن يرى نفسه غير عالم.


56- التصدر قبل التأهل:
احذر التصدر قبل التأهل،فهو آفة في العلم والعمل. وقد قيل: من تصدر قبل أوانه، فقد تصدى لهوانه.


هذا أيضا مما يجب الحذر منه، أن يتصدر الإنسان قبل أن يكون أهل للتصدر؛ لأنه إذا فعل ذلك كان هذا دليلا على أمور:
الأول- إعجابه بنفسه، حيث تصدر فهو يرى نفسه علم الأعلام.
الثاني- أن ذلك يدل على عدم فقهه ومعرفته بالأمور، وإذا الناس رأوه متصدرا، أوردوا عليه من المسائل ما يبين عواره.
الثالث- إنه إذا تصدر قبل أن يتأهل، لزمه أن يقول على الله ما لا يعلم، لأن غالب من كان هذا قصده الغالب أنه لا يبالي أن يحطم العلم تحطيما وأن يجيب عن كل ما سئل عنه.
الرابع- أن الإنسان إذا تصدر فإنه في الغالب لا يقبل الحق، لأنه يظن بسفهه أنه إذا خضع لغيره، وإن كان معه الحق كان هذا دليلا على أنه ليس بأهل في العلم.

 
السابع والخمسون: التَّنَمُّرُ بالعِلْمِ :
احْذَرْ ما يَتَسَلَّى به الْمُفْلِسُونَ من العِلْمِ ، يُراجِعُ مسألةً أو مسألتين، فإذا كان في مَجلسٍ فيه مَن يُشارُ إليه ؛ أثارَ البحثَ فيهما ؛ ليُظْهِرَ عِلْمَه ، وكم في هذا من سَوْأَةٍ ، أقَلُّها أن يَعلمَ أنَّ الناسَ يَعلمونَ حقِيقَتَه . وقد بَيَّنْتُ هذه مع أخواتٍ لها في كتابِ ( التعالمِ ) والحمْدُ للهِ رَبِّ العالمينَ .

الشيخ:
هذا مثله ، التنمر بالعلم ، يعني أن يجعل الإنسان نفسه نمرا، تعرفون النمر، أخو الأسد، فيأتي مثلاً إلى مسألة من المسائل ويبحثها ويحققها بأدلتها ومناقشتها مع العلماء، وإذا حضر مجلس عالم يشار إليه بالبنان، ماذا تقول أحسن الله إليك في كذا وكذا؟ قال: هذا حرام مثلا.
قال: كيف؟ بماذا نجيب عن قوله صلى الله عليه وسلم كذا، عن قول فلان كذا، ثم يأتي من الأدلة التي لا يعرفها العالم؛ لأن العالم ليس محيطا بكل شيء، لكي يظهر نفسه أنه أعلم من هذا العالم، ولذلك تجد العوام يتحدثون: والله فلان البارحة جالس مع فلان -الذي هو كبير من العلماء- وأفحمه في مسألة (...) بلغ مبلغا عظيما ، صار كبير كبار العلماء.
لأن العالم لا يدري وهذه تقع كثير جدا ، كثيرا ما يأتي إنسان يكون بحث مسألة بحثا دقيقا جيدا، ثم يباغت العلماء بمثل هذا ، وهذا لا شك أنه كما قال الشيخ حفظه الله تنمر، لكنه من مفلس ، لكن ما دواء هذا؟ (...) نقول: أعرب قول الشاعر، حينئذ يتنين (...) ، أو اقسم هذه المسألة الفرضية، يتبين أنه ليس عنده شيء، ومن قاتلك بسكين فقاتله بسيفك، وهذا واقع كثير من العلماء الآن ومن طلبة العلم، يكون له اختصاص في شيء معين مثل أن يدرس كتاب النكاح مثلا ويحقق فيه. لكن لو تخرج به إلى كتاب البيع -الذي هو قبل باب النكاح في الترتيب عند الفقهاء- لن تجده عنده شيئا، كثير من الناس الآن يتنمر في الحديث، يعرض حديث فيقول رواه فلان عن فلان، وفيه انقطاع، وانقطاعه كذا. ثم يضفي على هذا ظلالا من كبريات العلم ثم لو تسأله عن آية من كتاب الله ما أجاب.
والحاصل أن الإنسان يجب أن يكون أديبا مع من هو أكبر منه ، يجب أن يتأدب، وإذا كان من هو أكبر منه أخطأ في هذه المسألة ، فالخطأ يجب أن يبين لكن بصيغة لبقة أو ينتظر حتى يخرج مع هذا العالم ويمشي معه ويتكلم معه بأدب ، والعالم الذي يتقي الله إذا بان له الحق فإنه سوف يرجع إليه وسوف يبين للناس أنه رجع. (...) لكن المهم ألا يكون هم طالب العلم أن يكون رئيسا في الناس لأن هذا من ابتغاء الدنيا بالدين.

