القسم الأول[FONT="]:[/FONT]الشفاعة التي تكون في أمور الدنيا[FONT="] .[/FONT][FONT="]
[/FONT]فالشفاعة في أمور المعاملات التي تكون بين الناس تنقسم إلى قسمين باختصار[FONT="]:[/FONT][FONT="]
[/FONT]الأول[FONT="]:[/FONT]شفاعة جائزة: وهي ما يكون في مقدور العبد واستطاعته القيام به ؛ فهذه جائزةبشرطين[FONT="] :[/FONT]أن تكون في شيء مباح، أن لا يعتمد بقلبه في تحقيق المطلوب ودفع المكروه إلا على الله وحده.[/FONT] الثاني شفاعة غير جائزة:وهي ما لا يكون في مقدور العبد ، وطاقته ووسعه كطلب الشفاعة من الأموات وأصحاب القبور وهذا محرم. و تكون في أمر غير شرعي، أو فيها ظلم لطرف آخر. أما الشفاعة التي تكون في الآخرة ـ يوم القيامة ـهي: طلب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم – أو غيره – من الله في الدار الآخرة حصول منفعة لأحد من الخلق[FONT="]. ويدخل تحت هذا التعريف جميع أنواع الشفاعات الخاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وغيره، كالشفاعة العظمى وهي طلب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من ربه إراحة الناس من الموقف بمجيئه لفصل القضاء، ويدخل كذلك شفاعته صلى الله عليه وسلمفي دخول أهل الجنة الجنة، وشفاعته في تخفيف العذاب عن أبي طالب، وشفاعة الشفعاء في رفع الدرجات في الجنة، وكذا الشفاعة في إخراج قوم من الناروإدخالهم الجنة[FONT="].[/FONT]الحياة [FONT="]الآخرة لغالب[/FONT] عواجي[FONT="]1/283.[/FONT][FONT="]
[/FONT][FONT="]*[/FONT]ويشترط لقبوله الشفاعة في الآخرة ما يلي[FONT="]:[/FONT]في ذلك اليوم لا تنفع الشفاعة أحدًا من الخلق، إلا إذا أذن الرحمن للشافع، ورضي عن المشفوع له، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن المخلص[FONT="].[/FONT][/FONT] -أن يأذن المشفوع عنده -وهو الله سبحانه وتعالى- للشافع -وهوالنبي صلى الله عليه وسلم أو غيره- وأن يقبل شفاعته، فهو وحده سبحانه صاحب الشفاعة ومالك أمرها يقول تعالى"مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ"البقرة: 255،والشافع إذا قُبلت شفاعته صارمُشَفَّعًا، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ يَومَ القِيامَةِ، وأَوَّلُ مَن يَنْشَقُّ عنْه القَبْرُ، وأَوَّلُ شافِعٍ وأَوَّلُ مُشَفَّعٍ."الراوي : أبو هريرة - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم-الصفحة أو الرقم: 2278 - خلاصة حكم المحدث : صحيح-الدرر- أي أول من يطلب الشفاعة وأول من يُقبل. ففي ذلك اليومِ لا تنفعُ الشَّفاعةُ أحدًا من الخَلقِ، إلَّا مَن أَذِنَ له الرَّحمنُ أن يَشفَعَ أو يُشفَعَ له، ورَضِيَ اللهُ قَولَ الشافعِ والمشفوعِ له.الدرر.
"كَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى"النجم:26."قِيلَ يا رَسولَ اللَّهِ مَن أسْعَدُ النَّاسِ بشَفَاعَتِكَ يَومَ القِيَامَةِ؟ قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لقَدْ ظَنَنْتُ يا أبَا هُرَيْرَةَ أنْ لا يَسْأَلُنِي عن هذا الحَديثِ أحَدٌ أوَّلُ مِنْكَ لِما رَأَيْتُ مِن حِرْصِكَ علَى الحَديثِ أسْعَدُ النَّاسِ بشَفَاعَتي يَومَ القِيَامَةِ، مَن قالَ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِن قَلْبِهِ، أوْ نَفْسِهِ."الراوي : أبو هريرة - المحدث : البخاري - المصدر :صحيح البخاري- الصفحة أو الرقم: 99 - خلاصة حكم المحدث : صحيح- الدرر-يخبِرُنا النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ أسعدَ النَّاسِ بشفاعتِه يومَ القيامة هو مَن نطَق بالشَّهادتينِ معتقِدًا معناهما، عاملًا بمقتضاهما إجمالًا. وفيه:أنَّ الشَّفاعةَ إنَّما تكونُ في أهلِ التَّوحيدِ. وفيه: ثبوتُ الشَّفاعةِ.الدرر. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله[FONT="] : [FONT="]" [/FONT]وَالِاقْتِصَارُ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَلَى إِرَادَةِ الشَّهَادَتَيْنِ مَعًا لِكَوْنِهَا صَارَتْ عَلَمًا عَلَى ذَلِكَ " انتهى من "فتح الباري" 1/ 133[FONT="].
[/FONT]وقال المُلَّا علي القاري رحمه الله[FONT="] :[/FONT][FONT="]
" [/FONT]ولتلازم الشهادتين شرعًا : جُعِلتا خصلة واحدة ، واقتصر في رواية على إحدى الشهادتين ، اكتفاء[FONT="] .[/FONT] وقال الشيخ ابن جبرين رحمه الله[FONT="] :
[/FONT][FONT="]" [/FONT]الشهادتان متلازمتان من شهد بإحداهما لزمته الأخرى، بل هي مكملة لها؛ لأنا نقول: من أين عرفت أنه لا إله إلا الله، وعرفت بأن الله هو الإله الحق، وأنه لا تصلح الألوهية إلا له؟! أليس ذلك بواسطة الرسالة؟! إذاً[FONT="]:[/FONT]فيلزمك تصديق الرسول، والشهادة له بأنه مرسل من ربه[FONT="].
[/FONT]وإذا صدقت الرسول عليه السلام في أنه رسول، وأنه مبعوث من ربه، فما هي الرسالة التي بلغها ؟ أليس أول شيء بدأ به هو التوحيد بأن يقال : لا إله إلا الله ؟ فالرسول عليه الصلاة والسلام بدأ يدعو الناس إلى عبادة الله وترك عبادة ما سواه ، وهذا هو أعظم الرسالة التي بلغها ، فالشهادتان متلازمتان ، فمن شهد أن لا إله إلا الله ألزم بأن يأتي بالشهادة الثانية وهي الشهادة بالرسالة، ومن شهد أن محمداً رسول الله لزمه قبول رسالته التي أهمها قول لا إله إلا الله، فعرفنا بذلك أنهما متلازمتان " انتهى . "شرح الطحاوية" 45/ 12[FONT="] .[/FONT]الإسلام سؤال وجواب سبق ونوهنا عن ترتيب أحداث يوم القيامة عند الكلام عن الحوض وقلنا: إذا بُعث الناس وقاموا من قبورهم ذهبوا إلى أرض المحشر....../فإذا طال المُقام رَفَعَ الله - عز وجل - لنبيه صلى الله عليه وسلمأولًاحوضه المورود ،..../ ثميقوم الناس مُقامًا طويلًا ، ثم تكونالشفاعة العظمى - شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم- بأن يُعَجِّلَ الله - عز وجل - حساب الخلائق.ترتيب أحداث يوم القيامة-هنا-
"أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ يَومَ القِيامَةِ، وأَوَّلُ مَن يَنْشَقُّ عنْه القَبْرُ، وأَوَّلُ شافِعٍ وأَوَّلُ مُشَفَّعٍ."الراوي : أبو هريرة - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم -الصفحة أو الرقم: 2278 - خلاصة حكم المحدث : صحيح-الدرر- الشافِع والمشَفَّع هنا:هو الرسول صلى الله عليه وسلم فالشافع إذا قُبلت شفاعتُه صار مُشفعًا. لذلك قال صلى الله معليه وسلم "وأَوَّلُ شافِعٍ وأَوَّلُ مُشَفَّعٍ"أي أول من يطلب الشفاعة وأول من يقبل. [/FONT] *القسم الثاني : الشفاعة التي تكون في الآخرة ـ يوم القيامة ـ . فأما الشفاعة التي تكون في الآخرة فهي نوعان : النوع الأول: الشفاعة الخاصة: وهي التي تكون للرسول صلى الله عليه وسلم خاصة لا يشاركه فيها غيره من الخلق وهي أقسام : أولها:الشفاعة العظمى: وهي من المقام المحمود الذي وعده الله إياه ، في قوله تعالى " وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا"سورة الإسراء.79. وهي الأولى، التي يشفع فيها عند الله عز وجل، ليأتي لفصل القضاء، وهي التي يرغب إليه فيها الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم. وحقيقة هذه الشفاعة إِنَّهُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَجْمَعُ اللهُ الْخَلْقَ، وَيَلْحَقُهُمْ مِنْ الشِّدَّةِ مَا لا يُطَاقُ وَلا يُحْتَمَلُ.إِنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَحْصُلُ فِيهِ الكَثِيرُ مِنَ الْكُرُوبِ وَالأَهْوَالِ، وَلا يَنْجُو إِلَّا مَنْ عَرَفَ اللهَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، فَوَحَّدَهُ، وَأَطَاعَهُ. فأهل الموقف حينما يوقف الناس بين يدي الله للحساب حفاة لا نعال لهم، عراة لا ثياب عليهم، غرلًا غير مختونين، بُهمًا ليس معهم شيء، ويشتد الحرُّ، وتدنو الشمسُ من الرؤوسِ، ويزادُ في حرارتِها فيكون يومًا عصيبًا، فيموج الناسُ بعضهم إلى بعضٍ. قال صلى الله عليه وسلم "إنَّكُمْ مُلاقُو اللَّهِ حُفاةً عُراةً مُشاةً غُرْلًا."صحيح البخاري . وقال صلى الله عليه وسلم"يُبعثُ الناسُ حُفاةً عُراةً غُرلًا ، قد ألجَمهم العَرَقُ ، وبلَغَ شُحومَ الآذانِ، فقلتُ : يُبصِرُ بعضُنا بعضًا ؟قال : شُغِلَ الناسُ ،لكلِّ امرىءٍ منهم يومئِذٍ شأنٌ يُغنِيِه" الراوي : سودة بنت زمعة أم المؤمنين - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترغيب- حسن لغيره. "ثُمَّ يُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَبْوَابِ"الحديث. رواه البخاري :4343 - ومسلم : 287 . قال القرطبي رحمه الله تعالى" وقوله: أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ ، فيقال.يا محمدُ، أَدخِل الجنة من أمتِكَ من لا حساب عليه ،هذا يدل على أنه شُفِّع فيما طلبه من تعجيل حساب أهل الموقفِ، فإنه لما أُمِر بإدخال من لا حساب عليه من أمته، فقد شُرِع في حساب من عليه حِساب من أمته وغيرهم" انتهى من"المفهم" 1 / 437. وقال صلى الله عليه وسلم"يَحشُرُ اللهُ العبادَ -أو الناسَ- عُراةً غُرلًا بُهمًا، قلنا: ما بُهمًا؟ قال: ليس معهم شَيءٌ، فيُناديهم بصوتٍ يَسمَعُه مَن بَعُدَ - أحسَبُه قال: كما يَسمَعُه مَن قَرُبَ-أنا المَلِكُ لا يَنبغي لأحَدٍ من أهلِ الجَنَّةِ يدخُلُ الجَنَّةَ، وأحَدٌ من أهلِ النارِ يطلُبُه بمَظلمَةٍ، ولا يَنبغي لأحَدٍ من أهلِ النارِ يدخُلُ النارَ، وأحَدٌ من أهلِ الجَنَّةِ يطلُبُه بمَظلمَةٍ قُلتُ: وكيف؟ وإنَّما نأتي اللهَ عُراةً بُهمًا؟ قال: بالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ."الراوي : عبدالله بن أنيس - المحدث : شعيب الأرناؤوط-المصدر : تخريج العواصم والقواصم -الصفحة أو الرقم: 3/ 222 - خلاصة حكم المحدث : حسن الشرح:إِنَّ اللهَ يُرِيحُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذَا الْمَوْقِفِ الْعَصِيبِ بِشَفَاعَةِ رَسُولِ اللهِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الشَّفَاعَةَ الْعُظْمَى، بَعْدَ أَنْ يَتَرَاجَعَ عَنْهَا أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، حَيْثُ إِنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَخَافُ وَيُحْجِمُ عَنِ الإِقْدَامِ عَلَى الشَّفَاعَةِ مِنْ شِدَّةِ الْمَوْقِفِ وَهَوْلِ الْمَطْلَعِ. فيشفع صلى الله عليه وسلم لجميع الخلق حين يؤخِّر اللهُ الحسابَ فيطول بهم الانتظار في أرض المحشر يوم القيامة فيبلغ بهم من الغم والكرب ما لا يطيقون ، فيقولون: من يشفع لنا إلى ربنا حتى يفصل بين العباد، يتمنون التحول من هذا المكان ، فيأتي الناس إلى الأنبياء فيقول كل واحد منهم : لست لها، حتى إذا أتوا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم فيقول"أنا لها" صحيح مسلم فيشفع لهم في فصل القضاء ، فهذه الشفاعة العظمى، وهي من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم.
*قال البخاري في صحيحه: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، قال:حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ وَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيَامَةِ ، حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ ، ثُمَّ بِمُوسَى ، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" وَزَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، قال:حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ :فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الخَلْقِ ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ البَابِ ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا ، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الجَمْعِ كُلُّهُمْ"صحيح البخاري/كتاب الزكاة/ باب من سأل الناس تكثرا/حديث رقم 1416. قَوْله: وَزَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ : يحْتَمل التَّعْلِيق حَيْثُ لم يضفه إِلَى نَفسه وَلم يقل: زادني.جامعالسنةوشروحها- فَتُنْصَبُ الْمَوَازِينُ ، فَتُوزَنُ بِهَا أَعْمَالُ الْعِبَاد"فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ"المؤمنون: 102: 103. وَتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ، وَهِيَ صَحَائِفُ الأَعْمَالِ، فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ أَوْ مِنْ وَّراءِ ظَهْرِهِ؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كَتَابَكَ كفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا"الإسراء: 13: 14. وَيُحَاسِبُ اللهُ الخَلائِقَ، وَيَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ؛ كَمَا وُصِفَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَأَمَّا الْكُفَّارُ؛ فَلا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؛ فَإِنَّهُ لاَ حَسَنَاتَ لَهُمْ، وَلَكِنْ تُعَدُّ أَعْمَالُهُمْ، فَتُحْصَى، فَيُوقَفُونَ عَلَيْهَا وَيُقَرَّرُونَ بِهَا. وَالصِّرَاطُ مَنْصُوبٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ، وَهُوَ الْجِسْرُ الَّذِي بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَمُرُّ النَّاسُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ، وَمِنْهُم مَن يَمُرُّ كَالْبَرْقِ، وَمِنْهُم مَن يَمُرُّ كَالرِّيحِ، ومِنْهُم مَن يَمُرُّ كَالْفَرَسِ الْجَوَادِ، وَمِنْهُم مَن يَمُرُّ كَرِكَابِ الإِبِلِ، ومِنْهُم مَن يَعْدُو عَدْوًا، وَمِنْهُم مَن يَمْشِي مَشْيًا، وَمِنْهُم مَن يَزْحَفُ زَحْفًا، وَمَنْهُم مَن يُخْطَفُ خَطْفًا وَيُلْقَى فِي جَهَنَّمَ؛ فَإِنَّ الْجِسرَ عَلَيْهِ كَلاَلِيبُ تَخْطِفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِم، فَمَنْ مَرَّ عَلَى الصِّرَاطِ ونجا من السقوط في النار؛ استحق دخول الْجَنَّةَ. فَإِذَا عَبَرُوا عَلَيْهِ؛ وَقَفُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصَّ لِبَعْضِهِم مِن بَعْضٍ، فَإِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا؛ أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ. وهذه هي الشفاعة لأهل الجنة لدخول الجنة: ثانيها[FONT="] :الشفاعة لأهل الجنة لدخول الجنة[FONT="]:[/FONT][FONT="]
[/FONT][FONT="]- [/FONT]بعد عبور الصراط[FONT="]-[/FONT]يجري نحو ما جرى من تدافع وتراجع الأنبياء عن الشفاعة في ذلك، فيشفع أيضًا لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وفي كل ذلك إظهار لشرفه صلى الله عليه وسلم، وإعلاء لقدره، وإظهار لكرمه على ربه[FONT="].هنا-[/FONT][FONT="]
[/FONT]عن حذيفةَ وأبي هريرة رضيَ اللهُ عنهما:قالا:قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ [FONT="]"[/FONT]يَجْمَعُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى النَّاسَ، فَيَقُومُ المُؤْمِنُونَ حتَّى تُزْلَفَ لهمُ الجَنَّةُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فيَقولونَ[FONT="]: [/FONT]يا أبانا، اسْتَفْتِحْ لنا الجَنَّةَ، فيَقولُ: وهلْ أخْرَجَكُمْ مِنَ الجَنَّةِ إلَّا خَطِيئَةُ أبِيكُمْ آدَمَ، لَسْتُ بصاحِبِ ذلكَ، اذْهَبُوا إلى ابْنِي إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللهِ، قالَ: فيَقولُ إبْراهِيمُ: لَسْتُ بصاحِبِ ذلكَ، إنَّما كُنْتُ خَلِيلًا مِن وراءَ وراءَ، اعْمِدُوا إلى مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ الذي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا، فَيَأْتُونَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فيَقولُ: لَسْتُ بصاحِبِ ذلكَ، اذْهَبُوا إلى عِيسَى كَلِمَةِ اللهِ ورُوحِهِ، فيَقولُ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: لَسْتُ بصاحِبِ ذلكَ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَيَقُومُ فيُؤْذَنُ له، وتُرْسَلُ الأمانَةُ والرَّحِمُ، فَتَقُومانِ جَنَبَتَيِ الصِّراطِ يَمِينًا وشِمالًا، فَيَمُرُّ أوَّلُكُمْ كالْبَرْقِ قالَ: قُلتُ: بأَبِي أنْتَ وأُمِّي أيُّ شيءٍ كَمَرِّ البَرْقِ؟ قالَ[FONT="]: [/FONT]ألَمْ تَرَوْا إلى البَرْقِ كيفَ يَمُرُّ ويَرْجِعُ في طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وشَدِّ الرِّجالِ، تَجْرِي بهِمْ أعْمالُهُمْ ونَبِيُّكُمْ قائِمٌ علَى الصِّراطِ يقولُ[FONT="]: [/FONT]رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حتَّى تَعْجِزَ أعْمالُ العِبادِ، حتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فلا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إلَّا زَحْفًا، قالَ: وفي حافَتَيِ الصِّراطِ كَلالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بأَخْذِ مَنِ اُمِرَتْ به، فَمَخْدُوشٌ ناجٍ، ومَكْدُوسٌ في النَّارِ[FONT="]."[/FONT]والذي نَفْسُ أبِي هُرَيْرَةَ بيَدِهِ إنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا[FONT="].[/FONT][FONT="]"[/FONT]الراوي[FONT="] : [/FONT]أبو هريرة وحذيفة بن اليمان [FONT="]- [/FONT]المحدث[FONT="] :[/FONT]مسلم [FONT="]- [/FONT]المصدر[FONT="] : [/FONT]صحيح مسلم[FONT="]- [/FONT]الصفحة أو الرقم: 195 [FONT="]- [/FONT]خلاصة حكم المحدث[FONT="] :[/FONT]صحيح[FONT="]- الدرر-[/FONT][FONT="]
*[/FONT]قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ [FONT="]"[/FONT]يُجْمَعُ الناسُ يومَ القيامةِ[FONT="]"[/FONT][FONT="]....[/FONT]إلى ، أن قال [FONT="]: [/FONT]فيُعْطَوْنَ نُورَهم على قَدْرِ أعمالِهم ، وقال : فمنهم مَن يُعْطَى نُورَه مِثْلَ الجبلِ بينَ يَدَيْهِ ، ومنهم مَن يُعْطَى نُورَه فوقَ ذلك ، ومنهم مَن يُعْطَى نُورَه مِثْلَ النخلةِ بيمينِهِ ، ومنهم مَن يُعْطَى دون ذلك بيمينِه ، حتى يكونَ آخِرُ مَن يُعْطَى نُورَه على إبهامِ قَدِمِه ، يُضِيءُ مَرَّةً ويُطْفِئُ مَرَّةً ، وإذا أضاء قَدَّمَ قَدَمَه ، وإذا طفِئَ قام ، قال فيَمُرُّ ويَمُرُّونَ على الصراطِ ، والصراطُ كحَدِّ السَّيْفِ ، دَحْضٌ ، مَزَلَّةٌ ، فيُقالُ لهم ، امْضُوا على قَدْرِ نورِكم ، فمنهم مَن يَمُرُّ كانْقِضاضِ الكوكبِ ، ومنهم مَن يَمُرُّ كالرِّيحِ ، ومنهم مَن يَمُرُّ كالطَّرْفِ ، ومنهم مَن يَمُرُّ كشَدِّ الرَّحْلِ ، يَرْمُلُ رَمَلًا ، فيَمُرُّونَ على قَدْرِ أعمالِهِم ، حتى يَمُرَّ الذي نورُه على إبهامِ قَدَمِه ، تَخِرُّ يَدٌ ، وتَعْلَقُ يَدٌ ، وتَخِرُّ رِجْلٌ ، وتَعْلَقُ رِجْلٌ ، وتُصِيبُ جوانبَه النارُ فيَخْلُصُونَ ، فإذا خَلَصُوا قالوا[FONT="]: [/FONT]الحمدُ للهِ الذي نَجَّانا منكِ بعدَ أن أَرَانَاكِ ، لقد أعطانا اللهُ ما لم يُعْطَ أَحَدٌ[FONT="]"[/FONT]الراوي[FONT="] : [/FONT]عبدالله بن مسعود[FONT="] -[/FONT]المحدث[FONT="] : [/FONT]الألباني [FONT="]- [/FONT]المصدر[FONT="] : [/FONT]شرح الطحاوية[FONT="]-[/FONT]الصفحة أو الرقم: 415[FONT="] - [/FONT]خلاصة حكم المحدث : صحيح.ا[FONT="]لدرر[/FONT][FONT="].[/FONT][FONT="]
[/FONT]اللهم سلم سلم [FONT="] "[/FONT]فيَخلُصُوا، فإذا خَلَصوا قالوا[FONT="]:[/FONT]الحمْدُ للهِ الذي نجَّانا منكِ بعدَ الذي أراناكِ، لقد أعْطَانا اللهُ ما لم يُعطِ أحدًا[FONT="]"[/FONT]، أي[FONT="]: [/FONT]فإذا تَحقَّقوا أنَّهم قد نَجَوا منها يَحمَدون اللهَ عزَّ وجلَّ على هذه النِّعمةِ العظيمةِ، ويَتصوَّرون أنَّ أحدًا مِن الناسِ لم يفُزْ بمِثلِها؛ وهذا مِن شِدَّةِ الأهوالِ التي وُصِفَت، وشِدَّةِ الخوفِ مِن السُّقوطِ والخُلودِ في النارِ[FONT="].