58- تحبير الكاغد:
كما يكون الحذر من التأليف الخالي من الإبداع في مقاصد التأليف الثمانية، والذي نهايته «تحبير الكاغد»، فالحذر من الاشتغال بالتصنيف قبل استكمال أدواته، واكتمال أهليتك، والنضوج على يد أشياخك، فإنك تسجل به عارا، وتبدي به شنارا.

أما الاشتغال بالتأليف النافع لمن قامت أهليته، واستكمل أدواته، وتعددت معارفه، وتمرس به بحثا، ومراجعة، ومطالعة، وجردا لمطولاته، وحفظا لمختصراته، واستذكارا لمسائله، فهو من أفضل ما يقوم به النبلاء من الفضلاء.
ولا تنس قول الخطيب:«من صنف، فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس».
شرح الشيخ:

هذه الشروط التي ذكرها، الآن متعذرة. الآن تجد رسائل في مسألة معينة يكتبها أناس ليس لهم ذكر ولا معرفة، وإذا تأملت ما كتبوه وجدت أنه ليس صادرا عن علم راسخ، وأن كثيرا منه نقولات، وأحيانا ينسبون النقل إلى قائله، وأحيانا لا ينسبون، وعلى كل حال نحن لا نتكلم عن النيات، فالنية علمها عند الله عز وجل. لكن نقول: انتظر.... انتظر.
وإذا كان لديك علم وقدرة فاشرح هذه الكتب الموجودة شرحا لأن بعض هذه الكتب لا يوجد فيه الدليل على وجه كامل.



59- موقفك من وهم من سبقك:
إذا ظفرت بوهم لعالم، فلا تفرح به للحط منه، ولكن افرح به لتصحيح المسألة فقط؛ فإن المنصف يكاد يجزم بأنه ما من إمام إلا وله أغلاط وأوهام، لا سيما المكثرين منهم.