[/FONT]وفي الحديثِ[FONT="]: [/FONT]دَعوةٌ إلى الإكثارِ مِن العمَلِ الصالحِ؛ للفوزِ والنَّجاةِ مِنالنارِ[FONT="].
[/FONT]وفيه[FONT="]:[/FONT]التَّحذيرُ مِن الأعمالِ السَّيِّئةِ التي تُهلِكُ أصحابَه[FONT="].
[/FONT][FONT="]*[/FONT]وقال صلى الله عليه وسلم[FONT="]:[/FONT][FONT="]
"[/FONT]فيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فأكُونُ أوَّلَ مَن يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بأُمَّتِهِ، ولَا يَتَكَلَّمُ يَومَئذٍ أحَدٌ إلَّا الرُّسُلُ، وكَلَامُ الرُّسُلِ يَومَئذٍ[FONT="]:[/FONT]اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وفي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قالوا: نَعَمْ، قالَ[FONT="]: [/FONT]فإنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غيرَ أنَّه لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إلَّا اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَن يُوبَقُ بعَمَلِهِ، ومِنْهُمْ مَن يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو،[FONT="]"[/FONT]الحديث[FONT="].[/FONT]صحيح البخاري[FONT="].[/FONT][FONT="]
[/FONT]شرح الحديث[FONT="]:[/FONT]يوضَعُ الصِّراطُ بين ظَهْرانَيْ جهنَّمَ، فيكونُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ أوَّلَ مَن يقطَعُ مسافةَ الصِّراطِ مِن الرُّسُلِ عليهم الصَّلاة والسَّلامُ، وأمَّتُه معه، ويكونُ دعاءُ الرُّسُلِ حينئذٍ[FONT="]:[/FONT]اللَّهمَّ سلِّمْ سلِّمْ؛ شفقةً منهم على الخَلْقِ، وفي جهنَّمَ كلاليبُ، جمعُ كَلُّوبٍ، مِثْلُ شَوْكِ السَّعدانِ، وهو نبتٌ له شَوْكٌ مِن جيِّدِ مراعي الإبلِ، يُضرَبُ به المثَلُ، فتخطَفُ النَّاسَ بسرعةٍ، بسببِ أعمالِهم السَّيِّئةِ، أو على حسَبِ أعمالِهم، فمنهم مَن يُوبَقُ،أي[FONT="]: [/FONT]يُهلَكُ،ومنهم مَن يُخَرْدَلُ، أي: يُقطَّعُ صِغارًا كالخَرْدَلِ، والمعنى[FONT="]: [/FONT]أنَّه تُقطِّعُه كلاليبُ الصِّراطِ حتَّى يَهوِيَ إلى النَّارِ، ثمَّ يُنجِّي اللهُتعالى منها مَن كان يعبُدُ اللهَ وحده، وهم المؤمنون الخُلَّصُ[FONT="]...الدرر.[/FONT][FONT="]
[/FONT]فمن الشفاعة الخاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فإن أهل الجنة إذا عَبَرُوا الصراط أوقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فتمحص قلوب بعضهم من بعض حتى يُهَذَّبُوا ويُنَقُّوا ثم يُؤذَن لهم في دخول الجنة فتفتح أبواب الجنة بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.الشيخ محمد بن صالح العثيمين . قال الشيخ العثيمين في شرحه للعقيدة الواسطية: وذلك أن أهل الجنة إذا عبروا الصراط؛ وقفوا على قنطرة، فيقتص لبعضهم من بعض وهذا القصاص غير القصاص الذي كان في عرصات القيامة، بل هو قصاص أخص، يطهر الله فيه القلوب، ويزيل ما فيها من أحقاد وضغائن؛ فإذا هُذِّبُوا ونُقوا ؛ أُذِنَ لهم في دخول الجنة. ولكنهم إذا أتوا إلى الجنة؛ لا يجدونها مفتوحة كما يجد ذلك أهل النار؛ فلا تفتح الأبواب ، حتى يشفع النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة أن يدخلوها، فيدخل كل إنسان من باب العمل الذي يكون أكثر اجتهادًا فيه من غيره، وإلا ؛ فإن المسلم قد يدعى من كل الأبواب. وهو صريح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ؛ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"يجمعُ اللهُ الناسَ يومَ القيامَةِ ، فيقومُ المؤمنونَ حينَ تُزْلَفُ لهم الجنةُ ، فيأتونَ آدمَ ، فيقولونَ : يا أبانا ! استفتِحْ لنا الجنةَ ، فيقولُ : وهلْ أخرجَكُمْ مِنَ الجنةِ إلَّا خطيئةُ أبيكم آدمَ ، لستُ بصاحبِ ذلِكَ ، اذهبوا إلى ابني إبراهيمَ خليلِ اللهِ...." الحديث. وفيه"فيأتونَ محمدًا ، فيقومُ فيؤذَنُ له.." الحديث.صحيحالجامع. [FONT="]*[/FONT]عن عبادة بن الصامت قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم[FONT="]"[/FONT]مَن قالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسولُهُ، وأنَّ عِيسَى عبدُ اللهِ، وابنُ أمَتِهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ منه، وأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وأنَّ النَّارَ حَقٌّ، أدْخَلَهُ اللَّهُ مِن أيِّ أبْوابِ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةِشاءَ[FONT="].[/FONT][FONT="]" [/FONT]صحيح مسلم[FONT="]
[/FONT][FONT="]*[/FONT]عن أبي هريرة رضي الله عنه [FONT="]"[/FONT]أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِن أبْوَابِ الجَنَّةِ: يا عَبْدَ اللَّهِ هذا خَيْرٌ، فمَن كانَ مِن أهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِن بَابِ الصَّلَاةِ، ومَن كانَ مِن أهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِن بَابِ الجِهَادِ، ومَن كانَ مِن أهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِن بَابِ الرَّيَّانِ، ومَن كانَ مِن أهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنبَابِ الصَّدَقَةِ[FONT="]"[/FONT]فَقالَ أبو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: بأَبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسولَ اللَّهِ ما علَى مَن دُعِيَ مِن تِلكَ الأبْوَابِ مِن ضَرُورَةٍ، فَهلْ يُدْعَى أحَدٌ مِن تِلكَ الأبْوَابِ كُلِّهَا؟[FONT="]"[/FONT]قالَ[FONT="]: [/FONT]نَعَمْ وأَرْجُو أنْ تَكُونَ منهمْ[FONT="]."[/FONT]ص[FONT="]حيح البخار[/FONT]ي[FONT="].[/FONT][/FONT]
وهي من المقام المحمود الذي وعده الله إياه ، في قوله تعالى[FONT="] " [/FONT]وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا[FONT="]"[/FONT]سورة الإسراء79[FONT="]. [/FONT]وهي الأولى، التي يشفع فيها عند الله عز وجل، ليأتي لفصل القضاء، وهي التي يرغب إليه فيها الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم. وحقيقة هذه الشفاعة[FONT="]
[/FONT]إِنَّهُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَجْمَعُ اللهُ الْخَلْقَ، وَيَلْحَقُهُمْ مِنْ الشِّدَّةِ مَا لا يُطَاقُ وَلا يُحْتَمَلُ[FONT="].[/FONT]إِنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَحْصُلُ فِيهِ الكَثِيرُ مِنَ الْكُرُوبِ وَالأَهْوَالِ، وَلا يَنْجُو إِلَّا مَنْ عَرَفَ اللهَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، فَوَحَّدَهُ، وَأَطَاعَهُ[FONT="].
[/FONT]فأهل الموقف حينما يوقف الناس بين يدي الله للحساب حفاة لا نعال لهم، عراة لا ثياب عليهم، غرلًا غير مختونين، بُهمًا ليس معهم شيء، ويشتد الحرُّ، وتدنو الشمسُ من الرؤوسِ، ويزادُ في حرارتِها فيكون يومًا عصيبًا، فيموج الناسُ بعضهم إلى بعضٍ[FONT="].[/FONT][/FONT]
وقد بَشَّرَنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنَّ للهِ عِبادًا سيهون عليهم الموقف: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ، يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: الإمَامُ العَادِلُ، وشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ رَبِّهِ، ورَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، ورَجُلَانِ تَحَابَّا في اللَّهِ اجْتَمعا عليه وتَفَرَّقَا عليه، ورَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وجَمَالٍ، فَقَالَ: إنِّي أخَافُ اللَّهَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ، أخْفَى حتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ[FONT="]."الراوي[FONT="] : [/FONT]أبو هريرة/صحيح البخاري.[/FONT]
يَومُ القِيامةِ يومٌ عَصيبٌ كثيرُ الأهوالِ، تَدْنو فيه الشَّمسُ مِن رُؤوسِ العِبادِ، ويَشتَدُّ عليهم حَرُّها، وقد بَشَّرَنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنَّ للهِ عِبادًا سيُظِلُّهم في ظِلِّه في هذا اليومِ الذي لا ظِلَّ سِوى ظِلِّه سُبحانه وتَعالى.
ثانيها[FONT="] :الشفاعة لأهل الجنة لدخول الجنة[FONT="]:[/FONT] قالَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ [FONT="]"[/FONT]إذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِحُبِسُوا بقَنْطَرَةٍ بيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ،فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بيْنَهُمْ في الدُّنْيَا حتَّى إذَا نُقُّوا وهُذِّبُوا، أُذِنَ لهمْ بدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ بمَسْكَنِهِ في الجَنَّةِ أدَلُّ بمَنْزِلِهِ كانَ في الدُّنْيَا[FONT="].[/FONT][FONT="]"[/FONT]الراوي[FONT="] : [/FONT]أبو سعيد الخدري[FONT="] - [/FONT]المحدث[FONT="] : [/FONT]البخاري [FONT="]- [/FONT]المصدر[FONT="] : [/FONT]صحيح البخاري[FONT="]-[/FONT]الصفحة أو الرقم: 2440[FONT="] - [/FONT]خلاصة حكم المحدث : صحيح[FONT="].[/FONT][FONT="]
[/FONT]شرح الحديث[FONT="]:[/FONT]في هذا الحديثِ مَشْهَدٌ مِن مَشاهِدِ يومِ القِيامَةِ المَهُولَةِ العَظِيمَةِ، حَيْثُ يُحبَسُ المؤمنون بعدَ أن يَتجاوزوا الصِّراطَ ويُنَجِّيَهم الله تعالى بفضلِه ورحمتِه مِن النارِ، فتُوقِفُهم الملائكةُ على قَنْطَرَةٍ أو جِسْرٍ بينَ الجنَّة والنارِ، فيَتقاصُّونَ مَظالِمَ كانت بَيْنَهم في الدُّنيا، يعني: يَقْتَصُّ المظلومُ مِن ظالِمِه حقَّه الَّذِي اعتدَى عليه في الدُّنيا، حتَّى إذا طُهِّروا وتخلَّصوا من حقوقِ الناس أُدخِلوا الجنَّةَ، وهم أعرَفُ بمنازِلِهم فيها مِن أهلِ الدُّنيا بمنازلِهم[FONT="].[/FONT][FONT="]
[/FONT]وفي الحديثِ[FONT="]: [/FONT]التَّحذِيرُ مِن المظالِمِ، والتَّأْكِيدُ على أنَّه ما مِن حَقٍّ إلَّا سَيرجِعُ لِصاحِبِه يومَ القِيامَةِ؛ فَلْنَعْمَلْ لِمِثْلِ هذا اليومِ العظيمِ[FONT="].[/FONT][FONT="]الدرر .[/FONT][FONT="]
[/FONT]قال صلى الله عليه وسلم[FONT="]:[/FONT][FONT="]
[/FONT][FONT="]"[/FONT]مَن كَانَتْ له مَظْلَمَةٌ لأخِيهِ مِن عِرْضِهِ أَوْ شيءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ منه اليَومَ، قَبْلَ أَنْ لا يَكونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إنْ كانَ له عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ منه بقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ له حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عليه[FONT="].[/FONT][FONT="]"[/FONT]الراوي[FONT="] : [/FONT]أبو هريرة [FONT="]- [/FONT]المحدث[FONT="] : [/FONT]البخاري [FONT="]- [/FONT]المصدر[FONT="] : [/FONT]صحيح البخاري[FONT="]-[/FONT]الصفحة أو الرقم: 2449 [FONT="]- [/FONT]خلاصة حكم المحدث[FONT="] : [/FONT]صحيح. الدرر السنية[FONT="].[/FONT][FONT="]
[/FONT]شرح الحديث[FONT="]:[/FONT]حرَّم اللهُ تعالى الظُّلمَ على نفْسِه، وجَعَله محرَّمًا بينَ عِبادِه، وتوعَّد الظالمين بالقِصاصِ منهم والعذابِ، فإنْ أَفْلَتَ الظالِمُ في الدُّنيا بظُلمِه، فلا مَفَرَّ له يَومَ القِيامةِ ولا مَلْجَأَ له مِن الله، حَيْثُ لا يَنفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ؛ ولذلك أمَر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم كلَّ مَن ظلَم أحدًا في عِرْضِه أو شيءٍ آخَرَ: أن يَتحلَّلَه، يعني: يَطلُب منه أن يُحِلَّه ويُسامِحَه؛ لأنَّه إن لم يَفعَلْ ذلك أخَذ هذا المظلومُ مِن حَسناتِه يومَ القيامةِ، فإنْ لم يكن له حسناتٌ وُضِع من سيِّئاتِ هذا المظلومِ على الظالِمِ[FONT="].
[/FONT]وفي الحديثِ[FONT="]: [/FONT]التَّحذيرُ من مَغَبَّةِ الظُّلمِ وعاقبتِه[FONT="].[/FONT][FONT="]الدرر.[/FONT][FONT="]
[/FONT]وهذا الذي يأخذ الناس حسناته، ثم يقذفون فوق ظهره بسيئاتهم هو المفلس، كما سماه الرسول صلى الله عليه وسلم[FONT="].[/FONT][FONT="]
[/FONT][FONT="]"[/FONT]أَتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟قالوا: المُفْلِسُ فِينا مَن لا دِرْهَمَ له ولا مَتاعَ،فقالَ[FONT="]:[/FONT]إنَّ المُفْلِسَ مِن أُمَّتي يَأْتي يَومَ القِيامَةِ بصَلاةٍ، وصِيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأْتي قدْ شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأَكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذا مِن حَسَناتِهِ، وهذا مِن حَسَناتِهِ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْضَى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهُمْ فَطُرِحَتْ عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ[FONT="].[/FONT][FONT="]"[/FONT]الراوي[FONT="] : [/FONT]أبو هريرة[FONT="] - [/FONT]المحدث[FONT="] : [/FONT]مسلم [FONT="]- [/FONT]المصدر[FONT="] : [/FONT]صحيح مسلم[FONT="]-[/FONT]الصفحة أو الرقم: 2581 - خلاصة حكم المحدث : صحيح[FONT="].[/FONT][FONT="]
[/FONT]في الحَديثِ[FONT="]:[/FONT]بيانُ مَعنى الْمُفلِسِ الحقيقيِّ، وهو مَنْ أخَذَ غُرماؤُه أعمالَه الصَّالحةَ[FONT="].
[/FONT]وفيه إشعارٌ بِأنَّه لا عَفوَ ولا شفاعةَ في حقوقِ العبادِ إلَّا أنْ يَشاءَ اللهُ، فَيُرضِي المظلومَ بِمَا أرادَ[FONT="].
[/FONT]وفيه[FONT="]:[/FONT]أنَّ القِصاصَ يأتي على جميعِ الحسناتِ، حتَّى لا يُبقي منها شيءٌ[FONT="].[/FONT][FONT="]الدرر.
[/FONT]ثم من ينجو بعد القصاص على القنطرة يفوز بدخول الجنة[FONT="].[/FONT][FONT="]
[/FONT][/FONT][FONT="]"أنا أكْثَرُ الأنْبِياءِ تَبَعًا يَومَ القِيامَةِ، وأنا أوَّلُ مَن يَقْرَعُ بابَ الجَنَّةِ[FONT="].[/FONT][FONT="]"[/FONT]الراوي[FONT="] : [/FONT]أنس بن مالك [FONT="]- [/FONT]المحدث[FONT="] : [/FONT]مسلم [FONT="]- [/FONT]المصدر[FONT="] : [/FONT]صحيح مسلم [FONT="]-[/FONT]الصفحة أو الرقم: 196 [FONT="]- [/FONT]خلاصة حكم المحدث[FONT="] : [/FONT]صحيح[FONT="] -الدرر -[/FONT][/FONT] [FONT="]"أنَا أكثرُ الأنبياءِ تَبَعًا[FONT="]"[/FONT]أي: أَتْباعًا مُؤمنينَ به وبِرِسالتِهِ، يومَ القيامةِ[FONT="].[/FONT][/FONT] [FONT="]"وأنا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ[FONT="]" [/FONT]أي[FONT="]: [/FONT]يَدُقُّ ويَسْتَفْتِحُ، بابَ الجنَّةِ، أي[FONT="]: [/FONT]لِيَفتحَ له حارِسُها، وهذا إعلامٌ منه صلَّى الله عليه وسلَّم بأنَّه أَوَّلُ مَنْ يَدخُلُها[FONT="].[/FONT][FONT="]-الدرر - [/FONT][FONT="]
[/FONT][FONT="]"[/FONT]آتي بابَ الجَنَّةِ يَومَ القِيامَةِ فأسْتفْتِحُ، فيَقولُ الخازِنُ[FONT="]: [/FONT]مَن أنْتَ؟ فأقُولُ: مُحَمَّدٌ، فيَقولُ[FONT="]:[/FONT]بكَ أُمِرْتُ لا أفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ[FONT="]."[/FONT]الراوي[FONT="] : [/FONT]أنس بن مالك [FONT="]- [/FONT]المحدث[FONT="] : [/FONT]مسلم [FONT="]- [/FONT]المصدر[FONT="] : [/FONT]صحيح مسلم [FONT="]- [/FONT]الصفحة أو الرقم[FONT="]: 197-[/FONT]خلاصة حكم المحدث[FONT="] : [/FONT]صحيح[FONT="]-الدرر[/FONT][FONT="]-[/FONT][FONT="]
[/FONT]فيقولُ الخازِنُ عندما يَسمعُ اسمَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم[FONT="]:[/FONT]بِكَ أُمِرْتُ لا أَفتحُ لأَحدٍ قَبْلكَ، أي[FONT="]:[/FONT]لا أَفتحُ الجنَّةَ لأحدٍ قَبْلكَ حتَّى يكونَ أنتَ أَوَّلَ مَنْ يَفتحُها، وهذا إعلامٌ منه صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه أَوَّلُ مَنْ يَدخُلُها[FONT="].[/FONT][FONT="]الدرر[/FONT][FONT="]-[/FONT][/FONT]
ثالثها[FONT="]:شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب[FONT="]:[/FONT][FONT="]
[/FONT]سَأَل العَبَّاسُ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ رضِي اللهُ عنه رسولَ الله صلَّى الله عليهوسلَّم فقال له[FONT="]"[/FONT]يَا رَسولَ اللَّهِ، هلْ نَفَعْتَ أبَا طَالِبٍ بشيءٍ، فإنَّه كانَ يَحُوطُكَ ويَغْضَبُ لَكَ؟ قالَ: نَعَمْ، هو في ضَحْضَاحٍ مِن نَارٍ، لَوْلَا أنَا لَكانَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ[FONT="]."[/FONT]الراوي[FONT="] : [/FONT]العباس بن عبدالمطلب [FONT="]- [/FONT]المحدث[FONT="] :[/FONT]البخاري [FONT="]- [/FONT]المصدر[FONT="] : [/FONT]صحيح البخاري[FONT="]-[/FONT]الصفحة أو الرقم: 6208 [FONT="]- [/FONT]خلاصة حكم المحدث[FONT="] : [/FONT]صحيح[FONT="]-[/FONT][FONT="]الدرر-[/FONT][FONT="]
[/FONT]"هو في ضَحْضَاحٍ مِن نارٍ"، الضحضاح من الماء ما يبلغ الكعب، ويقال أيضًا لما قرب من الماء، وهو ضد الغمرة، والمعنى: أنه خفف عنه العذاب[FONT="]...
[/FONT]"لَوْلَا أنَا لَكانَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ"أي: في الطَّبَقِ الذي في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والنارُ سَبْعُ دَرَكاتٍ، سُمِّيتْ بذلك لأنَّها مُتَدارِكة مُتَتابِعة بعضُها فوقَ بعضٍ[FONT="].[/FONT]فأعمام الرسول عليه الصلاة والسلامعشرة، أدرك الإسلام منهم أربعة ؛ فبقي اثنان على الكفر وأسلم اثنان[FONT="] :
[/FONT]ـ فالكافران هما[FONT="] :[/FONT]أبو لهب[FONT="]: [/FONT]وقد أساء إلى النبى صلى الله عليه وسلم إساءة عظيمة ، وأنزل الله فيه وفي امرأته سورة كاملة في ذمهما ووعيدهما [FONT="]- [/FONT]سورة المسد[FONT="].
[/FONT]والآخر[FONT="]:[/FONT]أبو طالب[FONT="]:[/FONT]وقد أحسن إلى الرسول إحسانًا مشهورًا،وكان من حكمة الله عز وجل أن بقي على كفره؛ لأنه لولا كفره؛ ما حصل هذا الدفاع عن الرسول عليه الصلاة ، بل كان يؤذي كما يؤذَى الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن بجاهه العظيم عند قريش وبقائه على دينهم صاروا يعظمونه وصار للنبي عليه الصلاة والسلام جانب من الحماية بذلك[FONT="].
[/FONT]ولكنه مات كافرًا[FONT="]:
[/FONT]فعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ [FONT="]"[/FONT]أنَّ أبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، دَخَلَ عليه النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعِنْدَهُ أبو جَهْلٍ، فَقَالَ[FONT="]"[/FONT]أيْ عَمِّ، قُلْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لكَ بهَا عِنْدَ اللَّهِ[FONT="]" [/FONT]فَقَالَ أبو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بنُأبِي أُمَيَّةَ: يا أبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عن مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ، حتَّى قَالَ آخِرَ شيءٍ كَلَّمَهُمْ بهِ[FONT="]: [/FONT]علَى مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ[FONT="]"[/FONT]لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، ما لَمْ أُنْهَ عنْه ،فَنَزَلَتْ[FONT="]"[/FONT]ما كانَ للنبيِّ والذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولو كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لهمْ أنَّهُمْ أصْحَابُ الجَحِيمِ[FONT="]"[/FONT]التوبة: 113[FONT="].[/FONT]ونَزَلَتْ[FONT="]"[/FONT]إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ[FONT="]"[/FONT]القصص:56[FONT="]"[/FONT][FONT="]صحيح [/FONT]البخاري[FONT="].[/FONT]واللذان أسلما هما العباس وحمزة ، وهو أفضل من العباس ، حتى لقبه الرسول عليه الصلاة والسلام أسد الله ، وقُتِلَ شهيدًا في أُحد رضي الله عنه وأرضاه ، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم سيد الشهداء[FONT="].
*[/FONT]قال صلَّى الله عليه وسلَّم [FONT="]"[/FONT]سيدُ الشهداءِ عندَ اللهِ يومَ القيامَةِ حمزةُ بنُ عبدِ المطلِبِ[FONT="]"[/FONT]صحيح [FONT="]الجامع للشيخ[/FONT]الألباني رحمه الله[FONT="].[/FONT][FONT="]
[/FONT]"أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه كانَ إذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بالعَبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، فقالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْكَ بنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وإنَّا نَتَوَسَّلُ إليكَ بعَمِّ نَبِيِّنَا فاسْقِنَا، قالَ: فيُسْقَوْنَ."الراوي :أنس بن مالك –صحيح البخاري.[/FONT] فإنَّا نَتوسَّلُ إليك بِعَمِّ نَبيِّنا، أي: بدُعائِه واستِسقائِه، فَاسْقِنا، وأَنزِلْ علينا المطَرَ، وكان إذا فَعَلَ عمَرُ ذلك أنْزَلَ اللهُ تعالَى المطَرَ عليهم بِاستِسقاءِ العبَّاسِ رَضيَ اللهُ عنه[FONT="].[/FONT][FONT="]*عن العباس بن عبدالمطلب[FONT="]"[/FONT]قلتُ يا رسولَ اللَّهِ علِّمني شيئًا أسألُهُ اللَّهَ. قال[FONT="] "[/FONT]سلِ اللَّهَ العافِيةَ[FONT="]" [/FONT]فمَكثتُ أيَّامًا ثمَّ جئتُ فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ علِّمني شيئًا أسألُهُ اللَّهَ، فقالَ لي[FONT="]"[/FONT]يا عبَّاسُ يا عمَّ رسولِ اللَّهِ سلِ اللَّهَ العافيةَ في الدُّنيا والآخرةِ[FONT="]"[/FONT]ص[FONT="]حيح سنن [/FONT]الترمذي للألباني[FONT="].[/FONT][/FONT]
*النوع الثاني: الشفاعة العامة: وهي تكون للرسول صلى الله عليه وسلم ويشاركه فيها من شاء الله من الملائكة والنبيين والصالحين.فيشفع فيمن استحق النار ؛ أي: من عصاة المؤمنين. وهذه لها صورتان : يشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها ، وفيمن دخلها أن يخرج منها. وهي أقسام: أولاها: الشفاعة لأناس قد دخلوا النار في أن يخرجوا منها. والأدلة على هذا القسم كثيرة جدًا منها : ما جاء فيصحيح مسلم:269 : من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا "فَوالذي نَفْسِي بيَدِهِ، ما مِنكُم مِن أحَدٍ بأَشَدَّ مُنا شَدَةً لِلَّهِ في اسْتِقْصاءِ الحَقِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَومَ القِيامَةِ لإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ في النَّارِ، يقولونَ: رَبَّنا كانُوا يَصُومُونَ معنا ويُصَلُّونَ ويَحُجُّونَ، فيُقالُ لهمْ: أخْرِجُوا مَن عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ علَى النَّارِ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدِ أخَذَتِ النَّارُ إلى نِصْفِ ساقَيْهِ، وإلَى رُكْبَتَيْهِ"
.....إلى أن قال " فيَقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: شَفَعَتِ المَلائِكَةُ، وشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وشَفَعَ المُؤْمِنُونَ، ولَمْ يَبْقَ إلَّا أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فيُخْرِجُ مِنْها قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قدْ عادُوا حُمَمًا"الحديث .الدرر- أي: ما منكم من أحد يُناشِد اللهَ في الدنيا في استيفاء حقِّه، وتحصيله من خصمه، المعتدِي عليه؛ بأشدَّ من مُناشدة المؤمنين اللهَ تعالى في الشفاعة لإخوانهم يوم القيامة. ثانيها:الشفاعة لأناس قد استحقوا النار في أن لا يدخلوها، وهذه قد يستدل لها بقول الرسول صلى الله عليه وسلم "ما مِن رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ علَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لا يُشْرِكُونَ باللَّهِ شيئًا، إلَّا شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ"أخرجه مسلم: 1577 .إن الصلاة على الميت هدفها الأساسي الدعاء للميت، وهو مقبل على ظلمة القبر وعلى ما قدم من عمل. فإن هذه شفاعة قبل أن يدخل النار، فيشفعهم الله في ذلك. وفي الحديثِ: أنَّ المُصلِّين عَلى الميِّتِ شُفعاءُ فيهِ. وفيهِ: حثُّ المُسلمينَ عَلى الصَّلاةِ عَلى الميِّتِ وتَكثيرِ العَددِ.وفي الحديث حصول شفاعة المؤمنين لإخوانهم قبل يوم القيامة، وذلك في الدنيا، وهي استشفاعهم إلى الله تعالى في الصلاة على من مات منهم بالرحمة والغفران والتجاوز .الدرر-ومعنى :شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ: أي قبل دعاءهم له بالرحمة ، والمغفرة .وهذه الشفاعة تشمل الصغائر والكبائر، وهذا من فضل الله ورحمته، فمن قبل الله شفاعة الشافعين فيه ، واستجاب دعاءهم له ، كان ذلك من أسباب مفغفرة ذنوبه التي مات عليها ، من غير توبة. لكن تحقق الاستجابة في الشخص المعين : مرده إلى الله جل جلاله ، ولا يعني ذلك أنه تجب له الجنة بتلك الشفاعة؛ فقد يغفر الله بسبب شفاعة هؤلاء المصلين ذنوب هذا العبد، وقد يتبقى عليه ما قد يعاقب عليه في الآخرة، أو يعفو الله عنه، عفا الله عنا وعنكم بمننه وكرمه .موقع الإسلام سؤالوجواب.قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في بيان الأسباب التي من أجلها تزول عقوبة الذنوب :" دُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ لِلْمُؤْمِنِ ، مِثْلُ صَلَاتِهِمْ عَلَى جِنَازَتِهِ ....... . وَهَذَا دُعَاءٌ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ . فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُحْمَلَ الْمَغْفِرَةُ عَلَى الْمُؤْمِنِ التَّقِيِّ الَّذِي اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ وَكُفِّرَتْ عَنْهُ الصَّغَائِرُ وَحْدَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مَغْفُورٌ لَهُ عِنْدَ الْمُتَنَازِعِينَ . فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَغْفِرَةِ لِلْمَيِّتِ."انتهىمن "مجموع الفتاوى" 7/498.وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه، فالدعاء ينفع الله به الحي والميت جميعًا، فالحي الذي يصلي على الجنازة له قيراط من الأجر لو صلى عليها، والميت ينفعه الله بهذا الدعاء الذي يدعو به الأحياء، ويشفعهم الله فيه. قال صلى الله عليه وسلم "مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ، إيمَانًا واحْتِسَابًا، وكانَ معهُ حتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا ويَفْرُغَ مِن دَفْنِهَا، فإنَّه يَرْجِعُ مِنَ الأجْرِ بقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، ومَن صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أنْ تُدْفَنَ، فإنَّه يَرْجِعُ بقِيرَاطٍ" الراوي : أبو هريرة - المحدث : البخاري - المصدر :صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم: 47 - خلاصة حكم المحدث : صحيح. الدرر. ثالثها:الشفاعة لأناس من أهل الإيمان قد استحقوا الجنة أن يزدادوا رفعة ودرجات في الجنة . ومثال ذلك ما رواه مسلم رحمه الله :1528: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا لأبي سلمة فقال "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ في عَقِبِهِ في الغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يا رَبَّ العَالَمِينَ، وَافْسَحْ له في قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ له فِيهِ".صحيح مسلم. فهذه شفاعة في الدنيا من حي للمتوفى تنفعه في الآخرة أيضًًا.رابعها:شفاعته صلى الله عليه وسلم في دخول أناس من أمته الجنة بغير حساب:وهذا النوع ذكره بعض العلماء واستدل له بحديث أبي هريرة الطويل في الشفاعة وفيه "ثُمَّ يُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْمِنْ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَبْوَابِ" رواه البخاري :4343 - ومسلم : 287 ."إِنَّ ربِّي وعَدَنِي أنْ يُدْخِلَ مِنَ أُمَّتي الجنةَ سبعينَ ألفًا بغيرِ حِسابٍ ، ثُمَّ يُتْبِعُ كلَّ أَلْفٍ - ب- ِسبعينَ ألفًا ، ثُمَّ يَحْثِي بِكَفِّهِ ثلاثَ حَثَياتٍ . فَكَبَّرَ عمرُ !فقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: إِنَّ السَّبْعِينَ الألفَ الأُوَلَ يُشَفِّعُهُمُ اللهُ في آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهمْ وعَشَائِرِهِمْ ، وأرْجو أنْ يَجْعَلَ أُمَّتي أَدْنَى الحثياتِ الأَوَاخِرِ"الراوي : عتبة بن عبد السلمي - المحدث : الألباني - المصدر :صحيح الموارد- الصفحة أو الرقم: 2234 - خلاصة حكم المحدث : حسن صحيح-الدرر-ثُمَّ يَحْثِي بِكَفِّهِ ثلاثَ حَثَياتٍ:وكم عدد كلّ حثية من حثيات الرّب العظيم الكريم الرؤوف الرحيم ؟؟ نسأل الله أن يجعلنا في تلك الأعداد برحمته.
وأرْجو أنْ يَجْعَلَ أُمَّتي أَدْنَى الحثياتِ الأَوَاخِرِ: لسعة فضله ولأن العدد الأول السبعون ألف ... لا يسع أمته كلها صلى الله عليه وسلم لذا دعا أن تكون أمته لها نصيب في الحثيات الأخيرة الواسعة بفضله سبحانه. *عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"لَيَدْخُلَنَّ مِن أُمَّتي سَبْعُونَ أَلْفًا، أَوْ سَبْعُ مِئَةِ أَلْفٍ، لا يَدْخُلُ أَوَّلُهُمْ حتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ، وُجُوهُهُمْ علَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ."صحيح البخاري.أول زمرة تدخل من هذه الأمة الجنة هي القمم الشامخة في الإيمان والتُّقى والعمل الصالح والاستقامة على الدين الحق، يدخلون الجنة صفًا واحدًا، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، صورهم على صورة القمر ليلة البدر.نسأل الله سبحانه أن يجعلنا منهم .
*ويخرج الله من النار أقوامًا بغير شفاعة ، بل بفضله ورحمته : الله تعالى يخرج من عصاة المؤمنين من شاء بغير شفاعة ، وهذا من نعمته؛ فإن رحمته سبقت غضبه، فيشفع الأنبياء والصالحون والملائكة وغيرهم، حتى لا يبقى إلا رحمة أرحم الراحمين، فيخرج من النار من يخرج بدون شفاعة ، حتى لا يبقى في النار إلا أهلها الذين هم أصحاب النار، فقد روى الشيخان البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم".....فيَقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: شَفَعَتِ المَلائِكَةُ، وشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وشَفَعَ المُؤْمِنُونَ، ولَمْ يَبْقَ إلَّا أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فيُخْرِجُ مِنْها قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قدْ عادُوا حُمَمًا، فيُلْقِيهِمْ في نَهَرٍ في أفْواهِ الجَنَّةِ يُقالُ له: نَهَرُ الحَياةِ، فَيَخْرُجُونَ كما تَخْرُجُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ"الحديث.صحيح مسلم.وليس معنى هذا أن الله يخرجهم من النار وهم كفار؛ بل المعنى أنهم لم يعملوا خيرًا سوى الشهادتين ولولاهما لما خرجوا؛ شأنهم شأن غيرهم من الكفار. -
حُمَمًا : أي : صاروا سود الأجساد كالحمم ، وهو الفحم[FONT="] انظر " النهاية في غريب الحديث " 444/1.[FONT="]
[/FONT]الحِبَّةُ[FONT="]:[/FONT] بكسر الحاء ، وهي بزر البقول والعشب ، تنبت في البراري وجوانب السيول[FONT="] .
[/FONT]حَمِيلِ السَّيْلِ: فبفتح الحاء وكسر الميم , وهو ما جاء به السيل من طين أو غثاء ومعناه : محمول السيل , والمراد التشبيه في سرعة النبات وحسنه وطراوته[FONT="] .
[/FONT]انظر : " شرح مسلم " للنووي 3 / 22 ، 23شفاعة الشهداء:"للشَّهيدِ عِندَ اللَّهِ ستُّ خصالٍ : يُغفَرُ لَه في أوَّلِ دَفعةٍ ويَرى مقعدَه منَ الجنَّةِ ويُجارُ مِن عذابِ القبرِ ويأمنُ منَ الفَزعِ الأكبرِ ويُوضعُ علَى رأسِه تاجُ الوقارِ الياقوتةُ مِنها خيرٌ منَ الدُّنيا وما فِيها ويزوَّجُ اثنتَينِ وسبعينَ زَوجةً منَ الحورِ العينِ ، ويُشفَّعُ في سبعينَ مِن أقاربِه"الراوي : المقدام بن معدي كرب - المحدث : الألباني - المصدر :صحيح الترمذي -الصفحة أو الرقم: 1663 - خلاصة حكم المحدث : صحيح-الدرر-[/FONT][/FONT]
المجلس الثاني والعشرون شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل
* المتن:وَالإيمَانُ أَنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ خَارِجٌ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ،وَالأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَتْ فِيهِ،وَالإيمَانُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ،وَأَنَّ عِيسَى -ابْنَ مَرْيَمَ-عَلَيْهِ السَّلامُ– يَنْزِلُ،فَيَقْتُلَهُ بِبَابِ لُدٍّ. الشرح:هذا من الإيمان بالغيب، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الأمور المستقبلة الغيبية؛ فلابد أن نؤمن ونصدق بها، وذلك لثبوتها بالسنة من طرق متواترة في أحاديث صحيحة، فمن الإيمان بالغيب الإيمان بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الأمور المستقبلة الغيبية. وخروج المسيح الدجال هو الشرط الثاني من شروط الساعة الكبرى، والشرط الأول من أشراط الساعة الكبار خروج المهدي.موقع حلقات جامعشيخالإسلام ابن تيمية . يومُ القيامةِ حَقٌّ آتٍ لا رَيبَ فيه، وقد مضى قَدَرُ اللهِ عزَّ وجَلَّ أن يأتيَ هذا اليومَ على النَّاسِ بَغتةً، ومِن رحمتِه سُبحانَه بالعِبادِ أن أقام لهم علاماتٍ تدُلُّهم على قُربِ وُقوعِها. وأشراط الساعة قسمها العلماء إلى قسمين: أشراط صغرى، وأشراط كبرى . الصغرى أولها بعثة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- "بُعِثْتُ أنا والسَّاعَةُ كَهاتَيْنِ". قالَ: وضَمَّ السَّبَّابَةَ والْوُسْطَى.الراوي: أنس بن مالك - صحيح مسلم. أَتَيْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ وهو في قُبَّةٍ مِن أَدَمٍ، فَقالَ: اعْدُدْ سِتًّا بيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ مُوْتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ المَالِ حتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِئَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ العَرَبِ إلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بيْنَكُمْ وبيْنَ بَنِي الأصْفَرِ، فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا."الراوي : عوف بن مالك الأشجعي - صحيح البخاري . فمن أشراط الساعة الصغرى موته عليه الصلاة والسلام، ومنها فتح بيت المقدس: ففي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه تم فتح بيت المقدس سنة ست عشرة من الهجرة كما ذهب إلى ذلك أئمة السير، فقد ذهب عمر رضي الله عنه بنفسه, وصالح أهلها، وفتحها، وطهرها من اليهود والنصارى[FONT="].البداية والنهاية[FONT="]7/55-57
[/FONT]
، ومنها الحروب والفتن التي حدثت والتي ستحدث نسأل الله السلامة ، ومنها إمارة الصبيان والأحداث، ومنها إضاعة الأمانة، وإسناد الأمور إلى غير أهلها ، ومنها كثرة شرب الخمور، ومنها ظهور القينات والمعازف، ومنها فشو الربا والزنا.ومنها انشقاق القمر:اتفق العلماء على أن القمر قد انشق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن انشقاقه إحدى المعجزات الباهرة، وقد صرح القرآن بهذا في قوله تعالى" اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ"القمر:1-2. فيجب علينا الإيمان بعلامات الساعة الصغرى والكبرى ونحصن أنفسنا من الهلاك .
فيجب علينا أن نؤمن بأن المسيح الدجال خارج، وأنه يخرج في آخر الزمان ، مكتوب بين عينيه كافر ،يقرأها كل مسلم، كاتب وغير كاتب،ويجب علينا أن نؤمن بكل الأحاديث الصحيحة الواردة فيه وأن نصدق بها تصديقًا جازمًا . وأنه فتنة يفتتن بها خلق كثير، ويثبِّتُ اللهُ أهلَ الحقِّ فلا يفتتنون به، ويعلمون أنه كذاب، ولذلك سمي دجالًا يعني:كثير الكذب وعظيم الدجل.المكتبةالشاملة.كتاب شرح أصول السنة للإمام أحمد - ابن جبرين- رَجُلٌ أحْمَرُ - أحمر أي آدم -أسمر -جَسِيمٌ، جَعْدُ الرَّأْسِ، أعْوَرُ عَيْنِهِ اليُمْنَى، كَأنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ- منتفخة وبارزة - ولا جحراء- غائرة - كأنها عنبة طافئة . وعينه اليسرى عليها ظفرة - لحمة تنبت عند المآقي - غليظة . ومكتوب بين عينيه " ك ف ر " بالحروف المقطعة ، أو " كافر " بدون تقطيع ، يقرؤها كل مسلم ، كاتب وغير كاتب .ومن صفاته أنه عقيم لا يولد له . "ما بُعِث نبيٌّ إلَّا قد أنذر أمَّتَه الدَّجَّالَ الأعورَ الكذَّابَ ، ألا وإنَّه أعورُ ، وإنَّ ربَّكم ليس بأعورَ ، وإنَّ بين عينَيْه مكتوبًا كافرٌ"الراوي :أنس بن مالك - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح أبي داود-الصفحة أو الرقم: 4316 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.
"ذَكَرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، يَوْمًا بيْنَ ظَهْرَيِ النَّاسِ المَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ ليسَ بأَعْوَرَ، ألَا إنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ. وأَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ في المَنَامِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ، كَأَحْسَنِ ما يُرَى مِن أُدْمِ الرِّجَالِ تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بيْنَ مَنكبيهِ، رَجِلُ الشَّعَرِ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، واضِعًا يَدَيْهِ علَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ وهو يَطُوفُ بالبَيْتِ، فَقُلتُ: مَن هذا؟ فَقالوا: هذا المَسِيحُ ابنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ رَأَيْتُ رَجُلًا ورَاءَهُ جَعْدًا قَطِطًا أعْوَرَ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأَشْبَهِ مَن رَأَيْتُ بابْنِ قَطَنٍ، واضِعًا يَدَيْهِ علَى مَنْكِبَيْ رَجُلٍ يَطُوفُ بالبَيْتِ، فَقُلتُ: مَن هذا؟ قالوا: المَسِيحُ الدَّجَّالُ."الراوي : عبدالله بن عمر- المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم: 3439 -خلاصة حكم المحدث : صحيح. في هذا الحديثِ يقولُ عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ رضِي اللهُ عنهما: ذَكَرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، يَوْمًا بيْنَ ظَهْرَيِ النَّاسِ المَسِيحَ الدَّجَّالَ، أي: وهو جالسٌ في وسْطِ النَّاسِ، والمرادُ: أنَّه جَلسَ بينهم مُستظهرًا لا مُستَخفيًا، والمسيحُ الدَّجَّالُ: هو الذي يَظهرُ في آخِرِ الزَّمانِ ويدَّعِي الألُوهيَّةِ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ اللهَ ليسَ بأعورَ؛ لأنَّها صفُة نقْصٍ ولا تَليقُ به سبحانه، ألَا إنَّ المسيحَ الدَّجَّالَ أعورُ العينِ اليُمْنى كأنَّ عينَه عِنبةٌ طافيةٌ، أي: بارزةٌ، أو ذَهبَ نورُها، ثم إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رأى في مَنامِه أنَّه عندَ الكعبةِ، وقد رأى رجلًا آدَمَ، أي: أسمرَ، كأحسنِ ما يُرى من أُدْمِ الرِّجالِ، تَضرِبُ لُمَّتُه بينَ منكِبَيْه: واللُّمَّة: هي الشَّعرُ إذا جاوَزَ شَحْمَ الأُذنينِ، ورَجَّلُ الشَّعرَ:أي: قدْ سرَّحَه ودهَنَه، وقد كان رأسُه يَقْطُرُ ماءً، فسألَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عنه: مَن يكونُ؟ فأُخبِرَ أنه المسيحُ عِيسى عليه السَّلام، ثُمَّ رأى رَجلًا وراءَه جَعْدًا قَطَطًا،أي: شديدُ جُعودةِ الشَّعرِ، أعورَ العينِ اليُمْنى، وشبَّهَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بابنِ قَطَنٍ، وهو عبدُ العُزَّى بنُ قَطَنِ بنِ عَمرٍو الجاهليُّ الخُزاعيُّ، وأمُّه هالةُ بنتُ خُويلدٍ أختُ خديجةَ رضِي اللهُ عنها، وكان هذا الرَّجُلُ الذي رآه واضعًا يَديه على منكِبَي رَجُلٍ يَطوفُ بِالبيتِ، فسألَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَنْ هذا؟ فأُخبِرَ بأنَّه المسيحُ الدَّجَّال.الدرر. الدجال رجل من بني آدم ، له صفات كثيرة جاءت بها الأحاديث لتعريف الناس به ، وتحذيرهم من شره ، حتى إذا خرج عرفه المؤمنون فلا يفتنون به ، بل يكونون على علم بصفاته التي أخبر بها الصادق صلى الله عليه وسلم وهذه الصفات تميزه عن غيره من الناس ، فلا يغتر به إلا الجاهل الذي سبقت عليه الشقوة . نسأل الله العافية . "الدَّجَّالُ أعْوَرُ العَيْنِ اليُسْرَى، جُفالُ الشَّعَرِ، معهُ جَنَّةٌ ونارٌ، فَنارُهُ جَنَّةٌ وجَنَّتُهُ نارٌ."الراوي : حذيفة بن اليمان - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم-الصفحة أو الرقم: 2934 - خلاصة حكم المحدث : صحيح-الدرر-
قال صلى الله عليه وسلم"لأنا أعْلَمُ بما مع الدَّجَّالِ منه، معهُ نَهْرانِ يَجْرِيانِ، أحَدُهُما رَأْيَ العَيْنِ، ماءٌ أبْيَضُ، والآخَرُ رَأْيَ العَيْنِ، نارٌ تَأَجَّجُ، فَإِمَّا أدْرَكَنَّ أحَدٌ، فَلْيَأْتِ النَّهْرَ الذي يَراهُ نارًا ولْيُغَمِّضْ، ثُمَّ لْيُطَأْطِئْ رَأْسَهُ فَيَشْرَبَ منه، فإنَّه ماءٌ بارِدٌ، وإنَّ الدَّجَّالَ مَمْسُوحُ العَيْنِ، عليها ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ، مَكْتُوبٌ بيْنَ عَيْنَيْهِ كافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كاتِبٍ وغَيْرِ كاتِبٍ. "الراوي : حذيفة بن أسيد الغفاري - المحدث :مسلم - المصدر : صحيح مسلم-الصفحة أو الرقم: 2934 - خلاصة حكم المحدث :صحيح-الدرر.