وما يشغب بهذا ويفرح به للتنقص، إلا متعالم «يريد أن يطب زكاما فيحدث به جذاما».
نعم؛ ينبه على خطأ أو وهم وقع لإمام غمر في بحر علمه وفضله، لكن لا يثير الرهج عليه بالتنقص منه، والحط عليه فيغتر به من هو مثله.
هذا أيضا مهم جدا، وهو موقف الإنسان من وهم من سبقه أو من عاصره أيضا. هذا الموقف له جهتان:
الجهة الأولى- التصحيح وهذا أمر واجب، ويجب على كل إنسان عثر على وهم إنسان- ولو كان من أكابر العلماء في عصره- أو فيمن سبقه- يجب عليه أن ينبه على هذا الوهم وعلى هذا الخطأ، لأن بيان هذا الوهم أمر واجب، ولا يمكن أن يضيع الحق لاحترام من قال بالباطل، لأن احترام الحق أولى من مراعاته.
لكن هل يصرح بذكر قائل الخطأ أو الوهم، أو يقول: توهم بعض الناس وقال كذا وكذا؟ هذا ينظر إلى المصلحة. قد يكون من المصلحة ألا يصرح، كما لو كان يتكلم عن عالم مشهور في عصره، موثوق عند الناس محبوب إليهم. فيقول: قال فلان كذا وكذا خطأ، فإن العامة لا يقبلون منه شيئا بل يسخرون به، ويقولون: من أنت حتى ترد على فلان، ولا يقبلون الحق. ففي هذه الحال يجب أن يقول: من الوهم أن يقول القائل كذا وكذا. ولا يقل: فلان.
وقد يكون هذا الرجل- الذي توهم- متبوعا يتبعه شرذمة من الناس، وليس له قدر في المجتمع، فحينئذ يصرح، لئلا لا يغتر الناس به، فيقول: قال فلان كذا وكذا وهو خطأ.
الجهة الثانية- في موقف الإنسان من وهم من سبقه أو من عاصره أن يقصد بذلك بيان معايبه لا إظهار الحق من الباطل.
وهذه إنما تقع من إنسان حاسد- والعياذ بالله- يتمنى أن يجد قولا ضعيفا أو خطأ لشخص ما، فينشره بين الناس ولهذا نجد أهل البدع يتكلمون في شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وينظرون إلى أقرب شيء يمكن أن يقدح به، فينشرونه ويعيبونه، فيقولون: خالف الإجماع في أن الثلاث طلقات واحدة، فيكون هو شاذا. ومن شذ شذ في النار، يحكم بأن الإنسان إذا قال لامرأته أنت طالق، بأن يكفر كفارة يمين، مع أنه لم يتكلم باليمين إطلاقا، وإنما قال: إذا فعلت كذا فأنت طالق مثلا.
يقول بأن الله تعالى لم يزل فعالا ولم يزل فاعلا، وهذا يستلزم أن يكون مع الله قديم، لأن هذه المقولات الواقعة بفعل الله، إذا جعل فعل الله قديما لم يزل، لزم أن تكون المفعولات قديمة، فيكون قد قال بوجود إلهين.... وما أشبهها من هذه الكلمات التي يأخذونها زلة من زلاته يشيعونها بين الناس، مع أن الصواب معه.
لكن الحاسد الناقم- والعياذ بالله- له مقام آخر.
فأنت في وهم من سبقك يجب أن يكون قصدك الحق، ومن كان قصده الحق وفق للقبول، أما من كان قصده أن يظهر عيوب الناس، فإن من تتبع عورة أخيه، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في بيت أمه.
ثم يقول :«إذا ظفرت بوهم لعالم فلا تفرح به للحط منه، ولكن افرح به لتصحيح المسألة فقط». والحقيقة إني أقول: لا تفرح به إطلاقا، إذا عثرت على وهم عالم فحاول أن تدفع اللوم عنه وأن تذب عنه، لا سيما إذا كان من العلماء المشهود لهم بالعدالة والخير ونصح الأمة.
أما أن أفرح بها، فهذا لا ينبغي حتى وإن كان قصدي تصحيح الخطأ. ولهذا لو كانت العبارة «إذا ظفرت بوهم عالم فلا تفرح به للحط منه ولكن التمس العذر له وصحح الخطأ» هذا صواب العبارة.
ثم قال:«فإن المنصف يكاد يجزم بأنه ما من إمام إلا وله أغلاط وأوهام، ولا سيما المكثرين منهم». والأفصح أن يقول :«لا سيما المكثرون منهم».
يقول أن المنصف يعني الذي يتكلم بالعدل ويتتبع أقوال العلماء يعلم أنه ما في عالم إلا وله أوهام وأخطاء، ولا سيما المكثر الذي يكثر الكتابة والفتوى. ولهذا قال بعضهم: من كثر كلامه، كثر سقطه. ومن قل كلامه، قل سقطه.
ثم قال :«وما يشغب بهذا ويفرح به للتنقص، إلا متعالم» يريد أن يطب زكاما فيحدث به جذاما.
في الحقيقة لا يفرح به للتنقص إلا إنسان معتدي لا متعالي. معتدي يريد العدوان على الشخص نفسه، ويريد العدوان على العلم الصحيح، لأن الناس إذا وجدوا هذا العالم أخطأ في مسألة ضعف قوله، أو ضعفت قوة قوله عندهم حتى في المسائل الصحيحة.


60- دفع الشبهات:
لا تجعل قلبك كالإسفنجة تتقلى ما يرد عليها، فاجتنب إثارة الشبه وإيرادها على نفسك أو غيرك، فالشبه خطافة، والقلوب ضعيفة، وأكثر من يلقيها حمالة الحطب- المبتدعة- فتوقهم.