"لأنا أعْلَمُ بما مع الدَّجَّالِ منه"، أيْ: إنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَعْلَم بما يكونُ مَع الدَّجالِ مِن فِتَنٍ وآياتٍ أَكْثَرَ مِن الدَّجالِ نَفْسِه."معهُ نَهْرانِ يَجْرِيانِ، أحَدُهُما رَأْيَ العَيْنِ، ماءٌ أبْيَضُ"، أيْ: نَهْرٌ تَراهُ العَينُ أنَّه ماءٌ أبيضُ فيما يَظْهَرُ لها، "والآخَرُ رَأْيَ العَينِ نَارٌ تأجَّجُ"،أيْ:نارٌ تَتلهَّبُ وتَشتَعِلُ، وهذا فيما يَظْهَرُ للنَّاسِ أيضًا، وليس كلُّ ذلك على حقيقتِه؛ "فإمَّا أَدْرَكَنَّ أحدٌ فليأتِ النَّهرَ الذي يَراهُ نَارًا"،أيْ:مَن أَدْرَكَ هذا الزَّمانَ فلْيَذْهبْ إلى النَّهرِ الذي يَراهُ نارًا،"وليُغمضْ"، أيْ: عَيْنَيهِ؛ وهذا حتَّى لا تَخْدَعُه العينُ فيَرْجِع، وفي إغماضِها تَثبيتٌ للقلبِ، "ثُم ليُطَأطِئْ رَأسَه"، أيْ: يُخفِض رأسَه"فيَشْرَبَ منه؛ فإنَّه ماءٌ باردٌ" على عَكْسِ ما يَراهُ بعَيْنِه.وفيه: أنَّ عدَم التعرُّضِ للفِتنِ- كإغماضِ العَينِ- مِن أسبابِ السَّلامةِ منها. ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فيه وَرَفَّعَ، حتَّى ظَنَنَّاهُ في طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذلكَ فِينَا، فَقالَ: ما شَأْنُكُمْ؟ قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً، فَخَفَّضْتَ فيه وَرَفَّعْتَ، حتَّى ظَنَنَّاهُ في طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَقالَ: غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي علَيْكُم، إنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ، فأنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وإنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ، فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتي علَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إنَّه شَابٌّ قَطَطٌ، عَيْنُهُ طَافِئَةٌ، كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بعَبْدِ العُزَّى بنِ قَطَنٍ، فمَن أَدْرَكَهُ مِنكُمْ، فَلْيَقْرَأْ عليه فَوَاتِحَ سُورَةِ الكَهْفِ، إنَّه خَارِجٌ خَلَّةً بيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا، يا عِبَادَ اللهِ فَاثْبُتُوا، قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، وَما لَبْثُهُ في الأرْضِ؟ قالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، فَذلكَ اليَوْمُ الذي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِينَا فيه صَلَاةُ يَومٍ؟ قالَ: لَا، اقْدُرُوا له قَدْرَهُ، قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، وَما إِسْرَاعُهُ في الأرْضِ؟ قالَ: كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتي علَى القَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ، فيُؤْمِنُونَ به وَيَسْتَجِيبُونَ له، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالأرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عليهم سَارِحَتُهُمْ، أَطْوَلَ ما كَانَتْ ذُرًا، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتي القَوْمَ، فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عليه قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عنْهمْ، فيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ ليسَ بأَيْدِيهِمْ شيءٌ مِن أَمْوَالِهِمْ، وَيَمُرُّ بالخَرِبَةِ، فيَقولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فَيَضْرِبُهُ بالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ، يَضْحَكُ، فَبيْنَما هو كَذلكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ علَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وإذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ منه جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ، فلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حتَّى يُدْرِكَهُ ببَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَأْتي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ منه، فَيَمْسَحُ عن وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بدَرَجَاتِهِمْ في الجَنَّةِ، ...............الحديث "الراوي :النواس بن سمعان الأنصاري - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم -الصفحة أو الرقم: 2937 - خلاصة حكم المحدث : صحيح-الدرر. "ثَلاثٌ إذا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجَّالُ، ودابَّةُ الأرْضِ".الراوي : أبو هريرة - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم-الصفحة أو الرقم: 158 - خلاصة حكم المحدث : صحيح -الدرر.
"حَدَّثَنَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حَدِيثًا طَوِيلًا عَنِ الدَّجَّالِ فَكانَ فِيما حَدَّثَنَا به أنْ قالَ: يَأْتي الدَّجَّالُ، وهو مُحَرَّمٌ عليه أنْ يَدْخُلَ نِقَابَ المَدِينَةِ، بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتي بالمَدِينَةِ، فَيَخْرُجُ إلَيْهِ يَومَئذٍ رَجُلٌ هو خَيْرُ النَّاسِ، أوْ مِن خَيْرِ النَّاسِ، فيَقولُ أشْهَدُ أنَّكَ الدَّجَّالُ، الذي حَدَّثَنَا عَنْكَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حَدِيثَهُ، فيَقولُ الدَّجَّالُ:أرَأَيْتَ إنْ قَتَلْتُ هذا، ثُمَّ أحْيَيْتُهُ هلْ تَشُكُّونَ في الأمْرِ؟ فيَقولونَ: لَا، فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ، فيَقولُ حِينَ يُحْيِيهِ: واللَّهِ ما كُنْتُ قَطُّ أشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي اليَومَ، فيَقولُ الدَّجَّالُ: أقْتُلُهُ فلا أُسَلَّطُ عليه.الراوي :أبو سعيد الخدري - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم: 1882 - خلاصة حكم المحدث : صحيح- الدرر- الشرح يأتي بعضَ السِّباخِ- جمعُ سَبَخَةٍ بفتحتينِ- وهي الأرضُ الرَّملةُ الَّتي لا تُنبِتُ؛ لملوحتِها، وهذه الصِّفةُ خارجَ المدينةِ مِن غيرِ جهةِ الحرَّةِ؛ إذ لا يستطيعُ دخولَ طُرقِ المدينة؛ لأنَّها محرَّمةٌ عليه أن يدخُلَها، ومحروسةٌ بالملائكة. فإذا جاء إلى سِباخِها، خرَج إليه رجلٌ، هو خيرُ النَّاسِ يومَئذ، أو مِن خيرِهم، يخرُجُ إليه ليناظِرَه ويبيِّنَ فسادَه عن علمٍ، فإذا رأى الدَّجَّالَ علِم أنَّه هو؛ لعلمِه بصفتِه الَّتي أخبَر عنها رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فيقولُ له"أشهَدُ أنَّك الدَّجَّالُ الَّذي حدَّثنا عنك رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم حديثَه" فيقولُ الدَّجَّالُ لِمَن اغتَرَّ به مِن الكفَّارِ والمُنافِقين: "أرأيتَ إن قتَلْتُ هذا، ثمَّ أحيَيْتُه، هل تشكُّونَ في الأمرِ؟،فيقولون:لا، فيقتُلُه الدَّجَّالُ، ثمَّ يُحْييه، وذلك بإذنِ اللهِ؛ اختبارًا للعبادِ، وليتميَّزَ الخبيثُ مِن الطَّيِّبِ، فلا يَزيدُذلك الشَّابَّ إلَّا ثباتًا على الحقِّ، فيقولُ حين يحييه "واللهِ ما كنتُ قطُّ أشَدَّ بصيرةً منِّي اليومَ"؛ وذلك لأنَّه رأى علامةً أخرى ممَّا ذكَره رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم من صفاتِ الدَّجَّالِ. أقْتُلُهُ فلا أُسَلَّطُ عليه:أي: فلا أستطيعُ قتلَه، أو يقولُ لبعضِ أعوانِه آمِرًا له"اقتُلْه" فلا يسلَّطُ عليه، أي: لا يستطيعُ قتلَه. وفي الحديثِ: فَضلُ العِلمِ، وأنَّه مِن أسبابِ البصيرةِ بالفِتَنِ، والثَّباتِ على الحقِّ وقتَ وقوعِها.- الدرر-[/FONT]
"يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيَتَوَجَّهُ قِبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَتَلْقاهُ المَسالِحُ، مَسالِحُ الدَّجَّالِ، فيَقولونَ له: أيْنَ تَعْمِدُ؟ فيَقولُ: أعْمِدُ إلى هذا الذي خَرَجَ، قالَ: فيَقولونَ له: أوَ ما تُؤْمِنُ برَبِّنا؟ فيَقولُ: ما برَبِّنا خَفاءٌ،فيَقولونَ: اقْتُلُوهُ، فيَقولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أليسَ قدْ نَهاكُمْ رَبُّكُمْ أنْ تَقْتُلُوا أحَدًا دُونَهُ، قالَ: فَيَنْطَلِقُونَ به إلى الدَّجَّالِ، فإذا رَآهُ المُؤْمِنُ، قالَ:يا أيُّها النَّاسُ هذا الدَّجَّالُ الذي ذَكَرَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: فَيَأْمُرُ الدَّجَّالُ به فيُشَبَّحُ، فيَقولُ: خُذُوهُ وشُجُّوهُ، فيُوسَعُ ظَهْرُهُ وبَطْنُهُ ضَرْبًا، قالَ: فيَقولُ: أوَ ما تُؤْمِنُ بي؟ قالَ: فيَقولُ: أنْتَ المَسِيحُ الكَذّابُ، قالَ: فيُؤْمَرُ به فيُؤْشَرُ بالمِئْشارِ مِن مَفْرِقِهِ حتَّى يُفَرَّقَ بيْنَ رِجْلَيْهِ، قالَ: ثُمَّ يَمْشِي الدَّجَّالُ بيْنَ القِطْعَتَيْنِ، ثُمَّ يقولُ له: قُمْ، فَيَسْتَوِي قائِمًا، قالَ: ثُمَّ يقولُ له: أتُؤْمِنُ بي؟ فيَقولُ: ما ازْدَدْتُ فِيكَ إلَّا بَصِيرَةً، قالَ: ثُمَّ يقولُ: يا أيُّها النَّاسُ إنَّه لا يَفْعَلُ بَعْدِي بأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، قالَ: فَيَأْخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذْبَحَهُ، فيُجْعَلَ ما بيْنَ رَقَبَتِهِ إلى تَرْقُوَتِهِ نُحاسًا، فلا يَسْتَطِيعُ إلَيْهِ سَبِيلًا، قالَ: فَيَأْخُذُ بيَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ فَيَقْذِفُ به، فَيَحْسِبُ النَّاسُ أنَّما قَذَفَهُ إلى النَّارِ، وإنَّما أُلْقِيَ في الجَنَّةِ فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ:هذا أعْظَمُ النَّاسِ شَهادَةً عِنْدَ رَبِّ العالَمِينَ".الراوي : أبو سعيد الخدري -المحدث: مسلم - المصدر : صحيح مسلم-الصفحة أو الرقم: 2938 خلاصة حكم المحدث : صحيح -الدرر- وفي الحديثِ: فَضلُ العِلمِ، وأنَّه مِن أسبابِ البَصيرةِ بالفِتَنِ، والثَّباتِ على الحقِّ وقتَ وُقوعِها. وفيه: فضْلُ مُواجَهةِ أهلِ الباطلِ بالحقِّ. *إمكانات الدجال التي تسبب الفتنة: -سرعة انتقاله في الأرض: ".....قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، وَما إِسْرَاعُهُ في الأرْضِ؟ قالَ: كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ"الحديث "الراوي : النواس بن سمعان الأنصاري - صحيح مسلم-الدرر. "كالغَيْثِ" والمرادُ به: الغَيْمُ، أي: يُسرِعُ في الأرضِ إسراعَ الغَيْمِ"اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ" أي: جاءَتْه الرِّيحُ مِن خَلْفِه، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه سيجول في أقطار الأرض ولا يترك بلدا إلا دخله إلا مكة والمدينة "ليسَ مِن بَلَدٍ إلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إلَّا مَكَّةَ، والمَدِينَةَ، ليسَ له مِن نِقَابِهَا نَقْبٌ، إلَّا عليه المَلَائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا، ثُمَّ تَرْجُفُ المَدِينَةُ بأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فيُخْرِجُ اللَّهُ كُلَّ كَافِرٍ ومُنَافِقٍ."الراوي : أنس بن مالك - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري -الصفحة أو الرقم: 1881 -خلاصة حكم المحدث : صحيح-الدرر- مقتبس من هنا . لنْ يَستطيعَ دُخولَ مكَّةَ والمدينةَ؛ إذ ليس هناك طَريقٌ أو فَجٌّ مِن فِجاجِهما إلَّا وعليه صُفوفٌ مِن الملائكةِ تَحرُسُه. - جنته وناره:ومما يفتن الدجال به الخلق أن معه ما يشبه الجنة والنار أو معه ما يشبه نهرا من ماء ونهرا من نار وواقع الأمر ليس كما يبدو للناس فإن الذي يرونه نارا إنما هو ماء بارد وحقيقة الذي يرونه ماء باردا نار"معهُ جَنَّةٌ ونارٌ، فَنارُهُ جَنَّةٌ وجَنَّتُهُ نارٌ."الحديث.الراوي : حذيفة بن اليمان - صحيح مسلم-الدرر- -استجابة الجماد والحيوان لأمره".....فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالأرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عليهم سَارِحَتُهُمْ، أَطْوَلَ ما كَانَتْ ذُرًا، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ،"الحديث. صحيح مسلم - الدرر. سَارِحَتُهم"، أي: مَوَاشِيهم "أَطْوَلَ ما كانت ذُرًا"، أي: أَسْنِمَةً، "وأَسْبَغَه"، أي: أكمَلَه "ضُرُوعًا" والضَّرْعُ مِن الحيوان بِمَنْزِلَةِ الثَّدْيِ مِنَ المرأةِ، "وأَمَدَّهُ"، أي: أَطْوَلَه أو أَوْسَعَه "خَوَاصِرَ"، وهي أطرافُ البَطْن. وختامًا: نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من فتنة المسيح الدجال ، آمين. * المتن:.......وَأَنَّ عِيسَى -ابْنَ مَرْيَمَ-عَلَيْهِ السَّلامُ– يَنْزِلُ،فَيَقْتُلَهُ بِبَابِ لُدٍّ. قال صلى الله عليه وسلم"فَبيْنَما هو كَذلكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ علَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وإذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ منه جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ، فلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حتَّى يُدْرِكَهُ ببَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَأْتي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ منه، فَيَمْسَحُ عن وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بدَرَجَاتِهِمْ في الجَنَّةِ، فَبيْنَما هو كَذلكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إلى عِيسَى: إنِّي قدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي، لا يَدَانِ لأَحَدٍ بقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إلى الطُّورِ وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ،..."الحديث. صحيحمسلم .الشرح:
"فَبيْنَما هو كَذلكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ"يعني: ثَوْبَيْنِ مَصْبُوغَيْنِ بِوَرْسٍ ثُمَّ بِزَعْفَرَانٍ"واضِعًا كَفَّيْهِ على أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إذا طَأْطَأَ رأسَه قَطَرَ، وإذا رَفَعَه تَحَدَّرَ"، أي: نَزَلَ قَطْرَةً بعدَ قَطْرَةً"منه جُمَانٌ كاللُّؤْلُؤِ" والجُمَانُ: حَبَّاتٌ مصنوعةٌ مِن الفِضَّةِ على هيئةِ اللُّؤْلُؤِ الكِبَارِ، والمُرادُ: يَتحدَّر منه الماءُ أو العَرَقُ على هيئةِ اللُّؤْلُؤِ في الصَّفَاءِ والحُسْنِ، "فلا يَحِلُّ"أي: لا يُمْكِنُ ولا يَقَعُ"لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِه إلَّا مات، ونَفَسُه يَنتهِي حيثُ يَنتهِي طَرْفُه: أي حيث ينتهي بصره،فيَطْلُبُه"، أي:فيَطْلُبُ عِيسَى بنُ مَرْيَمَ الدَّجَّالَ"حتَّى يُدْرِكَه ببابِ لُدٍّ"اسمِ قَرْيَةٍ في فِلَسْطِينَ"فيَقْتُلُه، ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى بنَ مَرْيَمَ قومٌ قد عَصَمَهم الله منه، فيَمْسَحُ عن وُجوهِهم"، أي: يَرْحَمُهم ويُواسِيهم ويَتَلطَّف بهم"ويحدِّثهم بدَرَجاتِهم في الجَنَّةِ، فبَيْنما هو كذلك إذ أَوْحَى الله إلى عِيسَى: إنِّي قد أَخْرَجْتُ عِبَادًا لي لا يَدَانِ"، أي: لا قُدرةَ ولا طاقةَ"لأحدٍ بقتالِهم، فحَرِّزْ عِبَادِي"، أي: ضُمَّهُم واجْمَعْهُم"إلى الطُّورِ"واجْعَلْه حِرْزًا لهم، والطُّورُ: جَبَلٌ معروفٌ في سَيْنَاءَ، "ويَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ"الدرر السنية. " إذْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ،فأمَّهُمْ، فإذا رَآهُ عَدُوُّ اللهِ، ذابَ كما يَذُوبُ المِلْحُ في الماءِ، فلوْ تَرَكَهُ لانْذابَ حتَّى يَهْلِكَ، ولَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بيَدِهِ، فيُرِيهِمْ دَمَهُ في حَرْبَتِهِ."الراوي : أبو هريرة - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم-الصفحة أو الرقم: 2897 - خلاصة حكم المحدث : صحيح -الدرر.الشرح:إذْ أُقيمَتِ الصَّلاةُ، أي: وقتُ إقامةِ المؤذنِ لِلصَّلاةِ، فَينزلُ عيسى ابنُ مَريمَ عليه السلام،أي: مِنَ السَّماءِ على مَنارةِ مَسجدِ دِمشقَ فَيأتي القُدسَفَأَمَّهم، أي:أَمَّ عِيسى المسلمينَ في الصَّلاةِ فَإِذا رآه،أي: رأى عِيسىعدُوُّ اللهِ، أي: الدَّجَّالُ ذَابَ، أي: شرَعَ في الذَّوبانِ كما يَذوبُ الملحُ في الماءِ فلو تَرَكه، أي: لَو تَركَ عِيسى الدَّجَّالُ ولم يقتُلْهلَانْذابَ حتَّى يَهلِكَ، أي: بِنفسِه بِالكلِّيَّةِ، ولكنْ يقتلُه اللهُ بِيدِه، أي: بِيدِ عيسى عليه السلام فَيُريهم دَمَه، أي: دمَ الدَّجَّالِ في حرْبَتِه:وهي رُمحٌ صغيرٌ. في الحديثِ: إخبارُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَنِ الغَيبيَّاتِ..الدرر. والسر في ذوبان الدجال إذا رأى عيسى - عليه السلام - هو أن الله أعطى لنَفَسِ عيسى رائحة خاصة إذا وجدها الكافر مات.مداد.لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتي يُقاتِلُونَ علَى الحَقِّ ظاهِرِينَ إلى يَومِ القِيامَةِ، قالَ: فَيَنْزِلُ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فيَقولُ أمِيرُهُمْ: تَعالَ صَلِّ لَنا، فيَقولُ: لا، إنَّ بَعْضَكُمْ علَى بَعْضٍ أُمَراءُ تَكْرِمَةَ اللهِ هذِه الأُمَّةَ."الراوي : جابر بن عبدالله - المحدث : مسلم -المصدر : صحيح مسلم -الصفحة أو الرقم: 156 - خلاصة حكم المحدث : صحيح-الدرر-*فائدة: يلاحظ أن الحديث الأول أثبت إمامة عيسى عليه السلام للمسلمين ،والحديث الثاني نفى إمامة عيسى عليه السلام للمسلمين: فهل عيسى عليه السلام يصلي بالمسلمين في آخر الزمان؟أم المهدي طبقًا للحديثين وكلاهما في صحيح مسلم؟ الجواب: هذه مسألة خلافية بين أهل السنة والجماعة،والخلاف فيها سائغ، ولكن هناك جمع بين الحديثين ورد في كتاب الديباج على شرح صحيح مسلم وهو: أن عيسى عليه السلام لما نزل المنارة ببابِ لُدٍّ قيل أنه كان هو الإمام طبقًا للحديث الأول الذي ينصُّ على إمامته "إذْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فأمَّهُمْ". ولما ذهبوا لبيت المقدس أراد عيسى عليه السلام أن يوضح أنه جاء مؤكدًا لشريعةِ محمد صلى الله عليه وسلم ،فأمر المهديَّ أن يكون هو الإمام تكرُمةً لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم . وبذلك وضح أنه وقعت صلاتان،الصلاة الأولى عند نزول عيسى وكان هو الإمام .والصلاة الثانية في بيت المقدس وحينها صلى بهم المهديّ.ا.هـ بالمعنى وليس بالنص نقلًا عن الشيخ أبي عبد الرحمن حفظه الله. وقيل: أن إمامة عيسى عليه السلام ،هي من باب الحث على الإمامة وليست هي الإمامة الفعلية، لأن العرب تطلق الإمامة أو اسم الإمامة أحيانًا على الفعل نفسه ،فكأن عيسى عليه السلام حث على أن المهديّ هو الذي يؤمهم ،فكان هذا الأمر منه عند العرب يُعَد بمثابة الفعل.نفس المصدر السابق.ا.هـ.فبعد مكث الدجال هذه المدة ينزل عيسى بن مريم من السماء، وهو الشرط الثالث من أشراط الساعة الكبار، ينزل واضعًا كفيه على جناح ملكين عند المنارة البيضاء دمشق في وقت صلاة الفجر، فإذا نزل عيسى بن مريم - عليه السلام - صار فردًا من أفراد الأمة المحمدية، فيحكم بشريعة نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، لأن كل نبي أخذ الله عليه الميثاق لئن بعث محمدٌ وأنت حي لتتبعنه، قال الله تعالى"وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ"آل عمران:81. حلقات جامع شيخ الإسلام ابن تيمية .الشيخ الراجحي.