هذه الوصية أوصى بها شيخ الإسلام ابن تيمية تلميذه ابن القيم قال: «لا تجعل قلبك كالإسفنجة بشرب ويقبل كل ما ورد عليه، ولكن اجعله زجاجة صافية تبين ما وراءها ولا تتأثر بما يرد عليها».
كثير من الناس يكون قلبه غير مستقر ويورد شبهات. وقد قال العلماء رحمهم الله قولا حقا وهو: أننا لو طاوعنا الإيرادات العقلية ما بقي علينا نص إلا وهو محتمل مشتبه، ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يأخذون بظاهر القرآن وبظاهر السنة، ولا يوردون: ولو قال قائل.
نعم إن كان الإيراد قويا أو كان هذا الإيراد قد أورد من قبل فحينئذ يبحث الإنسان، أما أن يجعل يفكر إذا نام على فراشه «إنما الأعمال بالنيات» أفلا يحتمل بالأعمال العبادات الأم: كالصلاة والزكاة والحج والصوم، والباقي لا نية له. يمكن، فيه احتمال عقليا؛ ثم يبني على الاحتمال الذي أورده على نفسه احتمالات أخرى.
وما أكثر هذا في بعض الناس، نجده دائما يورد إيرادات وهذا في الواقع ثلم عظيم في تلقي العلم.
اترك الإيرادات وامش على الظاهر فهو الأصل، ولهذا اقرأوا الآن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة والأحاديث تجدون المسألة على ظاهرها.
لما حدث النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بأن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير.
قالوا: يا رسول الله كيف ينزل؟ وهل السماء تسعه؟ وهل يخلو من العرش؟ هل قالوا هكذا؟! أبدا.
لما حدثهم أن الموت يؤتى به يوم القيامة على صورة كبش، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت، ثم يذبح بين الجنة والنار.
قالوا: كيف يكون الموت كبشا؟ ما قالوا هذا !!
لذلك أنصح نفسي وإياكم ألا توردوا هذا على أنفسكم، لا سيما في أمور الغيب المحضة، لأن العقل بحار فيها، ما يدركها، فدعها على ظاهرها ولا تتكلم فيها.
قل سمعنا وآمنا وصدقنا، وما وراءنا أعظم مما نتخيل. فهذا مما ينبغي لطالب العلم أن يسلكه.
 
- احذر اللحن:
ابتعد عن اللحن في اللفظ والكتب، فإن عدم اللحن جلالة، وصفاء ذوق، ووقوف على ملاح المعاني لسلامة المباني: فعن عمر رضي الله عنه أنه قال :«تعلموا العربية، فإنها تزيد في المروءة». وقد ورد عن جماعة من السلف أنهم كانوا يضربون أولادهم على اللحن. وأسند الخطيب. عن الرحبي قال: «سمعت بعض أصحابنا يقول: إذا كتب لحان، فكتب عن اللحان لحان آخر، صار الحديث بالفارسية» ! وأنشد المبرد.




النحو يسبط من لسان الألكن***والمرء تكرمه إذا لـم يلحـن


فإذا أردت من العلوم أجلها***فأجلها منها مقيـم الألسـن



وعليه، فلا تحفل بقول القاسم بن مخيمرة- رحمه الله تعالى-: «تعلم النحو: أوله شغل، وآخره بغي».
ولا بقول بشر الحافي- رحمه الله تعالى-: «لما قيل له: تعلم النحو قال: أضل.
قال: قل ضرب زيد عمرا. قال بشر: يا أخي! لم ضربه؟ قال: يا أبا نصر ! ما ضربه وإنما هذا أصل وضع. فقال بشر: هذا أوله كذب، لا حاجة لي فيه». رواهما الخطيب في «اقتضاء العلم العمل».
اللحن معناه: الميل سواء كان في قواعد التصريف أو في قواعد الإعراب. قواعد الإعراب يمكن الإحاطة بها، فيعرف الإنسان القواعد ويطبق لفظه أو كتابته عليها.
قواعد التصريف هي المشكلة، أحيانا يأتي الميزان الصرفي على غير قياس، يأتي سماعيا بحتا، وحينئذ لا يخلو إنسان في الغلط فيه.
عندك جموع التكسير، تحتاج إلى ضبط. عندك أبنية المصادر تحتاج إلى ضبط، ومع هذا لو ضبطها سوف تجد شاذا كثيرا عنها، ولكن نقول: سدد وقارب. فعليك بأن تعدل لسانك وأن تعدل بنانك، وأن لا تكتب إلا بعربية، ولا تنطق إلا بعربية، فإن عدم اللحن جلالة وصفاء لون ووقوف على ملامح المعاني لسلامة المباني. كلما سلم المبنى اتضح المعنى.
وعن عمر رضي الله عنه قال :«تعلموا العربية فإنها تزيد في المروءة». هذه يقولها في عهده، يأمر بتعلم العربية خوفا من أن تتغير بلسان الأعاجم بعد الفتوحات.
لكن مع الأسف أننا في هذا الزمن- الذي ليس لنا شخصية وصرنا أذيالا وأتباعا لغيرنا- صار منا من يرى أن من تكلم بالإنجليزية أو بالفرنسية هو ذو مروءة، ويفخر إذا كان الإنجليزية أو الفرنسية، بل إن بعضنا يعلم أولاده اللغة غير العربية.
بعض الصبيان يأتي يقول مع السلامة، فيقول : باي باي.
في الهاتف يقول: آلو. لماذا لم تقل: السلام عليكم، لأنك الآن تستأذن، فهذه أشياء – مع الأسف- لما كنا ليس لنا شخصية، ويجب أن يكون لنا شخصية، لأننا والحمد لله أهل دين وشريعة، لكن صار بعضنا أذيالا.
عمر يقول : «تعلموا العربية فإنها تزيدكم مروءة»، وبناء على ذلك : كلما كان الإنسان أعلم بالعربية صار أكبر مروءة وأكثر.
قال: «وقد ورد عن جماعة من السلف أنهم كانوا يضربون أولادهم على اللحن، واللحن قليل في ذلك الوقت، ومع ذلك يضربونهم عليه. عندنا الآن لا أحد يضرب على اللحن ولا أولاده ولا تلاميذه ولا غيره، على الأقل بالنسبة للتلاميذ إذا أخطأ الإنسان في العربية فرد عليه حتى لا يكون أخطأ، وظن أن سكوتك يدل على صحة ما نطق به.