المجلس الرابع والعشرون شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل
المتن: وَالإيمَانُ:قَوْلٌ وَعَمَلٌ،يَزِيدُ وَيَنْقُصُ،كَمَا جَاءَ في الخَبَرِ-أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ،إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا-،-وَمَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ كَفَرَ- وَ- لَيْسَ مِنَ الأَعْمِالِ شَيءٌ تَرْكُهُ كُفْرٌ إِلا الصَّلاةُ-مَنْ تَرَكَهَا فَهُوَ كَافِرٌ،وَقَدْ أَحَلَّ اللهُ قَتْلَهُ. الشرح: تعريف الإيمان اصطلاحًا: الإيمان:قول باللسان، اعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.صالح الفوزان .الإيمان عند أهل السنة والجماعةهو"الإقرار بالقلب، والنطق باللسان، والعمل بالجوارح". فهو يتضمن الأمور الثلاثة.مجموع فتاوى و رسائل الشيخ محمد صالح العثيمين- المجلدالاول - باب الإيمان والإسلام. * الإقرار بالقلب: المراد به اعتقاده وتصديقه وإيقانه وإقراره بأركان الإيمان وبكل ماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. كما جاء في حديث جبريل "قال: ما الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الأخر وبالقدر خيره وشره"رواه مسلم. *وقول اللسان: المراد به التكلم بكلمة الإسلام والإقرار بلوازمها.وهي الشهادة بأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.عَنْ ابْنِ عُمَرَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ" صحيح البخاري قال الشيخ: عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله"من شهد أن لا إله إلا الله " أي من تكلم بها عارفا لمعناها، عاملا بمقتضاها، باطنا وظاهرا، فلا بد في الشهادتين من العلم واليقين والعمل بمدلولها; كما قال الله تعالى"فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ " محمد:19. ، وقوله" وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" الزخرف 86. أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا يقين ولا عمل بما تقتضيه:من البراءة من الشرك، وإخلاص القول والعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح فغير نافع بالإجماع . فتح المجيد.*وعمل الجوارح: والمراد بعمل الجوارح: الالتزام العملي الظاهر بفعل الواجبات، وترك المحرمات من حيث هي جنس سواء العملية أو القولية.
*الإيمان قولٌ باللسان واعتقادٌ بالقلب؛ وعملٌ بالجوارح يزيدبالطاعة وينقص بالمعاصي، دليل الزيادة قوله- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ*الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ*أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا"الأنفال 3،2.
"وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ " التوبة:124. دلَّ على أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية والدليل على ذلك قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ"صحيح مسلم، وفي رواية "لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ"صحيح مسلم، وفي قوله في حديث أن اللهَ - جَلَّ وَعَلَا - يقول للملائكة"يقولُ اللَّهُ: مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ فأخْرِجُوهُ"صحيح البخاري، أدنى من مثقال حبة من خردلٍ من إيمان .الشيخ الفوزان.هنا. *الإيمان والإسلام الدين ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: الإسلام. وأعلى منها: الإيمان، وأعلى من الإيمان الإحسان. كما جاء ذلك في حديث جبريل - عليه الصلاة والسلام - حين سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن هذه المراتب، وأجابه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن كل مرتبة. وفي النهاية قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأصحابه "هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمور دينكم" . "كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فأتَاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: ما الإيمَانُ؟ قالَ: الإيمَانُ أنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ ومَلَائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، وبِلِقَائِهِ، ورُسُلِهِ وتُؤْمِنَ بالبَعْثِ. قالَ: ما الإسْلَامُ؟ قالَ: الإسْلَامُ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، ولَا تُشْرِكَ به شيئًا، وتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وتَصُومَ رَمَضَانَ. قالَ: ما الإحْسَانُ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يَرَاكَ، قالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قالَ: ما المَسْئُولُ عَنْهَا بأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وسَأُخْبِرُكَ عن أشْرَاطِهَا: إذَا ولَدَتِ الأمَةُ رَبَّهَا، وإذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإبِلِ البُهْمُ في البُنْيَانِ، في خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلَّا اللَّهُ ثُمَّ تَلَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ" لقمان: 34.الآيَةَ، ثُمَّ أدْبَرَ فَقالَ: رُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شيئًا، فَقالَ: هذا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ."الراوي : أبو هريرة: صحيح البخاري .الدرر. والإسلام والإيمان إذا ذكرا معًا افترقا.فصار للإسلام معنى خاص وللإيمان معنى خاص. كما في حديث جبريل .فعلى هذا يكون الإسلام هو الانقياد الظاهري، والإيمان هو الانقياد الباطني هذا إذا ذُكِرَا جميعًا. أما إذا ذُكِرَ الإسلامُ وحدَهُ أو الإيمانُ وحدَهُ، فإنه يدخل أحدهما في الآخر، إذا ذكر الإسلام فقط دخل فيه الإيمان. وإذا ذكر الإيمان فقط دخل فيه الإسلام. لهذا يقول أهل العلم: إنهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.فالإيمان عند أهل السنة والجماعة: هو عمل بالأركان وقول باللسان وتصديق بالجنان. ويدخل فيه الإسلام، يكون قولًا باللسان وعملًا بالأركان وتصديقًا بالجنان.إذا ذكر وحده. .الشيخ الفوزان.هنا . *ذهب عامة أهل السُّنَّة إلى أنَّ الإيمان الشَّرعي: هو اعتقاد وقول وعمل، قال الإمام محمد بن إسماعيل بن محمد الفضل التيمي الأصبهاني رحمه الله "والإيمان في لسان الشرع هو التصديق بالقلب، والعمل بالأركان"شرح النووي على صحيح مسلم: 1/146. وقال الإمام البغوي رحمه الله وهو من أئمة أهل السُّنَّة "اتفق الصحابة والتابعون ومن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان، وقالوا إن الإيمان قول وعمل، وعقيدة". شرح السُّنَّة:1/38-39. وقال الإمام الشافعي رحمه الله في كتاب الأم "وكان الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركنا أن الإيمان قول وعمل ونية، لا يُجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر".شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: 5/ 886. وروى الإمام اللالكائي رحمه الله تعالى عن البخاري أنَّه قال: "لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت واحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص".شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: 1/176. ولا فرق بين قول العلماء إنَّ الإيمان قول وعمل، أو قول وعمل ونية، أو قول وعمل واعتقاد؛ والسَّبب أنَّ هذا من اختلاف التَّنوع وليس من اختلاف التَّضاد، فَمَن قال مِن السَّلف: إنَّ الإيمان قول وعمل، أراد قول القلب واللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح، فإذا قال: الإيمان قول وعمل يقصد كل ذلك. ومن قال: قول وعمل ونية، فالقول عنده يتناول الاعتقاد، وهو قول القلب وقول اللسان، وأما العمل قد لا يُفهم منه النِّية عمل القلب، فزاد ذلك في التَّعريف. *فخلاصة ما سبق: أنَّ الإيمانَ حقيقةٌ مُركَّبةٌ من قولٍ وعملٍ، وأنالقول قسمان: قول القلب: وهو الاعتقاد، وقول اللسان: وهو نطق كلمة الإسلام. والعمل قسمان:عمل القلب وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارحكالصلاة وغيرها.الإيمان مفهومه وشروطه للشيخ محمد صالح المنجد. *هذه الدنيا هي دار الابتلاء والامتحان، فهي مختبرٌ، يُبتلى فيها الإنسانُ بما يزيد إيمانه، وبما ينقص إيمانه، فتارةً يتلو القرآن، ويتدبر القرآن، ويُكثر من ذكر الله؛ فيزيد إيمانه، وتارةً يصحب الأخيار، ويستفيد من علمهم وصحبتهم الطيبة؛ فيزداد إيمانه، ويُجاهد في سبيل الله، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدعو الناس إلى الخير؛ فيزداد إيمانه، وتارةً يُبتلى بجُلساء سوءٍ، بالغفلة عن الله، بالإقبال على زهرة العاجلة؛ فيضعف الإيمان، وينقص إيمانه[FONT="]. فالإنسان في هذه الدار بين مدٍّ وجزرٍ، فكلما شُغل بآخرته وبالأعمال الصَّالحة زاد إيمانه، وكلما شُغل بضدِّ ذلك نقص إيمانه[FONT="].
[/FONT] فعلى المؤمن أن يحذر أسبابَ النقص، وليجتهد في أسباب الزيادة، وذلك بالإقبال على القرآن الكريم والسنة المُطهرة، والاستكثار من الطاعات، وأنواع الذكر، والاستغفار، والتوبة، وصحبة الأخيار، والحذر من قرب الأشرار وصحبة الأشرار، والحذر من الغفلة، وطاعة النفس الأمَّارة بالسوء، والإقبال على الملذَّات والشهوات، مُتناسيًا أمر الآخرة، وأمر الجنة والنار، ولا حول ولا قوة إلا بالله[FONT="].الشيخ ابن باز رحمه الله.[/FONT] و مما يزيد الإيمان: *طلب العلم الشرعي: [FONT="] قال تعالى "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ"فاطر:28. فالعلم طريق للخشية التي هي علامة لما وقر في القلب من إيمان.[/FONT] *التأمل في آيات الله الكونية ومخلوقاته جل وعلا: فإن العبد إذا تفكر في آيات الله تعالى في هذا الكون عرف عظمة الله تعالى فازداد إيمانه. إنَّ التأمل في آيات الله الكونية ، والنظر في مخلوقات الله المتنوعة العجيبة، من سماء وأرض، وشمس وقمر، وكواكب ونجوم، وليل ونهار، وجبال وأشجار، وبحار وأنهار، وغير ذلك من مخلوقات الله التي لا تعد ولا تحصى، لمن أعظم دواعي الإيمان، وأنفع أسباب تقويته[FONT="].[/FONT] تأمل هذا الهواء اللطيف المحبوس بين السماء والأرض يدرك بحس اللمس عند هبوبه، يدرك جسمه ولا يرى شخصه فهو يجري بين السماء والأرض، والطير محلقة فيه سابحة بأجنحتها كما تسبح حيوانات البحر في الماء، وتضطرب جوانبه وأمواجه عند هيجانه كما تضطرب أمواج البحار[FONT="].[/FONT] ثم تأمل هذه البحار المكتنفة للأقطار التي هي خلجان من البحر المحيط الأعظم بجميع الأرض حتى أن المكشوف من الأرض والجبال والمدن بالنسبة إلى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم، وبقية الأرض مغمورة بالماء، ولولا إمساك الرب تبارك وتعالى له بقدرته ومشيئته وحبسه الماء لطفح على الأرض وعلاها كلّها[FONT="].[/FONT] وتأمل خلق الحيوانات على اختلاف صفاته وأجناسه وأشكاله ومنافعه وألوانه وعجائبه المودعة فيه، فمنه الماشي على بطنه ومنه الماشي على رجليه، ومنه الماشي على أربع، ومنه ما جعل سلاحه في رجليه وهو ذو المخالب، ومنه ما جعل سلاحه المناقير كالنسر والرخم والغراب، ومنه ما جعل سلاحه الأسنان، ومنه ما جعل سلاحه القرون يدافع عن نفسه[FONT="].[/FONT] *قراءة القرآن وتدبره: قال تعالى"وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا"الأنفال: ٢. الإكثار من ذكر الله تعالى :[FONT="] ويدل على ذلك : قال تعالى "الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ"الرعد: ٢٨.[/FONT] حضور مجالس الذكر والحرص عليها :[FONT="] لحديث حنظلة الأُسيدي قال " قلت : نافق حنظلة يا رسول الله ، فقال صلى الله عليه وسلم [FONT="]" [/FONT]وما ذاك ؟ " قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة ، حتى كأنّا رأي عين ، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ، نسينا كثيرًا ، فقال صلى الله عليه وسلم [FONT="]" [/FONT]والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة " رواه مسلم[FONT="]
[/FONT]والضيعات : هي معاش الرجل من مال أو حرفة أو صناعة[FONT="]
[/FONT]وقال معاذ بن جبل لأحد أصحابه يتذاكر معه " اجلس بنا نؤمن ساعة " رواه البخاري في صحيحه معلقًا .انظر الفتح المجلد الأول كتاب الإيمان باب بني الإسلام على الخمس.[/FONT] الإكثار من النوافل والطاعات: فكلما أكثر العبد من النوافل نال ثمرات كثيرة منها محبة الله له ومعيته فلا يصدر من جوارحه إلا ما يرضي الله جل وعلا ،وإذا نال العبد هذه الثمرات زاد إيمانه.
إنَّ اللَّهَ قالَ: مَن عادَى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ،وماتَرَدَّدْتُعنشَيءٍأنافاعِلُهُتَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوْتَ، وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ[FONT="]."الراوي[FONT="] : [/FONT]أبو هريرة -صحيح البخاري .[/FONT]
فليجتهد العبد ويكثر من النوافل في الصيام والصلاة والذكر وسائر أعمال البر[FONT="] .[/FONT] سؤال الله تعالى زيادة الإيمان وتجديده: إنَّ الإيمانَ لَيَخْلَقُ في جَوْفِ أحدِكُمْ كَما يَخلَقُ الثّوبُ ، فاسْألُوا اللهَ تعالَى : أنْ يُجَدِّدَ الإيمانَ في قُلوبِكمْ الراوي : عبدالله بن عمرو -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الجامع الصفحة أو الرقم:1590- خلاصة حكم المحدث : صحيح.
[FONT="]"إنَّ الإيمانَ لَيَخْلَقُ في جَوْفِ أحدِكم"، أي: يَبْلَى ويَضْعُفُ في قَلْبِ المُسْلِمِ[/FONT] ويكونُ ذلك بسَببِ الفُتور في العِبادةِ أو ارتكابِ المعاصي وانغِماسِ النَّفسِ في بَعضِ شَهواتِها، "كما يَخْلَقُ الثَّوبُ"، أي: مِثْلَ الثَّوْبِ الجَديدِ الذي يَبْلى بطُولِ استخدامِهِ؛ "فاسْأَلوا اللهَ تعالى" بالدُّعاءِ والأعْمالِ الصَّالحةِ والقِيامِ بالفرائضِ وأعمال التطوُّعِ التي تَعمُرُ القَلبَ بالإيمانِ، والصَّدقاتِ والنفقةِ على المحتاجِينَ، والتَّفكُّرِ في آياتِ اللهِ الشرعيَّةِ والكونيَّةِ، وكَثرةِ الذِّكرِ والاستغفارِ ولُزومِ مَجالِسِ الذِّكرِ والعِلمِ وبضد أسباب زيادة الإيمان نعرف أسباب نقصانه ، أسأل الله أن يزيدنا إيمانًا ويجدده في قلوبنا[FONT="] .[/FONT]
المجلس الخامس والعشرون شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل
المتن: وَالإيمَانُ:قَوْلٌ وَعَمَلٌ،يَزِيدُ وَيَنْقُصُ،كَمَا جَاءَ في الخَبَرِ-أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ،إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا-،-وَمَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ كَفَرَ- وَ- لَيْسَ مِنَ الأَعْمِالِ شَيءٌ تَرْكُهُ كُفْرٌ إِلا الصَّلاةُ-مَنْ تَرَكَهَا فَهُوَ كَافِرٌ،وَقَدْ أَحَلَّ اللهُ قَتْلَهُ. الشرح:* المتن: أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ،إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا: "أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا"صحيح الترمذي. هذا دليل على أن الإيمان يزيد وينقص..موقع حلقات جامع شيخ الإسلامابن تيمية.الراجحي. قال ابن القيّم -رحمه الله: إن حسن الخلق يقوم على أربعة أمور أساسية، وهي: الصّبر، والعفّة، والشّجاعة، والعدل. قال الماوردي -رحمه الله- في تعريف حسن الخلق ووصف صاحبه: "أن يكون سهل العريكة، ليّن الجانب، طليق الوجه، قليل النّفور، طيّب الكلمة قال الشيخ ابن سعدي -رحمه الله"هو خُلقٌ فاضلٌ عظيمٌ، أساسه الصّبر، والحلم، والرّغبة في مكارم الأخلاق، وآثاره العفو، والصّفح عن المسيئين، وإيصال المنافع إلى الخلق أجمعين..."، وجمع الله -سبحانه- ذلك في آيةٍ واحدةٍ، فقال الله –تعالى"خُذِ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ الجاهِلينَ"الأعراف:99. قال الإمام أحمد -رحمه الله "حسن الخلق ألّا تغضب ولا تحقد وقال ابن المبارك عن حسن الخلق: هو بسطُ الوجه، وبذلُ المعروف، وكفُّ الأذى."إنَّ أكملَ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا ، و إنَّ حُسْنَ الخلُقِ ليبلغُ درجةَ الصومِ و الصلاةِ"الراوي : أنس بن مالك -المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الجامع-الصفحة أو الرقم: 1578 - خلاصة حكم المحدث : صحيح - الدرر السنية.
"إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا ، وإنَّ مِن أبغضِكُم إليَّ وأبعدِكُم منِّي يومَ القيامةِ الثَّرثارونَ والمتشدِّقونَ والمتفَيهِقونَ، قالوا : يا رسولَ اللَّهِ، قد علِمنا الثَّرثارينَ والمتشدِّقينَ فما المتفَيهقونَ ؟ قالَ : المتَكَبِّرونَ" الراوي : جابر بن عبدالله -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم2018خلاصة حكم المحدث : صحيح .
وفي الحديثِ: بيانُ فضلِ الخُلقِ الحسَنِ. وفيه: التَّحذيرُ من التَّكلُّفِ في الكلامِ أو تَرديدِه والتَّفاخرِ به؛ لِيَميلَ بقلوبِ النَّاسِ وأسماعِهم إليه. وفيه: أنَّ الشَّخصَ الواحِدَ قد يَجتمِعُ فيه المحبَّةُ والبُغضُ؛ فيَكونُ مَحبوبًا من وجهٍ، مبغوضًا من وجهٍ آخَرَ.
"إن المؤمنَ لَيُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه درجةَ الصائمِ القائمِ."الراوي : عائشة أم المؤمنين-المحدث : الألباني-المصدر : صحيح أبي داود-الصفحة أو الرقم4798- خلاصة حكم المحدث : صحيح .
في هذا الحديثِ يقولُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إنّ المؤمِنَ لَيُدركُ بحُسنِ خُلقِه دَرجةَ الصَّائمِ القائمِ؛ وذلك لأنَّ الذي يُحسِّن خُلَقه مع الناسِ مع اختِلافِ طَبائعِهم يُجاهِدُ نفوسًا كثيرةً، وذلك بكَفِّ الأذَى عنهم، وبَذْلِ العَطاءِ لهم، وطلاقةِ الوَجهِ مع الصَّبرِ على آذاهم، والصائمُ القائمُ يُجاهِدُ نفسَه؛ لذلكَ يُدركُ المؤمنُ بحُسِن خلُقِه دَرجةَ- أي: منزلةَ وثوابَ- الصائمِ، أي: المتطوِّع بالصَّومِ بالنهارِ، القائمِ، أي: المتهجِّد بالليل؛ فالصَّائمُ القائمُ عِندَه من التَّعبِ والمشقَّةِ لقيامِه الليلَ بصَلاةِ التطوُّعِ، بعدَ صِيامِه للنَّهار؛ فكونُ صاحِبِ حُسنِ الخُلقِ يكون في دَرجةِ هؤلاء إنَّما هو لمُجاهدتِه الناسَ بحُسنِ المعاملةِ فيهم وإنْ قَسَوْا عليه؛ فيكون الصبرُ مِفتاحَه فيهم. وفي هذا الحديثِ: الحضُّ على العَملِ بمكارمِ الأخلاقِ وأحسنِها.
"عليْكَ بحسْنِ الخلُقِ ، وطولِ الصمْتِ ، فوالذي نَفْسِي بيدِهِ ما تَجَمَّلَ الخلائِقُ بِمِثْلِهِما"الراوي : أنس بن مالك وأبو ذر وأبو الدرداء والشعبي-المحدث : الألباني-المصدر : صحيح الجامع-الصفحة أو الرقم4048- خلاصة حكم المحدث : حسن
"أتدْرون ما أكثرُ ما يُدخِلُ النارَ قالوا : اللهُ و رسولُه أعلمُ ، قال :الأجوفانِ : الفرجُ و الفمُ ، و ما أكثرُ ما يُدخِلُ الجنَّةَ ؟ تقوى اللهِوحُسنُ الخُلُقِ"الراوي : أبو هريرة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الأدب المفرد-الصفحة أو الرقم: 222 - خلاصة حكم المحدث : حسن.الدرر السنية.
إنَّهُ من أُعْطيَ حظَّهُ منَ الرِّفقِ ، فقد أُعْطيَ حظَّهُ من خيرِ الدُّنيا والآخرةِ، وصلةُ الرَّحمِ، وحسنُ الخلقِ وحسنُالجوارِ، يُعمرانِالدِّيارَ، ويزيدانِ في الأعمارِ ."الراوي : عائشة أم المؤمنين -المحدث : الوادعي -المصدر: الصحيح المسند - الصفحة أو الرقم1656- خلاصة حكم المحدث : صحيح .
الرِّفقُ وَاللِّينُ في الأمْرِ كلِّه مِن الخيرِ العَظيمِ، وعاقِبتُه جميلةٌ ومَحمودةٌ، وبِه يُدرِكُ الإنسانُ ما لا يُدرِكُه بالشِّدَّةِ. وفي هذا الحَديثِ يقولُ الرَّسولُ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ "إنَّه مَن أُعطِيَ حظَّه مِن الرِّفقِ"، أي: نَصيبَه مِن اللُّطفِ واللِّينِ والسَّماحَةِ في تَعامُلِه مع النَّاسِ، "فقد أُعطِيَ حظَّه مِن خيرِ الدُّنيا والآخرةِ"، أي: الرِّفقُ خيرٌ كلُّه؛ فإنَّ العبْدَ يَرفُقُ بالنَّاسِ في الدُّنيا، فيَرفُقُ اللهُ به في الآخرةِ جزاءً وِفاقًا، فمَن أعطاهُ اللهُ الرِّفقَ، فَلْيَحمَدِ اللهَ على ما أعطاهُ مِن الخيرِ؛ إذ بالرِّفقِ يَنالُ مَطالِبَ الدِّينِ والدُّنيا، "وصِلَةُ الرَّحمِ" بالبِرِّ والإحسانِ إلى الأهْلِ والأقاربِ، "وحُسنُ الخُلقِ"، أي: ومُعامَلةُ الخلْقِ بأفضلِ الأخلاقِ، "وحُسنُ الجِوارِ"، أي: بمنْعِ الأذى عن الجارِ وإيصالِ النَّفعِ إليه، "يُعمِّرانِ الدِّيارَ"، أي: بالبركةِ والخيرِ، "ويَزيدانِ في الأعمارِ" بالبركةِ فيها؛ بحيث يُوفِّقُه اللهُ لعمَلِ الخيرِ الكثيرِ والطَّاعاتِ ذاتِ الفضْلِ العظيمِ، أو الزِّيادةُ حقيقيةٌ بتَطويلِ العُمرِ، وذلك بالنِّسبةِ إلى عِلْمِ المَلَكِ المُوكَّلِ بالعُمرِ، أما الَّذي في عِلْمِ اللهِ لا يَتقدَّمُ ولا يتأخَّرُ، والَّذي في عِلْمِ المَلَكِ هو الَّذي يُمكِنُ فيه الزِّيادةُ والنَّقصُ، وإليه الإشارةُ بقولِه تعالى"يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ"الرعد: 39. وفي الحديثِ: الحثُّ على الرِّفقِ، وأنَّه أقصرُ الطُّرقِ للوُصولِ إلى الخيرِ. وفيه: بَيانُ الأثَرِ العظيمِ للطَّاعاتِ. المتن:وَمَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ كَفَرَ- وَ- لَيْسَ مِنَ الأَعْمِالِ شَيءٌ تَرْكُهُ كُفْرٌ إِلا الصَّلاةُ-مَنْ تَرَكَهَا فَهُوَ كَافِرٌ،وَقَدْ أَحَلَّ اللهُ قَتْلَهُ. الشرح:اختلف العلماء في تارك الصلاة عمدًا من المسلمين إذا لم يجحد وجوبها. قال جمهور العلماء إن جحد وجوبها فهو كافر مرتد عن دين الإسلام، وإن لم يجحد وجوبها لكنه تركها كسلًا مثلًا، فهو مرتكب كبيرة ،غير أنه لا يخرج بها من ملة الإسلام، وتجب استتابته ثلاثة أيام فإن تاب فالحمد لله وإلا قُتل حدًّا لا كفرًا ، وعلى هذا يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدعى له بالمغفرة والرحمة ويدفن في مقابر المسلمين ويرث ويورث ، وبالجملة تجري عليه أحكام المسلمين العصاة حيًّا وميتًا .مقتبس من الإسلام سؤال وجواب. فقد اتفق العلماء على كفر من ترك الصلاة جحودًا لها. واختلفوا فيمن أقر بوجوبها ثم تركها تكاسلا.فذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أنه لا يكفر، وأنه يحبس حتى يصلي. وذهب مالك والشافعيرحمهما الله إلى أنه لا يكفر ولكن يقتل حدًا ما لم يصل. والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يكفر ويقتل ردة.إسلام ويب."مَن تركَ الصَّلاةَ مُتعمِّدًا فقد برِئتْ منهُ ذِمَّةُ اللهِ ورسولِهِ" صحيح الترغيبوالترهيب.فعلى المسلمين التناصح فيما بينهم والتآمر بها والحرص عليها. فالصلاة هي عمود الإسلام، وهي أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله. فالركن الثاني من أركان الإسلام: إقام الصلاة، فالصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، والشرع اعتنى بها اعتناءً عظيمًا، لم يعتن بأي ركن من أركان الإسلام العملية اعتناءه بها، حتى إنه تبارك وتعالى فرضها على رسول الله صلى الله عليه وسلم دون واسطة، كَلَمَهُ بها وبفرضيتها بدون واسطة، ،وفرضها في أعظم ليلة كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ليلة المعراج، التي هي أعظم ليلة كانت للنبي صلى الله عليه وسلم، وفرضها أيضًا في أعلى مكان وصل إليه بشر، فرضها على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في السماء السابعة، يكلمه سبحانه وتعالى من فوق العرش يفرض عليه الصلاة. هذه الصلاة العظيمة التي فيها هذا الفضل والقدر، وفيها هذه العناية من ربنا جل ذكره أضاعها كثير من المسلمين اليوم! فصدق عليهم قول الله عز وجل"فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا"مريم: 59. أضاعوها فلم يقوموا بواجبها، ولم يربوا أولادهم وأهلهم عليها، مع أن الله يقول"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ"التحريم: 6، ومع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال "مُروا أولادَكم بالصلاةِ وهم أبناءُ سبعِ سنينَ واضرِبوهُم عليها وهمْ أبناءُ عشرٍ وفرِّقوا بينهُم في المضاجعِ"الراوي : جد عمرو بن شعيب-المحدث: الألباني -المصدر : صحيح أبي داود . فشرائعُ الدِّينِ يَنْبغي أنْ يتعَلَّمَها الأولادُ بالتَّدرُّجِ والتَّسلسُلِ حتَّى تكونَ سَهْلةً عليهم، ويُبْدَأُ معَهم في تَعليمِها قَبْلَ وقتِ وُجوبِها عليهم.. " واضرِبوهُم عليها وهمْ أبناءُ عشرٍ "، أي: إذا بَلَغَ الطِّفْلُ عَشْرَ سِنينَ أُلْزِمَ بالصَّلاةِ الَّتي ظَلَّ ثلاثَ سنَواتٍ يتَدرَّبُ عليها، فإذا قَصَّر في الصَّلاةِ بَعْدَ هذه السِّنِّ ضُرِبَ وعُوقِبَ حتَّى يعتادَ على أدائِها، فإذا ما دَخَل وقتُ التَّكليفِ يكونونَ قد اعْتادوا عليها دونَ أَدْنى تَفريطٍ مِنْهم في تِلْكَ العِبادةِ. ترى الواحد يخرج من بيته للمسجد، وأولاده يلعبون في السوق، لا يأمرهم بالصلاة وهم لسبع، ولا يضربهم عليها إذا بلغوا عشرًا مع أهميتها وعِظمها، حتى إن الصلاة لا تسقط عن الإنسان أبدًا ما دام عاقلًا تجب عليه إذا كان قادرًا أن يقيمها بأركانِها وشروطِها وواجباتِها، وبما قدر عليه منها إن عَجَزَ حتى إنها لا تسقط عن المريض ما دام عقله ثابتًا.الشيخ العثيمين.
قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :
" تطوع كل فريضة من صلاة وصيام وزكاة ونحوها يكمل بها ما نقص من الفريضة "انتهى من " فتاوى اللجنة الدائمة – المجموعة الأولى " 7/235.
"إنَّ الرَّجلَ لينصرِفُ ، وما كُتِبَ لَه إلَّا عُشرُ صلاتِهِ تُسعُها ثُمنُها سُبعُها سُدسُها خُمسُها رُبعُها ثُلثُها ، نِصفُها"الراوي : عمار بن ياسر -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح أبي داود.
الخُشوعُ والتَّدبُّرُ رُوحُ الصَّلاةِ، والمسلِمُ مأمورٌ بهِما في كلِّ صَلاتِه، ويَنبَغي له ألَّا يَنشَغِلَ بأمورِ الدُّنيا عن ربِّه الواقفِ بين يدَيه؛ حتَّى يَفوزَ بالثَّوابِ والأجرِ. وفي هذا الحديثِ يَقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم: "إنَّ الرَّجُلَ ليَنصَرِفُ"، أي: يَخرُجُ مِن صَلاتِه ويَنْتهي منها، "وما كُتِب له إلَّا عُشرُ صَلاتِه، تُسعُها، ثُمنُها، سُبعُها، سُدسُها، خُمسُها، رُبعُها، ثُلثُها، نِصفُها"، أي: لا يَكونُ لها مِن أجْرِها إلَّا قَدْرُ ما عَقَلَ مِنْها، وقدْرُ ما خشَع فيها، وما أدَّى مِن شُروطِها وأركانِها، فرُبَّما يَكونُ لها أيُّ جزءٍ مِن هذه الأجزاءِ، وهذا الاختِلافُ يَدُلُّ على اختِلافِ أجْرِ المُصلِّين. "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ"المؤمنون :1/2 . والخشوع في الصلاة: هو حضور القلب فيها بين يدي الله تعالى محبة له وإجلالاً وخوفًا من عقابه ورغبة في ثوابه مستحضرًا لقربه فيسكن لذلك قلبه وتطمئن نفسه وتسكن حركاته متأدبا بين يدي ربه مستحضرًا جميع ما يقوله ويفعله في صلاته من أولها إلى آخرها فتزول بذلك الوساوس والأفكار، والخشوع هو روح الصلاة والمقصود الأعظم منها فصلاة بلا خشوع كبدن ميت لا روح فيه.
"أولُ مايحاسبُ به العبدُ الصلاةَ ، وأولُ ما يقضى بين الناسِ في الدماءِ"الراوي : عبدالله بن مسعود -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح النسائي .
الشرح[FONT="]:[FONT="]"[/FONT]كُنَّا نُخَيِّرُ بيْنَ النَّاسِ في زَمَنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَنُخَيِّرُ أبَا بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، ثُمَّ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمْ[FONT="]."[/FONT]الراوي[FONT="] : [/FONT]عبدالله بن عمر– صحيح البخاري.[/FONT] كُنَّا نُخَيِّرُ :أي: كنَّا نُفضِّلُ بَعضَ الصَّحابةِ على بَعضٍ في زمَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهذا إشارةٌ إلى إقرارِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لهذا التَّفْضيلِ. في هذا الحديثِ يُبيِّن ابن عُمرَ رضي الله عنهما مكانةَ أبي بكرٍ الصِّدِّيق فيقول "كنَّا نُخيِّر بين النَّاس في زمن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، أي: كنَّا نُفضِّل بعضَ الصَّحابة على بعضٍ في زمن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فنقول: فلانٌ خيرٌ مِن فلان، أي: فنقولُ: أفضلُ النَّاس بعد النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أبو بكرٍ، ويليه عمرُ، ويليه عثمانُ،.......... وقد أجمَعت الأمَّةُ على تقديمِ أبي بكرٍ رضي الله عنه على غيرِه مِن الصَّحابة.الدرر. "كُنَّا في زَمَنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا نَعْدِلُ بأَبِي بَكْرٍ أحَدًا، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمانَ، ثُمَّ نَتْرُكُ أصْحابَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، لا نُفاضِلُ بيْنَهُمْ."الراوي : عبدالله بن عمر - صحيح البخاري. الدرر. "عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، قَالَ: قُلتُ لأبِي: أيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ قَالَ: أبو بَكْرٍ، قُلتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ عُمَرُ، وخَشِيتُ أنْ يَقُولَ عُثْمَانُ، قُلتُ: ثُمَّ أنْتَ؟ قَالَ: ما أنَا إلَّا رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ."الراوي : محمد بن علي ابن الحنفية - صحيح البخاري -الدرر.ففيه أنَّ محمَّدَ بنَ الحنفيَّةِ- وهو ابنُ عليِّ بن أبي طالبٍ مِن غيرِ فاطمةَ، والحنفيَّة نسبة إلى جَدِّ أمِّه، واسمُها خَوْلَةُ- سأل أباه عليًّا: أيُّ النَّاسِ خيرٌ بعد رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ فأجابه بأنَّ أبا بكرٍ هو خيرُ النَّاس بعد النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومِن بعده عمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه، وقولُ محمَّدِ بنِ الحنفيَّة "وخشِيتُ أن يقولَ: عثمانُ" أي: وخِفتُ أن يقولَ : إنَّ الأفضلَ بعد أبي بكرٍ وعمرَ: عثمانُ؛ تواضعًا منه وهضمًا لنفسِه، فيضطرِبُ عليه الحالُ؛ لأنَّه كان يعتقِد أنَّ أباه عليًّا أفضلُ، فبادَر محمَّدٌ وسأل عليًّا: ثمَّ أنت؟ أي: ثمَّ أنت الأفضلُ بعدهما، فردَّ عليه بما يناسِبُ تواضُعَه رضي الله عنه، قائلًا:إنَّما أنا رجُلٌ مِن المُسلِمين، وهذا على سبيلِ التَّواضُعِ منه، مع العلمِ بأنَّه حين هذا السُّؤالِ خيرُ النَّاسِ بلا نزاعٍ؛ لأنَّه بعد قَتْلِ عثمانَ- رضي اللهُ عنهم أجمعين.وفي الحديث:إفصاحُ عليٍّ رضي الله عنه بأنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه خيرُ النَّاس بعد رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّ خيرَهم بعد أبي بكرٍ عمرُ رضي الله عنهم جميعًا.الدرر. وقال الذهبي رحمه الله :
" لَيْسَ تَفْضِيْلُ عَلِيٍّ بِرَفضٍ وَلاَ هُوَ ببدعَةٌ، بَلْ قَدْ ذَهبَ إِلَيْهِ خَلقٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ، فَكُلٌّ مِنْ عُثْمَانَ وَعلِيٍّ ذُو فضلٍ وَسَابِقَةٍ وَجِهَادٍ، وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي العِلْمِ وَالجَلاَلَة، وَلعلَّهُمَا فِي الآخِرَةِ مُتسَاويَانِ فِي الدَّرَجَةِ، وَهُمَا مِنْ سَادَةِ الشُّهَدَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وَلَكِنَّ جُمُهورَ الأُمَّةِ عَلَى تَرَجيْحِ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ، وَإِلَيْهِ نَذْهَبُ، وَالخَطْبُ فِي ذَلِكَ يسيرٌ، وَالأَفضَلُ مِنْهُمَا بِلاَ شكٍّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، مَنْ خَالفَ فِي ذَا، فَهُوَ شِيعِيٌّ جَلدٌ " انتهى من" سير أعلام النبلاء " 12/ 419. نبذة عنهم:
*أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ: وهو عبدُ اللهِ بنُ عُثمانَ التَّيْميُّ القُرشيُّ، وهو أوَّلُ الخلفاءِ الرَّاشِدين، وهو وزيرُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وصاحبُه، ورفيقُهعندَ هجرتِه إلى المدينةِ ، وهو أكثرُ الصَّحابةِ إيمانًا وزُهدًا، ومِن أحَبِّ النَّاسِ إلى النَّبيِّ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولَقَّبه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالصِّدِّيقِ؛ لِكَثرةِ تَصْديقِه له. "أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، بَعَثَهُ علَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فأتَيْتُهُ فَقُلتُ: أَيُّ النَّاسِأَحَبُّإلَيْكَ؟ قالَ: عَائِشَةُ قُلتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قالَ أَبُوهَا قُلتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: عُمَرُ فَعَدَّ رِجَالًا"[FONT="].الراوي[FONT="] :[/FONT]عمرو بن العاص -المحدث[FONT="] : [/FONT]مسلم -المصدر[FONT="] : [/FONT]صحيح مسلم-الصفحة أو الرقم[FONT="]2384[/FONT]-خلاصة حكم المحدث[FONT="] : [/FONT]صحيح[/FONT]
ذاتُ السَّلاسلِ اسمُ مَكانٍ وقَعتْ فيه الغَزْوةُ المُسمَّاةُ باسْمِه سَنةَ ثَمانٍ للهِجْرةِ؛ وسُمِّيَت بذلك لأنَّ الأرضَ الَّتي كانوا فيها ذاتَ رَملٍ يَنعقِدُ بَعضُه على بَعضٍ كالسِّلْسلةِ[FONT="].قال عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم"إنَّ أمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ في صُحْبَتِهِ ومَالِهِ أبو بَكْرٍ، ولو كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِن أُمَّتي لَاتَّخَذْتُ أبَا بَكْرٍ، ولَكِنْ أُخُوَّةُ الإسْلَامِ ومَوَدَّتُهُ، لا يَبْقَيَنَّ في المَسْجِدِ بَابٌ إلَّا سُدَّ، إلَّا بَابُ أبِي بَكْرٍ.الراوي: عبدالله بن مسعود-صحيح البخاري .[/FONT] "إنَّ مِن أمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ في صُحبَتِه ومالِه أبا بَكْرٍ"، ومَعْناه: أنَّه أكثَرُهم جُودًا وسَماحةً لنا بنفْسِه ومالِه، وليس هو مِن المَنِّ الَّذي هو الاعْتِدادُ بالصَّنيعةِ. " لا يَبْقَيَنَّ في المَسْجِدِ بَابٌ إلَّا سُدَّ "كان بعضُ الصَّحابةِ فَتَحوا أبْوابًا في دِيارِهم إلى المَسجِدِ، فأمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بسَدِّها كلِّها إلَّا بابَ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه؛ ليَتميَّزَ بذلك فَضلُه[FONT="]. أسلم على يديه خمسة من المبشرين بالجنة عثمان، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن ابن عوف، وسعد بن أبي وقاص، توفي في جمادى الآخرة سنة 13هـ عن63 سنة.لم يتخلف عن مشهد واحد من المشاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، وثبت يوم أحد ويوم حنين حين فر الناس. ورَعُ أبي بكرٍ رضي الله عنه: "كانَ لأبِي بَكْرٍ غُلَامٌ يُخْرِجُ له الخَرَاجَ، وكانَ أبو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِن خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بشيءٍ فأكَلَ منه أبو بَكْرٍ، فَقالَ له الغُلَامُ: أتَدْرِي ما هذا؟ فَقالَ أبو بَكْرٍ: وما هُوَ؟ قالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ في الجَاهِلِيَّةِ، وما أُحْسِنُ الكِهَانَةَ، إلَّا أنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فأعْطَانِي بذلكَ، فَهذا الذي أكَلْتَ منه، فأدْخَلَ أبو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شيءٍ في بَطْنِهِ"الراوي : عائشة أم المؤمنين-صحيح البخاري. [/FONT] وفي هذا الحَديثِ تُخبِرُ أمُّ المؤمِنينَ عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّه كان لأبيها أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضيَ اللهُ عنه غُلامٌ يُخرِجُ له الخَراجَ، وخَراجُ العبدِ هو: الضَّريبةُ الَّتي يتَّفِقُ العبدُ مع سيِّدِه على إخْراجِها له، وأدائِها إليه في كلِّ يومٍ، أو كلِّ شَهرٍ، وكان أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه يَأكُلُ مِن خَراجِه إذا سَألَه عنه، وعرَفَ حِلَّه. فجاء يومًا بشَيءٍ مِن كَسْبِه، فأكَل منه أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه ولم يَسألْه، فقال له الغُلامُ: تَدْري ما هذا الَّذي جِئتُكَ به وأكلْتَ منه؟ فقال أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه: وما هو؟ قال: كُنتُ تَكهَّنْتُ لإنْسانٍ في الجاهِليَّةِ، وهي مدَّةُ ما قبْلَ الإسْلامِ، والكِهانةُ هي الإخْبارُ بالغَيبِ مِن غيرِ طَريقٍ شَرعيٍّ، وكانت كَثيرًا في الجاهِليَّةِ، وأخْبَرَه أنَّه لا يُحسِنُ الكِهانةَ ولكنَّه خدَعَ الرَّجلَ، فلمَّا قابَلَه أعْطاهُ أجْرَهُ، وهو الطَّعامُ الَّذي أكَلَ منه أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، فلمَّا سَمِعَ ذلك أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه أدخَلَ يَدَه في فَمِه، فاستَفرَغَ ما في بَطنِه؛ لئَلَّا يَتغَذَّى بَطنُه بحَرامٍ؛ وذلك لأنَّ عِوَضَ الكِهانةِ مَنهيٌّ عنه، سَواءٌ كان الكاهنُ يُحسِنُ صَنْعةَ الكِهانةِ، أو لا يُحسِنُ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ -في الحَديثِ المُتَّفَقِ عليه- قدْ نَهَى عن حُلْوانِ الكاهِنِ، وهي أُجْرتُه على كِهانَتِه[FONT="]. وفي الحَديثِ: وَرَعُ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه[FONT="].
[/FONT][FONT="]
[/FONT][FONT="]*[/FONT]وعمرُ في الجنَّةِ[FONT="]: [/FONT]وهو عُمرُ بنُ الخطَّابِ العدَويُّ القُرشيُّ، المُلقَّبُ بالفاروقِ، وهو ثاني الخلفاءِ الرَّاشدين ومِن كبارِ أصحابِ الرَّسولِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، وهو وزيرُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مع أبي بكرٍ، ومِن عُلماءِ الصَّحابةِ وزُهَّادِهم[FONT="]. [/FONT]تولَّى الخِلافةَ الإسلاميَّةَ بعدَ وفاةِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ وقد اشتُهِر بعَدْلِه وإنصافِه النَّاسَ مِن المظالِمِ، وفي عَهدِه زادَتِ الفُتوحاتُ وانتَشَر الإسلامُ، وهو أوَّلُ مَن مَصَّر الأمصارَ ونَظَّم الدَّولةَ الإسلاميَّةَ[FONT="].
[/FONT]وهو رضي الله عنه من أبرز الرجال الذين قام الدين على أكتافهم وجهودهم، آتاه الله قوة في الدين والعلم، وجرأة في الحق، وصرامة لا مثيل لها على الباطل[FONT="] "[/FONT]عَنْ عبدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، قالَ[FONT="]: [/FONT]ما زِلْنَا أعِزَّةً مُنْذُ أسْلَمَ عُمَرُ[FONT="].[/FONT]صحيح البخاري[FONT="].[/FONT][FONT="]
"[/FONT]قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: والذي نَفْسِي بيَدِهِ، ما لَقِيَكَ الشَّيْطانُ قَطُّ سالِكًا فَجًّا إلَّا سَلَكَ فَجًّا غيرَ فَجِّكَ[FONT="]."[/FONT] صحيح البخاري.[FONT="]
[/FONT]أي أنَّ الشَّيطانَ كان يَهرُبُ مِنَ الطَّريقِ الَّذي يسلُكُه عُمرُ بنُ الخطابِ رضِي اللهُ عنه؛ خوفًا منه، أو يكونُ المعنى: أنَّ عُمرَ رضِي اللهُ عنه فَارقَ سَبيلَ الشَّيطانِ وسَلكَ طريقَ السَّدادِ، فخالَفَ كلَّ ما يُحبُّه الشَّيطانُ[FONT="].
[/FONT][FONT="]"[/FONT]إنَّه قدْ كانَ فِيما مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، وإنَّه إنْ كانَ في أُمَّتي هذِه منهمْ فإنَّه عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ[FONT="]."[/FONT]صحيح البخاري[FONT="].[/FONT][FONT="]
[/FONT]الْمُحَدَّثِين، يَعني[FONT="]: [/FONT]منَ المُلهَمين الَّذين يَجري الصَّوابُ على أَلسنَتِهم أو يَخطُرُ ببالِهم الشَّيءُ فيَكونُ بفَضْلٍ منَ اللهِ تعالى وتَوفيقٍ، وقد وافَقَ عُمرُ رضِي اللهُ عنه الوَحيَ في حَوادثَ كَثيرةٍ، وفي هذا الحديثِ أخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ المحدِّثينَ المُلْهَمين مَوجودونَ في الأُمَمِ السَّابقةِ، ولو كان في هذه الأُمَّةِ أحدٌ منهم، فإنَّه عُمرُ بنُ الخطَّابِ[FONT="].
[/FONT]وهؤلاءِ الْمُحَدَّثون- كما أخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يُكلَّمون مِن غيرِ أن يَكونوا أنبياءَ، يعني: يُلهَمون إلى الرُّشدِ والصَّوابِ من غيرِ أن يُرسِلَ اللهُ إليهم وحيًا كالأنبياءِ[FONT="].[/FONT]الدرر. قال البخاري :الملهمون يجري الصواب على ألسنتهم. قال الامام الآجري :وَمَعْنَاهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُلْقِي فِي قَلْبِهِ الْحَقَّ , وَيَنْطِقُ بِهِ لِسَانُهُ.[FONT="]
[/FONT]قال طاوس[FONT="]: [/FONT]أجدبَ الناسُ على عهدِ عمر فما أكل سمينًا حتى أكل الناس، أي[FONT="]: [/FONT]ما أكل لحمًا حتى أكل الناس، ويرى نفسه أحد الرعية يخشى أن يتقدم عليها حتى في الطعام[FONT="].[/FONT]كتاب [FONT="]فضائل الصحابة محمد حسن عبدالغفار[/FONT][FONT="] - [/FONT]زهد وورع عمر بن الخطاب - المكتبة الشاملة الحديثة[FONT="].