الثاني والستون: الإجهاضُ الفكريُّ :
احْذَر ( الإجهاضَ الفِكْرِيَّ ) ؛ بإخراجِ الفِكرةِ قبلَ نُضُوجِها .
الشيخ:
هذا بمعنى ما سبق، أنك لا تتعجل من حين ما يتبين لك شيئا تخرجه، لا سيما إذا كان هذا الشيء الذي أنت تريد أن تخرجه مخالفا لقول أكثر العلماء أو مخالفا لما تقتضيه الأدلة الأخرى الصحيحة، لأن بعض الناس يمشي مع بنيات الطريق، فتجده إذا مر بحديث -ولو كان ضعيفا شاذا- أخذ به، ثم قام يتكلم به في الناس، فيظن الناس لهذا أنه أدرك من العلم ما لم يدركه غيره. فنقول الذي بينك وبين الله: إذا رأيت حديثا يدل على حكم تعارضه الأحاديث الصحيحة التي هي عماد الأمة، والتي تلقتها الأمة بالقبول فلا تتعجل، وكذلك إذا رأيته يدل على حكم خالف الجمهور، لا تتعجل. لكن إذا تبين لك الحق فلا بد من القول به. هذا سماه الشيخ بكر: (الإجهاض الفكري) يعني كأن امرأة وضعت حملها قبل أن يتم.


الثالث والستون: الإسرائيلياتُ الجديدةُ :
احْذَر الإسرائيليَّاتِ الجديدةَ في نَفَثَاتِ المستشرقين من يهودَ ونَصَارَى ؛ فهي أشدُّ نِكايةً وأعظَمُ خَطَرًا من الإسرائيليَّاتِ القديمةِ ؛ فإنَّ هذه قد وَضَحَ أمْرُها ببيانِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الموْقِفَ منها ؛ ونَشْرِ العُلماءِ القولَ فيها ، أمَّا الجديدةُ الْمُتَسَرِّبَةُ إلى الفِكْرِ الإسلاميِّ في أعقابِ الثورةِ الحضارِيَّةِ واتِّصالِ العالَمِ بعضِه ببعضٍ ، وكَبْحِ المدِّ الإسلاميِّ ؛ فهي شرٌّ مَحْضٌ وبلاءٌ متَدَفِّقٌ ، وقد أخذَتْ بعضَ المسلمينَ عنها سِنَةٌ ، وخَفَضَ الْجَناحَ لها آخَرونَ فاحْذَرْ أن تَقَعَ فيها ، وَقَى اللهُ المسلمينَ شَرَّهَا .
الشيخ:
يريد بهذا الأفكار الدخيلة التي دخلت على المسلمين بواسطة اليهود والنصارى، فهي ليست إسرائيليات إخبارية، بل إسرائيليات فكرية دخل على كثير من الكتاب الأدبيين، وغير الأدبيين، أفكار دخيلة في الواقع، منها ما يتعلق بالمعاملات، ومنها ما يتعلق بالعبادات، ومنها ما يتعلق بالأنكحة، حتى إن بعض الكتاب ينكر تعدد النساء الذي ذهب كثير من العلماء إلى أن التعدد أفضل من الإفراد، وينكر التعدد ويقول هذا في زمن ولى وراح، ولم يدر أن التعدد في هذا الزمن أشد إلحاحا منه فيما سبق لكثرة النساء وكثرة الفتن واحتياج النساء إلى من يُحَصن فروجهن. كذلك أيضا من بعض الأفكار ما يتعلق بحال النبي عليه الصلاة والسلام وتعدد الزوجات في حقه ، ومن الأفكار أيضا ما يتعلق بالخلافة والإمامة، كيف كان أبو بكر يبايع له بدون أن يستشار الناس كلهم، حتى العجوز والطفل.... وما أشبه ذلك.
المهم أن هناك أفكارا جديدة واردة اشتبهت على بعض كتاب المسلمين فيجب على الإنسان الحذر منها وأن يرجع إلى الأصول في هذه الأمور فإنها خير.