[/FONT][FONT="]*[/FONT]يروي أسلم مولى عمر فيقول [FONT="]"[/FONT]أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا لِمَنْ حَوْلَهُ[FONT="]: [/FONT]تَمَنَّوْا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ[FONT="]: [/FONT]أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ مَمْلُوءَةٌ ذَهَبًا فَأَنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ[FONT="].[/FONT]ثُمَّ قَالَ: تَمَنَّوْا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهَا مَمْلُوءَةٌ لَؤْلُؤًا أَوْ زَبَرْجَدًا أَوْ جَوَهِرًا، فَأَنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَتَصَدَّقُ[FONT="]. [/FONT]ثُمَّ قَالَ عُمَرُ[FONT="]:[/FONT]تَمَنَّوْا، فَقَالُوا: مَا نَدْرِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ عُمَرُ"أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهَا مَمْلُوءَةٌ رِجَالًا مِثْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ"[FONT="].[/FONT]خبر حسن أخرجه البخاري[FONT="] :[/FONT][FONT="]1/54[/FONT][FONT="].[/FONT]في التارخ الصغير.صحيح التوثيق /سيرة الفاروق/ص.[FONT="]220[/FONT][FONT="].
[/FONT]فعمر رضي الله عنه يعرف قدر الصحب الكرام،وينزل كل واحد منهم منزلته اللائقة به.وهذه من صفات القائد الراعي الناجح[FONT="].[/FONT]تمنّى رجالا من الطراز الراقي.. ليفتح بهم البلاد، ويرفع بهم كلمة الله تعالى في الآفاق[FONT="]..[/FONT][/FONT] هكذا هي رؤية المصلحين، وهكذا هي آمال بُناة الأمم والشعوب؛ فلقد فقِه عمر الفاروق أن الحضارات لا تُبنَى فقط بالمؤسسات والشرِكات دون بناء وإعداد الرجال العظماء[FONT="]..[FONT="]
[/FONT][FONT="]*[/FONT]يروي أسلم مولى عمر بن الخطاب[FONT="] :[/FONT]خَرَجْتُ مع عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنْه إلى السُّوقِ، فَلَحِقَتْ عُمَرَ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ، فَقالَتْ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، هَلَكَ زَوْجِي وتَرَكَ صِبْيَةً صِغَارًا، واللَّهِ ما يُنْضِجُونَ كُرَاعًا، ولَا لهمْ زَرْعٌ ولَا ضَرْعٌ، وخَشِيتُ أنْ تَأْكُلَهُمُ الضَّبُعُ، وأَنَا بنْتُ خُفَافِ بنِ إيْمَاءَ الغِفَارِيِّ، وقدْ شَهِدَ أبِي الحُدَيْبِيَةَ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ[FONT="]. [/FONT]فَوَقَفَ معهَا عُمَرُ ولَمْ يَمْضِ، ثُمَّ قالَ[FONT="]: [/FONT]مَرْحَبًا بنَسَبٍ قَرِيبٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى بَعِيرٍ ظَهِيرٍ كانَ مَرْبُوطًا في الدَّارِ، فَحَمَلَ عليه غِرَارَتَيْنِ مَلَأَهُما طَعَامًا، وحَمَلَ بيْنَهُما نَفَقَةً وثِيَابًا، ثُمَّ نَاوَلَهَا بخِطَامِهِ، ثُمَّ قالَ[FONT="]: [/FONT]اقْتَادِيهِ، فَلَنْ يَفْنَى حتَّى يَأْتِيَكُمُ اللَّهُ بخَيْرٍ، فَقالَ رَجُلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أكْثَرْتَ لَهَا؟ قالَ عُمَرُ[FONT="]: [/FONT]ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، واللَّهِ إنِّي لَأَرَى أبَا هذِه وأَخَاهَا، قدْ حَاصَرَا حِصْنًا زَمَانًا فَافْتَتَحَاهُ، ثُمَّ أصْبَحْنَا نَسْتَفِيءُ سُهْمَانَهُما فِيهِ[FONT="].[/FONT]صحيح البخاري [FONT="].[/FONT][FONT="]
[/FONT]إكرامُ أَصحابِ الفَضلِ والجَميلِ مِن مَحاسِن الأخلاقِ، خُصوصًا لو كان فضلُ أولئك على عُمومِ المسلِمين، ويكونُ إكرامُهم بِبِرِّهم في حياتِهم وبِرِّ ذُرِّيَّتِهم وأَحِبَّائِهم بعدَ موتِهم، وهكذا فَعَل عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضِي اللهُ عنه في هذا الحديثِ؛ فإنَّه أكرَم ابنةَ خُفَافِ بنِ إِيمَاءَ الغِفَارِيِّ رضِي اللهُ عنه[FONT="].[/FONT][FONT="]
[/FONT]ما يُنْضِجُونَ كُرَاعًا، والكُرَاعُ: مُستدقُّ السَّاقِ أو ما دُونَ الرُّكْبَةِ مِنَ السَّاقِ مِن الرِّجِل[FONT="].
"[/FONT]ولَا لهمْ زَرْعٌ ولَا ضَرْعٌ[FONT="]"[/FONT]وليس لهم زَرْعٌ يَأكُلون منه، أو ضَرْعٌ، تَقصِد: مَاشِيَة يَحلُبونها فيَشْرَبون مِن لَبَنِهَا، وأنَّها تخافُ عليهم أنْ تَأكُلَهم الضَّبُعُ، والضَّبعُ هنا المرادُ بها: السَّنَةُ الشَّديدةُ المُجدِبة[FONT="].[/FONT][FONT="]
[/FONT]غِرَارَتَيْنِ، أي[FONT="]: [/FONT]وِعَاءَيْنِ كبيرَيْن[FONT="].
[/FONT]ثُمَّ بيَّن لِلرَّجُلِ سَببَ إكرامِه لها وإكثارِه، وهو أنَّه رَأَى أباها وأخاها قدْ حَاصَرا حِصْنًا مِن الحُصُونِ ففَتَحاه، قال عُمَرُ"ثُمَّ أصبَحْنا نَسْتَفِيءُ سُهْمَانَهُما فِيه"،أي: نطلُبُ الغَنيمةَ مِن سُهمانِهما، ونَأخُذها لأنفُسِنا ونَقْتسمُ بها[FONT="].[/FONT]أي هما فتحاه ونحن الآن ننتفع بثمرة جهدهما.[FONT="]
[/FONT]وفيه: إغناءُ السَّائِلِ في دَفعةٍ واحدةٍ..[FONT="]
[/FONT]وشهد النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة لعمر وعثمان رضي الله عنهما وأرضاهم[FONT="].[/FONT][FONT="]
"[/FONT]أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَعِدَ أُحُدًا، وأَبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمَانُ فَرَجَفَ بهِمْ، فَقَالَ[FONT="]: [/FONT]اثْبُتْ أُحُدُ فإنَّما عَلَيْكَ نَبِيٌّ، وصِدِّيقٌ، وشَهِيدَانِ[FONT="]."[/FONT]الراوي[FONT="] : [/FONT]أنس بن مالك[FONT="]– [/FONT]صحيح البخاري.[/FONT] [FONT="]*عثمان بن عفان ذو النورين[FONT="] :
"[/FONT]وعثمانُ[FONT="]" [/FONT]وهو عُثمَانُ بْنُ عفَّانَ الأُمَوِيُّ القُرَشِيُّ ثالثُ الخلفاءِ الرَّاشدين، ومِن السَّابِقين إلى الإسلامِ، أسلم على يد أبى بكر الصديق ، يُكْنى ذا النُّورَين؛ لأنَّه تزَوَّج مِن رُقيَّةَ بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ثمَّ بعدَ وَفاتِها تزوَّجِ مِن أمِّ كُلثومٍ بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أوَّلَ مُهاجِرٍ إلى أرضِ الحبَشةِ، ثمَّ هاجَر الهِجرةَ الثَّانيةَ إلى المدينةِ[FONT="].
[/FONT]وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَثِقُ به ويُحِبُّه ويُكْرِمُه لحيائِه وأخلاقِه وحُسْنِ عِشْرتِه وما كان يَبذُلُه مِن المالِ لِنُصرةِ المسلِمين والَّذين آمَنوا باللهِ،فقد كان ثَريا كثير النفقات فقد جهز وَحْدَهُ نصف جيش العُسرة، واشترى بئر رومة التي في المدينة بماله وجعلها لابن السبيل[FONT="].[/FONT][/FONT]
قيل لعمرَ بنِ الخطَّابِ حدِّثنا عن شأنِ العُسرةِ قال : خرجنا إلى تبوكَ في قيظٍ شديدٍ ، فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطشٌ حتَّى ظنَّنا أنَّ رقابَنا ستنقطعُ ، حتَّى إنَّ الرَّجلَ لينحرُ بعيرَه فيعصِرُ فَرْثَه فيشربُه ويجعلُ ما بقي على كبدِه ، فقال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ : يا رسولَ اللهِ ، قد عوَّدك اللهُ في الدُّعاءِ خيرًا فادْعُ[FONT="]. قال : أتحبُّ ذلك ؟ قال : نعم . قال فرفع يدَيْه صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم فلم يُرجِعْها حتَّى أظلَّت سحابةٌ ، ثمَّ سكبت فملئوا ما معهم ، ثمَّ ذهبنا ننظرُ فلم نجِدْها جاوزت العسكرَ"الراوي[FONT="] : [/FONT]عمر بن الخطاب[FONT="]- [/FONT]المحدث[FONT="] : [/FONT]الوادعي -المصدر[FONT="]: [/FONT]صحيح دلائل النبوة -الصفحة أو الرقم[FONT="]- 251 [/FONT]خلاصة حكم المحدث[FONT="] : [/FONT]صحيح[/FONT]
[FONT="]- أنَّ عثمانَ، أشرَفَ علَيهِم حينَ حصَروهُ ، فقالَ : أنشدُ باللَّهِ رجلًا سمعَ مِن رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يقولُ يومَ الجبلِ حينَ اهتزَّ فرَكَلَهُ برجلِهِ ، وقالَ : اسكُن فإنَّهُ ليسَ عليكَ إلَّا نبيٌّ أو صدِّيقٌ أو شَهيدان وأَنا معَهُ ، فانتشدَ لَهُ رجالٌ، ثمَّ قالَ : أنشدُ باللَّهِ رجلًا شَهِدَ رسولَ اللَّهِ يومَ بيعةِ الرِّضوانِ يقولُ: هذِهِ يدُ اللَّهِ وَهَذِهِ يدُ عثمانَ فانتشدَ لَهُ رجالٌ، ثمَّ قالَ: أنشُدُ باللَّهِ رجلًا سمعَ رسولَ اللَّهِ يومَ جيشِ العسرةِ، يقولُ: مَن ينفقُ نفقةً مُتقبَّلةً؟ فجَهَّزتُ نصفَ الجيشِ من مالي، فانتشدَ لَهُ رجالٌ، ثمَّ قالَ: أنشدُ باللَّهِ رجلًا سمعَ رسولَ اللَّهِ يقولُ: مَن يزيدُ في هذا المسجدِ ببيتٍ في الجنَّةِ؟ فاشتريتُهُ من مالي، فانتشدَ لَهُ رجالٌ، ثمَّ قالَ: أنشدُ باللَّهِ رجلًا شَهِدَ رومةَ تباعُ فاشتريتُها من مالي فأبحتُها لابنِ السَّبيلِ، فانتشدَ لَهُ رجالٌ"الراوي : أبو سلمة بن عبدالرحمن بن عوف - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح النسائي-الصفحة أو الرقم: 3611 -خلاصة حكم المحدث : صحيح لغيره.[/FONT] "جاءَ عثمانُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ بألفِ دينارٍ قالَ الحسَنُ بنُ واقعٍ : وفي موضعٍ آخرَ من كتابي ، في كمِّهِ حينَ جَهَّزَ جيشَ العُسرةِ فينثرَها في حجرِهِ . قالَ عبدُ الرَّحمنِ : فرأيتُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يقلِّبُها في حجرِهِ ويقولُ : ما ضرَّ عثمانَ ما عَمِلَ بعدَ اليومِ مرَّتينِ"الراوي : عبد الرحمن بن سمرة -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الترمذي-الصفحة أو الرقم: 3701 - خلاصة حكم المحدث : حسن. قال الحسَنُ بنُ واقعٍ"، وهو مِن كِبارِ الآخِذين عن أتباعِ التَّابِعين[FONT="]"وفي موضِعٍ آخَرَ مِن كِتابي"، أي: في رِوايةٍ أخرى للحديثِ دوَّنتُها في موضعٍ آخرَ مِن كتابي الَّذي أُدوِّنُ فيه الأحاديثَ، "في كُمِّه"، أي: جاء عثمانُ بنُ عفَّانَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بألفِ دِينارٍ قد وضَعها في كُمِّه، "حين جهَّز جيشَ العُسرةِ"، أي: حين جهَّز عثمانُ نصف جيشَ العُسرةِ، وهي غزوةُ تَبوكٍ، وسُمِّي جيشُها جَيشَ العسرةِ لتَعسُّرِ حالِ الجيشِ مادِّيًّا، فلم يَكُنْ ثَمَّةَ مالٌ لِتَجهيزِ الجيشِ. [FONT="]
[/FONT]وفي خِلافتِه جُمِع القرآنُ، وعَمِل توسِعةً للمسجِدِ الحرامِ وكذلك المسجدُ النَّبويُّ، وأنشَأ أوَّل أُسطولٍ بَحْريٍّ إسلاميٍّ لحِمايةِ الشَّواطئِ الإسلاميَّةِ[FONT="].[/FONT][FONT="]
"[/FONT]كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مُضْطَجِعًا في بَيْتِي، كَاشِفًا عن فَخِذَيْهِ، أَوْ سَاقَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فأذِنَ له، وَهو علَى تِلكَ الحَالِ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، فأذِنَ له، وَهو كَذلكَ، فَتَحَدَّثَ،ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ، فَجَلَسَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَسَوَّى ثِيَابَهُ، قالَ مُحَمَّدٌ: وَلَا أَقُولُ ذلكَ في يَومٍ وَاحِدٍ، فَدَخَلَ فَتَحَدَّثَ، فَلَمَّا خَرَجَ قالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ له وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ له وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ فَقالَ[FONT="]:[/FONT]أَلَا أَسْتَحِي مِن رَجُلٍ تَسْتَحِي منه المَلَائِكَةُ[FONT="].[/FONT][FONT="]"[/FONT]صحيح مسلم[FONT="].[/FONT][FONT="]الدرر[/FONT][FONT="].
[/FONT]".....قالَ: فَتَشَهَّدَ عُثْمانُ، فقالَ[FONT="]: [/FONT]إنَّ اللَّهَ قدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالحَقِّ، وأَنْزَلَ عليه الكِتابَ، وكُنْتُ مِمَّنِ اسْتَجابَ لِلَّهِ ورَسولِهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وآمَنْتُ بما بُعِثَ به مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهاجَرْتُ الهِجْرَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، كما قُلْتَ: وصَحِبْتُ رَسولَ اللَّهِ وبايَعْتُهُ، واللَّهِ ما عَصَيْتُهُ ولا غَشَشْتُهُ حتَّى تَوَفّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَخْلَفَ اللَّهُ أبا بَكْرٍ، فَواللَّهِ ما عَصَيْتُهُ ولا غَشَشْتُهُ، ثُمَّ اسْتُخْلِفَ عُمَرُ، فَواللَّهِ ما عَصَيْتُهُ ولا غَشَشْتُهُ، ثُمَّ اسْتُخْلِفْتُ،[FONT="]"[/FONT]الحديث[FONT="].[/FONT]صحيح البخاري[FONT="] .
[/FONT][FONT="]"[/FONT]جاءَ عثمانُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ بألفِ دينارٍ قالَ الحسَنُ بنُ واقعٍ[FONT="]: [/FONT]وفي موضعٍ آخرَ من كتابي ، في كمِّهِ حينَ جَهَّزَ جيشَ العُسرةِ فينثرَها في حجرِهِ . قالَ عبدُ الرَّحمنِ : فرأيتُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يقلِّبُها في حجرِهِ ويقولُ[FONT="] : [/FONT]ما ضرَّ عثمانَ ما عَمِلَ بعدَ اليومِ مرَّتينِ[FONT="]"[/FONT]الراوي[FONT="] : [/FONT]عبدالرحمن بن سمرة [FONT="]- [/FONT]المحدث[FONT="] : [/FONT]الألباني [FONT="]- [/FONT]المصدر[FONT="] :[/FONT]صحيح الترمذي [FONT="]-[/FONT]الدرر[FONT="].[/FONT][/FONT]
[FONT="]- أنَّ عثمانَ، أشرَفَ علَيهِم حينَ حصَروهُ ، فقالَ : أنشدُ باللَّهِ رجلًا سمعَ مِن رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يقولُ يومَ الجبلِ حينَ اهتزَّ فرَكَلَهُ برجلِهِ ، وقالَ : اسكُن فإنَّهُ ليسَ عليكَ إلَّا نبيٌّ أو صدِّيقٌ أو شَهيدان وأَنا معَهُ ، فانتشدَ لَهُ رجالٌ، ثمَّ قالَ : أنشدُ باللَّهِ رجلًا شَهِدَ رسولَ اللَّهِ يومَ بيعةِ الرِّضوانِ يقولُ: هذِهِ يدُ اللَّهِ وَهَذِهِ يدُ عثمانَ فانتشدَ لَهُ رجالٌ، ثمَّ قالَ: أنشُدُ باللَّهِ رجلًا سمعَ رسولَ اللَّهِ يومَ جيشِ العسرةِ، يقولُ: مَن ينفقُ نفقةً مُتقبَّلةً؟ فجَهَّزتُ نصفَ الجيشِ من مالي، فانتشدَ لَهُ رجالٌ، ثمَّ قالَ: أنشدُ باللَّهِ رجلًا سمعَ رسولَ اللَّهِ يقولُ: مَن يزيدُ في هذا المسجدِ ببيتٍ في الجنَّةِ؟ فاشتريتُهُ من مالي، فانتشدَ لَهُ رجالٌ، ثمَّ قالَ: أنشدُ باللَّهِ رجلًا شَهِدَ رومةَ تباعُ فاشتريتُها من مالي فأبحتُها لابنِ السَّبيلِ، فانتشدَ لَهُ رجالٌ"الراوي : أبو سلمة بن عبدالرحمن بن عوف - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح النسائي-الصفحة أو الرقم: 3611 -خلاصة حكم المحدث : صحيح لغيره.[FONT="]
[/FONT]وخرج عليه في آخر حياته بعض أهل مصر والبصرة والكوفة والمدينة، فحاصروه، وأبى أن يقاتلهم ـ مع قدرته على ذلك ـ حقنا لدماء المسلمين، عندما حاصره الأوباش الظلمة في داره : عرض عليه الصحابة رضي الله عنهم أن يدفعوا عنه ، وأن يقاتلوا دونه : فأبى رضي الله عنه ، وأمرهم بالانصراف عنه ، طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما عهد إليه ، وحتى لا يتسبب في قتل غيره ، وهو يعلم أنه المراد لا غيره . حتى تسور عليه بعضهم البيتفقتلوه وهو يقرأ القرآن، وكان مقتله رضي الله عنه وأرضاه فاجعة عظيمة روعت المؤمنين، وفتحت عليهم أبواب الفتنة زمنا طويلًا، وكان ذلك سنة خمس وثلاثين للهجرة، وعمره آنئذ بضعا وثمانين، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته[FONT="]. هنا-[/FONT][/FONT][/FONT]
الشرح الستة أصحاب الشورى هم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف. قصة الشورى هي واحدة من القصص التي جسّدت وحدة المسلمين، وحرصهم على المصلحة العامة للأمة الإسلامية، ومفاد هذه القصة أنه لما طُعِنَ الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة، جعل الخلافة في ستة نفر وقال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فسمى عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء، فاتفقوا جميعًا على مبايعة عثمان بن عفان. *عليٌّ رضي الله عنه :وهو ابنُ أبي طالبِ بنِ عبدِ المطَّلِبِ الهاشميُّ القُرشيُّ، ابنُ عمِّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم وصِهْرُه،فهو زوج فاطمة سيدة نساء العالمين ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو السبطين الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة. وعلي هو أوَّلُ مَن أسلَم مِن الصِّبيانِ أسلم بعد خديجة وأبي بكر ، هاجَر إلى المدينةَ بعدَ هجرةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بثلاثةِ أيَّامٍ، وآخاه النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم مع نفْسِه، وزوَّجه ابنتَه فاطمةَ في السَّنَةِ الثَّانيةِ مِن الهجرةِ، وقد شارَك في كلِّ غزَواتِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عدا غَزْوةَ تَبوكٍ وكان أحَدَ كُتَّابِ الوحيِ وأحَدَ أهَمِّ سُفَرائِه ووُزرائِه. “وقالَ صلى الله عليه وسلم لِعَلِيٍّ: أنْتَ مِنِّي وأنا مِنْكَ“صحيح البخاري. أَنْتَ مِنِّي، أي: في النَّسَبِ والمَحَبَّةِ والأسبَقيَّةِ إلى الإسلامِ، إلى غَيْرِ ذلك مِن الفَضائِلِ. "جَاءَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا في البَيْتِ، فَقالَ:أيْنَ ابنُ عَمِّكِ؟ قالَتْ: كانَ بَيْنِي وبيْنَهُ شيءٌ، فَغَاضَبَنِي، فَخَرَجَ، فَلَمْ يَقِلْ عِندِي ،فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِإِنْسَانٍ:انْظُرْ أيْنَ هُوَ؟ فَجَاءَ فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، هو في المَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو مُضْطَجِعٌ، قدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عن شِقِّهِ، وأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَمْسَحُهُ عنْه، ويقولُ: قُمْ أبَا تُرَابٍ، قُمْ أبَا تُرَابٍ".الراوي : سهل بن سعد الساعدي - صحيحالبخاري . وفي الحديث: فَضِيلَةُ عَليٍّ رَضِي الله عنه، وعلوُّ مَنْزِلَته عِنْد النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّه مشَى إليه ودخَلَ المسجدَ ومسَحَ التُّرابَ عن ظَهرِه واسترضاه تلطُّفًا به؛ لأنَّه كان وقَع بينَ عليٍّ وفاطمةَ شيءٌ.الدرر السنية. نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج مهاجرا، وتغطى ببردته ليعمي على المشركين المرابضين أمام بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يؤدي ما كان عنده من الأمانات إلى أهلها. ثم هاجر متخفيا ماشيًا فتورمت قدماه من كثرة المشي حتى قدم المدينة، وشهد بدرا وأبلى فيها بلاء حسنًا، وشهد أحدا وأصيب فيها بست عشرة إصابة، وكان حامل اللواء بعد استشهاد مصعب بن عُمَير، وشهد المشاهد كلها إلا يوم تبوك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رده إلى المدينة واستخلفه على أهله وقال له "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي". وفي يوم خيبر، أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الراية في أول يوم لأبي بكر، فلم يفتح له، فأعطاها لعمر في اليوم الثاني فلم يفتح له، فقال "لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه"، فأعطاها عليا، وفتح الله على يديه.