64- احذر الجدل البيزنطي:
أي الجدل العقيم، أو الضئيل، فقد كان البيزنطيون يتحاورون في جنس الملائكة والعدو على أبواب بلدتهم حتى داهمهم. وهكذا الجدل الضئيل يصد عن السبيل.
وهدي السلف: الكف عن كثرة الخصام والجدال، وأن التوسع فيه من قلة الورع، كما قال الحسن، إذا سمع قوما يتجادلون. «هؤلاء ملوا العبادة، وخف عليهم القول، وقل ورعهم، فتكلموا». رواه أحمد في «الزهد»، وأبو نعيم في «الحلية».
وهذا مهم، الحذر من الجدل البيزنطي، وهو الجدال العقيم، الذي لا فائدة منه، أو الجدل الذي يؤدي إلى التنطع في المسائل والتعمق فيها بدون أن يكلفنا الله ذلك، فدع هذا الجدل واتركه، لأنه لا يزيدك إلا قسوة في القلب وكراهة للحق، إذا كان مع خصمك وغلبك فيه، فلهذا دع هذا النوع من الجدل.
أما الجدل الحقيقي الذي يقصد به الوصول إلى الحق، ويكون جدل مبني على السماحة، وعدم التنطع. فهذا أمر مأمور به. قال الله تعالى : (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (سورة النحل: 125).
ثم ذكر المؤلف – وفقه الله- مثالا للجدل العقيم: جنس الملائكة ما هم؟ يجادل هؤلاء المتكلمون: جنسهم من كذا، وجنسهم من كذا.
ونحن نعلم أنهم خلقوا من نور وأنهم أجسام وأنهم لهم أجنحة وأنهم يصعدون وينزلون إلى آخر ما ذكره الله في الكتاب أو ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة من أوصافهم، ولا نتعد في أمور الغيب غير ما بلغنا، ولا نسأل: كيف ولم؟ لأن هذا أمر فوق العقل، وأيضا سمعنا قصة مماثلة، كان العدو على أبواب المدنية، وكان الناس يتجادلون: أيما خلق أولا: الدجاجة أم البيضة؟.
ومن ذلك أيضا، ما ابتلي به أهل الكلام فيما يتعلق بالعقيدة وصاروا يتنطعون ويقولون -مثلاً-: كلام الله هل هو صفة فعلية أم ذاتية؟
وهل هو حادث أو قديم؟
وما أشبه ذلك من الكلام،
وهل نزول الله إلى السماء الدنيا حقيقة أو مجاز؟
وهل أصابعه حقيقة أم مجاز؟
وكم أصابعه؟
وما أشبه ذلك.
والله يا أخوة إن هذا البحث يقسي القلب وينتزع الهيبة- هيبة الله عز وجل- وتعظيمه وإجلاله من القلب.
إن كان الإنسان يريد أن يتكلم عن صفات الله كأنه يشرح جثة ميت!!
سبحان الله !! الناس قبل أن يدخلوا في هذا الأمر تجدهم إذا ذكر الله اقشعر جلده من هيبة الله وعظمته.
كل هذا البحث فيه عقيم، كن كما كان الصحابة رضي الله عنهم لا يسألون عن مثل هذه الأمور، لأنهم إذا سألوا وبحثوا ونقبوا، فإن الضريبة هي قسوة القلب، مؤكد. لكن إذا بقي الرب عز وجل محل الإجلال والتعظيم في قلبك، وعدم البحث في هذه الأمور صار هذا أجل وأعظم، فاستمسك به فهذا إن شاء الله هو الحق.
 
الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.
عودة
أعلى