هنا- وهو رابعُ الخلفاءِ الرَّاشِدين. مقتل علي ابن أبي طالب : وقدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّارِيخِ وَالسِّيَرِ وَأَيَّامِ النَّاسِ ، أَنَّ ثَلَاثَةً مِنِ الْخَوَارِجِ ; وَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الْمَعْرُوفُ بِابْنِ مُلْجَمٍ الْحِمْيَرِيُّ ، وَالْبُرَكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ ، اجْتَمَعُوا فَتَذَاكَرُوا قَتْلَ عَلِيٍّ إِخْوَانَهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ ، فَتَرَحَّمُوا عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: مَاذَا نَصْنَعُ بِالْبَقَاءِ بَعْدَهُمْ ؟! كَانُوا مِنْ خَيْرِ النَّاسِ ، وَأَكْثَرَهُمْ صَلَاةً ، وَكَانُوا دُعَاةَ النَّاسِ إِلَى رَبِّهِمْ ، لَا يَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ، فَلَوْ شَرَيْنَا أَنْفُسَنَا فَأَتَيْنَا أَئِمَّةَ الضَّلَالَةِ فَقَتَلْنَاهُمْ ، فَأَرَحْنَا مِنْهُمُ الْبِلَادَ ، وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ثَأْرَ إِخْوَانِنَا. فَقَالَ ابْنُ مُلْجَمٍ : أَنَا أَكْفِيكُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَقَالَ الْبُرَكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَا أَكْفِيكُمْ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ: أَنَا أَكْفِيكُمْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ . فَتَعَاهَدُوا وَتَوَاثَقُوا أَنْ لَا يَنْكِصَ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَنْ صَاحِبِهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ أَوْ يَمُوتَ دُونَهُ ، فَأَخَذُوا أَسْيَافَهُمْ فَسَمُّوهَا، وَاتَّعَدُوا لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ ، أَنْ يُبَيِّتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ فِي بَلَدِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ . فَأَمَّا ابْنُ مُلْجَمٍ فَسَارَ إِلَى الْكُوفَةِ فَدَخَلَهَا ، وَكَتَمَ أَمْرَهُ حَتَّى عَنْ أَصْحَابِهِ مِنَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ هُمْ بِهَا، ثمّ ضمّ إليه رجُل مِنْ تَيْمِ الرِّبَابِ يُقَالُ لَهُ: وَرْدَانُ. لِيَكُونَ مَعَهُ رِدْءًا، وَاسْتَمَالَ رَجُلًا آخَرَ يُقَالُ لَهُ: شَبِيبُ بْنُ بَجَرَةَ الْأَشْجَعِيُّ الْحَرُورِيُّ. فَجَاءَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ وَهُمْ مُشْتَمِلُونَ عَلَى سُيُوفِهِمْ، فَجَلَسُوا مُقَابِلَ السُّدَّةِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا عَلِيّ ٌ، فَلَمَّا خَرَجَ جَعَلَ يُنْهِضُ النَّاسَ مِنَ النَّوْمِ إِلَى الصَّلَاةِ ، وَيَقُولُ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ ، فَثَارَ إِلَيْهِ شَبِيبٌ بِالسَّيْفِ ، فَضَرَبَهُ فَوَقَعَ فِي الطَّاقِ ، فَضَرَبَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ بِالسَّيْفِ عَلَى قَرْنِهِ ، فَسَالَ دَمُهُ عَلَى لِحْيَتِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَلَمَّا ضَرَبَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ قَالَ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ ، لَيْسَ لَكَ يَا عَلِيُّ وَلَا لِأَصْحَابِكَ ، وَجَعَلَ يَتْلُو قَوْلُهُ تَعَالَى "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ" وَنَادَى عَلِيٌّ: عَلَيْكُمْ بِهِ. وَهَرَبَ وَرْدَانُ، فَأَدْرَكَهُ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ فَقَتَلَهُ ، وَذَهَبَ شَبِيبٌ فَنَجَا بِنَفْسِهِ وَفَاتَ النَّاس َ، وَمُسِكَ ابْنُ مُلْجَمٍ ، وَقَدَّمَ عَلِيٌّ جَعْدَةَ بْنَ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، وَحُمِلَ عَلِيٌّ إِلَى مَنْزِلِهِ ، وَحُمِلَ إِلَيْهِ ابْنُ مُلْجَمٍ، فَأُوقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ مَكْتُوفٌ ، قَبَّحَهُ اللَّه ُ، فَقَالَ لَهُ: أَيْ عَدُوَّ اللَّه ِ، أَلَمْ أُحْسِنْ إِلَيْكَ؟ قَالَ: بَلَى ، قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: شَحَذْتُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَقْتُلَ بِهِ شَرّ خَلْقِهِ ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ: لَا أُرَاكَ إِلَّا مَقْتُولًا بِهِ، وَلَا أُرَاكَ إِلَّا مِنْ شَرِّ خَلْقِهِ ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ مِتُّ فَاقْتُلُوهُ ، وَإِنْ عِشْتُ فَأَنَا أَعْلَمُ كَيْفَ أَصْنَعُ بِهِ. وَلَمَّا احْتُضِرَ عَلِيٌّ جَعْلَ يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَا يَنْطِقُ بِغَيْرِهَا - وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ"فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ" وَقَدْ أَوْصَى وَلَدَيْهِ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ، وَغَفْرِ الذَّنْب ، وَكَظْمِ الْغَيْظِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَالْحِلْمِ عَنِ الْجَاهِلِ ، وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ ، وَالتَّثَبُّتِ فِي الْأَمْرِ، وَالتَّعَاهُدِ لِلْقُرْآن ِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ،وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَاجْتِنَابِ الْفَوَاحِشِ ، وَوَصَّاهُمَا بِأَخِيهِمَا مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَوَصَّاهُ بِمَا وَصَّاهُمَا بِهِ ، وَأَنْ يُعَظِّمَهُمَا وَلَا يَقْطَعَ أَمْرًا دُونَهُمَا، وَكَتَبَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي كِتَابِ وَصِيَّتِهِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. " البداية والنهاية " 11/ 5-16. قال : ثم نظر إلى محمد بن الحنفية فقال : هلحفظت ما أوصيت به أخويك ؟ قال : نعم قال : إني أوصيك بمثله ، وأوصيك بتوقير أخويك لعظم حقهما عليك ، وتزيين أمرهما ، ولا تقطع أمرا دونهما. ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض في شهر رمضان في سنة أربعين . كانت مُدَّةُ خِلافةِ عَلِيٍّ خمسَ سنين، فجَزاهُ الله عن المسلمين خيرًا، ورضِي عنه وأَرضاهُ، وهو أحدُ العشرةِ المُبَشَّرين بالجنَّةِ.وغسله الحسن ، والحسين ، وعبد الله بن جعفر ، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ، وكبر عليه الحسن تسع تكبيرات ، وولي الحسن عمله ستة أشهر .. وأما والبَرْكُ -الْبُرَكُ- بن عبد الله فقعد لمعاوية ، فخرج لصلاة الغداة ، فشد عليه بسيفه ، وأدبر معاوية هاربا ، فوقع السيف في إليته ..... فأمر به معاوية فقُتِلَ ، فبعث إلى الساعدي - وكان طبيبا - فنظر إليه ، فقال : إن ضَرْبَتَكَ مسمومةٌ فاخترْ مني إحدى خصلتين ؛ إما أن أحمي حديدة فأضعها في موضع السيف ، وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد وتبرأ منها. فقال له معاوية : أما النار : فلا صبر لي عليها ، وأما انقطاع الولد : فإن في يزيد وعبد الله وولدِهما ما تقر به عيني . فسقاه تلك الليلة الشربة فبرأ ، فلم يولد له بعد . فأمر معاوية بعد ذلك بالمقصورات وقيام الشُرط على رأسه – للحراسة- . وأما عًمْرو بن بكر فقعد لعَمرِو بن العاص في تلك الليلة التي ضرب فيها معاوية ، فلم يخرج عَمْرٌو واشتكى فيها بطنَهُ ، فأمر عَمْرٌو خارجة بن حبيب - وكان صاحب شرطته - وكان من بني عامر بن لؤي فخرج يصلي بالناس ، فشد عليه - عًمْرو بن بكر - وهو يرى أنه عمرو بن العاص ، فضربه بالسيف فقتله - فأُخِذَ - ، وأُدْخِلَ على عَمْرٍو ، فلما رآهم يُسَلِّمُونَ عليه بالإمرة- أي يقولون له يا أمير المؤمنين- فقال : من هذا ؟ قالوا : عَمْرو بن العاص قال : من قَتَلْتُ ؟ قالوا : خارجة قال : أما والله يا فاسق ما ضمدتغيرك . قال عَمرو : أردتني والله أراد خارجة ، وقدمه وقتله.مجمع الزاوئد ومنبع الفوائد-كتاب المناقب-باب مناقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه-باب وفاته رضي الله عنه.
الشرح *الزُّبيرُ: وهو الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ القُرشِيُّ الأسديُّ، ابنُ عمَّةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صَفِيَّةَ بنت عبد المُطَّلِبِ وَأَحَدُ العَشرَةِ المَشْهُوْدِ لَهُم بِالجَنَّةِ، وَأَحَدُ السِّتَّةِ أَهْلِ الشُّوْرَى، وَأَوَّلُ مَنْ سَلَّ سَيْفَهُ فِي سَبِيْلِ اللهِ، ومِن السَّابِقين إلى الإسلامِ، يُلقَّبُ بِحَواريِّ رسولِ اللهِ.قالَ عروةُ بنُ الزبير:أمه : صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أسلمت وحسن إسلامها . زوجته : أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها ، وله زوجات غيرها .:أسلمَ الزبيرُ بنُ العوامِ وهو ابن ثمان سنين .أسلم مع أوائل من أسلم من الصحابة ، فكان رابعًا أو خامسًا بعد أبي بكر الصديق رضي الله عن الصحابة أجمعين .هاجر وهو ابن ثمان عشرة سنةوكان عم الزبير يعلق الزبير في حصير ويدخن عليه بالنار ويقول: ارجع إلى الكفر فيقول الزبير: لا أكفر أبدًا. حكمته:
"أثر أنَّ الزُّبَيرَ خَصَّ المَردُودَةَ مِن بَناتِهِ"الراوي : هشام بن عروة -المحدث :الألباني -المصدر : إرواء الغليل -الصفحة أو الرقم: 1636 خلاصة حكم المحدث :صحيح .
الأبُ الحَكيمُ هو الذي يعرِفُ حُقوقَ أولادِه عليه، ويُحسِنُ تربيتَهم، ويُعوِّدُهم على التحابُبِ وتقديرِ بعضِهم لبعضٍ، حتى إذا اضطُرَّ لتفضيلِ بعضِهم ببعضِ العطاءِ لنازلةٍ أو مصيبةٍ، يَتفهَّمُ باقي أبنائِه موقفَه. وفي هذا الأثرِ يَروي هِشامُ بنُ عُروةَ بنِ الزُّبيرِ بنِ العوَّامِ أنَّ جدَّه الزُّبيرَ بنَ العوَّامِ رَضِي اللهُ عنه "خَصَّ المَرْدودةَ"- أي من ردها زوجها يعني: طلقها وهي محتاجة فإنها تأخذ من صدقته . وهذا وصف وليس اسمًا لبنت بعينها -المُطلَّقةَ "مِن بناتِه" ببعضِ العَطاءِ، وأَوقَفَ عليها بعضَ الدُّورِ؛ حتى تَستغنيَ، وهذا التخصيصُ منه كان للمُطلَّقةِ؛ لأنَّها ذاتُ حاجةٍ، وكان دونَ المُستغنيةِ منهنَّ ومَن هي في عِصمةِ زوجِها، وتوضيحُ ذلك في روايةِ البيهقيِّ: "أنَّ الزُّبيرَ وقَفَ على ولدِه، وجعَلَ للمَرْدودةِ مِن بناتِه أنْ تسكُنَ غيرَ مُضِرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، فإنِ استَغنتْ بزوجٍ، فلا حقَّ لها فيه"؛ فنَظَرَ رَضِي اللهُ عنه للمصلحةِ والضرورةِ الطارئةِ، ولم يَظلِمْ بقيَّةَ أولادِه؛ لأنَّه شرَطَ أنَّ المطلَّقةَ إذا استَغنتْ وتزوَّجتْ فلا حقَّ لها في الوقفِ، ويُرَدُّ على جميعِ أبنائِه. وفي الأثر: حُسنُ مُراعاةِ المشاعِرِ، واختصاصُ بَعضِ مَن يحتاجُ بزِيادةِ فَضلٍ عمَّن لا يَحتاجُ.الدرر. "أسلم الزبير وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين معًا ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم.المستدرك للحاكم : 3/360، وانظر :طبقات ابن سعد:3/102.كانت غزوةُ الخَندقِ مِن أشَدِّ الغزَواتِ الَّتي مرَّتْ على المُسلِمين؛ فقد اجتمَعَتْ فيها قُرَيشٌ وغيرُها مِن قبائلِ الكفرِ على المُسلِمين، ونقَضَتْ فيها بنو قُرَيظةَ مِن يهودِ المدينةِ عهدَهم مع المُسلِمين، وتحالَفوا مع الأحزابِ مِن المُشرِكين، وهي الَّتي نزَل فيها قولُه تعالى"إِذْ جَاؤُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ"الأحزاب: 10، وفي ظلِّ هذا الموقفِ العصيبِ نادى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في المُسلِمين فقال: "مَن يأتيني بخبرِ القومِ؟": يقصِدُ بني قُرَيظةَ، فقال الزُّبَيرُ رضي الله عنه: أنا، ثمَّ فعَل ذلك مرَّةً أخرى، وعند تكرُّرِ استجابةِ الزُّبَيرِ رضي الله عنه قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم "إنَّ لكلِّ نبيٍّ حَوَارِيًّا، وحَوَارِيَّ الزُّبَيرُ".أي: خاصتي من أصحابي وناصري. قال صلى الله عليه وسلم"مَن يَأْتِينِي بخَبَرِ القَوْمِ يَومَ الأحْزَابِ؟ قَالَ الزُّبَيْرُ: أنَا، ثُمَّ قَالَ: مَن يَأْتِينِي بخَبَرِ القَوْمِ؟، قَالَ الزُّبَيْرُ: أنَا، فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ."الراوي : جابر بن عبدالله - المصدر : صحيح البخاري. معنى حواري فإن الحواريين هم صفوة الأنبياء الذين قد خلصوا لهم، ولهذا سمي أصحاب عيسى ابن مريم عليه السلام، حواريين لأنهم كانوا أنصاره من دون الناس، ثم قيل لناصر نبيه حواري إذا بالغ في نصرته تشبيهًا بأولئك. محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير
أَصابَ عُثْمانَ بنَ عَفَّانَ رُعافٌ شَدِيدٌ سَنَةَ الرُّعافِ، حتَّى حَبَسَهُ عَنِ الحَجِّ، وأَوْصَى، فَدَخَلَ عليه رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ قالَ: اسْتَخْلِفْ، قالَ: وقالُوهُ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ومَنْ؟ فَسَكَتَ، فَدَخَلَ عليه رَجُلٌ آخَرُ -أحْسِبُهُ الحارِثَ- فقالَ: اسْتَخْلِفْ، فقالَ عُثْمانُ: وقالُوا؟ فقالَ: نَعَمْ، قالَ: ومَن هُوَ؟ فَسَكَتَ، قالَ: فَلَعَلَّهُمْ قالُوا: الزُّبَيْرَ، قالَ: نَعَمْ، قالَ: أمَا والَّذي نَفْسِي بيَدِهِ، إنَّه لَخَيْرُهُمْ، ما عَلِمْتُ، وإنْ كانَلَأَحَبَّهُمْإلىرَسولِاللَّهِصَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ."الراوي: عثمان بن عفان المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 3717 - خلاصة حكم المحدث: صحيح.
في هذا الحَديثِ يَرْوي مَرْوانُ بنُ الحَكَمِ أنَّ الخَليفةَ عُثْمانَ بنَ عفَّانَ رَضيَ اللهُ عنه عندَما اشتَدَّ بِه الرُّعافُ في سَنةِ إحْدى وثَلاثينَ، والرُّعافُ: نَزفٌ شَديدٌ للدَّمِ منَ الأنْفِ، وهو نَوْعانِ: نَزفٌ خارِجيٌّ، ونَزفٌ داخِليٌّ، وقد يؤَدِّي إلى المَوتِ، وسُمِّيَت هذه السَّنةُ سَنةَ الرُّعافِ؛ لأنَّه صارَ للنَّاسِ فيها رُعافٌ كَثيرٌ. وظلَّ عُثْمانُ على هذه الحالةِ مِن المَرضِ حتَّى منَعَه الرُّعافُ عنِ الحَجِّ، وأوْصى الوَصيَّةَ الشَّرعيَّةَ في مالِه، وبما يَكونُ بعْدَ مَوتِه في الخِلافةِ؛ وذلك لأنَّه ظنَّ أنَّه مَرَضُ مَوتِه، فدَخَل عليه رَجلٌ مِن قُرَيشٍ، فنقَلَ له أنَّ النَّاسَ تَنصَحُه أنْ يَستَخلِفَ خَليفةً مِن بَعْدِه ويُسمِّيَه؛ لأهمِّيَّةِ هذا الأمْرِ في حَياةِ النَّاسِ، وعَظيمِ شأْنِه، فقال له عُثْمانُ رَضيَ اللهُ عنه: "وقالُوهُ؟!"أي: وقال النَّاسُ هذا! ثُمَّ دَخَل عليه الحارِثُ بنُ الحَكَمِ أخو مَرْوانَ بنِ الحَكَمِ، وصدَرَ منه مِثلُ ما صدَرَ مِن الرَّجلِ القُرَشيِّ، وكان دُخولُهما عليه بقَولٍ مِن النَّاسِ، وحَثٍّ منهم، فأرادَ عُثْمانُ رَضيَ اللهُ عنه أنْ يَعرِفَ رَأيَهم فيمَن يَستَخلِفُ مِن بَعدِه، فسَألَ الدَّاخِلَينِ عليه فسَكَتا، إلَّا أنَّ الحارِثَ بنَ الحَكَمِ أقَرَّ لعُثْمانَ بأنَّهم قالوا: الزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ، فأَثْنى عُثْمانُ على الزُّبَيرِ رَضيَ اللهُ عنهما بما علِمَ مِن خَيرِه وشَرفِه ومَقامِه في الإسْلامِ، ومِن مَكانَتِه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ بأنَّ الزُّبَيرَ كان مِن خَيرِ الصَّحابةِ، وأحَبِّهم إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وفي قَولِهم وقَولِه دَليلٌ على أنَّ للزُّبَيرِ رَضيَ اللهُ عنه منَ الشَّرَفِ والمَقامِ في الإسْلامِ، بحيث تَسبِقُ الظُّنونُ إلى أنَّه هو المُستَخلَفُ بعْدَ عُثْمانَ رَضيَ اللهُ عنه. وفي الحَديثِ: مَكانةُ الوَصيَّةِ في الإسْلامِ، واهْتِمامُ السَّلَفِ بها. وفيه: حِرصُ عُثْمانَ رَضيَ اللهُ عنه على الاسْتِفادةِ مِن رَأيِ أهلِ الفَضلِ والشَّأنِ. وفيه: شدَّةُ تَحرِّي وتَحرُّزِ عُثْمانَ في قَولِه"ما عَلِمتُ"، أي: حسَبَ الَّذي بَلَغَه عِلْمي مِن خَيرِه وفَضلِه.الدرر.
ومن مناقبه -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له بأنه يموت شهيدًا فقد روى الإمام مسلم في صحيحه : عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، كانَ علَى حِرَاءٍ هو وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ"اهْدَأْ فَما عَلَيْكَ إلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ."صحيح مسلم. في الحَديثِ: شَهادةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأَبي بكرٍ بالصِّدِّيقيَّةِ ولِلباقينَ بالشَّهادَةِ؛ فمَن قُتِلَ مِنهم فهوَ شَهيدٌ، ومَن مات مِنهُم فإنَّه لم يَمُتْ إلَّا مُتمنِّيًا لأنْ يُستَشهَدَ في سَبيلِ اللهِ.
ومن مناقبه -رضي الله عنه- أنه كان ممن استجاب لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح يوم أُحد. عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا"الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصَابَهُمُ القَرْحُ* لِلَّذِينَ أحْسَنُوا منهمْ واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ"قَالَتْ لِعُرْوَةَ:يا ابْنَ أُخْتِي، كانَ أبَوَاكَ منهمْ: الزُّبَيْرُ، وأَبُو بَكْرٍ، لَمَّا أصَابَ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما أصَابَ يَومَ أُحُدٍ، وانْصَرَفَ عنْه المُشْرِكُونَ، خَافَ أنْ يَرْجِعُوا، قَالَ: مَن يَذْهَبُ في إثْرِهِمْ فَانْتَدَبَ منهمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، قَالَ: كانَ فيهم أبو بَكْرٍ، والزُّبَيْرُ."الراوي : عائشة أم المؤمنين - المصدر : صحيح البخاري. وفي هذا الحَديثِ تُخبِرُ أمُّ المؤمِنينَ عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها عن قَولِه سُبحانَه وتعالَى"الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ "آل عمران: 172، فتَذكُرُ لعُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ -وهو ابنُ أُختِها أسْماءَ بنتِ أبي بَكرٍ- رَضيَ اللهُ عنهم، أنَّها نزَلَت في جَمعٍ مِن أصْحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، عدَدُهم سَبعونَ رَجلًا، كان منهم والِدُه الزُّبَيرُ بنُ العوَّامِ، وجَدُّه لأُمِّه أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضيَ اللهُ عنهم، وذلك لمَّا أصابَ المُشرِكونَ ما أصابوا مِن المُسلِمينَ -بقَتلِ مَن قُتِلَ منَ المُسلِمينَ، وإصابةِ مَن أُصيبَ- في غَزْوةِ أُحُدٍ، كَرُّوا راجِعينَ إلى بِلادِهم في مكَّةَ، ولكنَّهم وهمْ في طَريقِ العَوْدةِ نَدِموا على رُجوعِهم، وأرادوا أنْ يَعودوا مرَّةً أُخْرى إلى المُسلِمينَ؛ لِمَا ظَنُّوه مِن أنَّ في ذلك الوَقتِ فُرْصةً للنَّيْلِ منهم بأكثَرَ مِمَّا حدَث في أُحُدٍ، فبلَغَ ذلك النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فخافَ أنْ يَرجِعوا دونَ اسْتِعْدادِ المُسلِمينَ لهم، فندَبَ أصْحابَه إلى الخُروجِ في طَلَبِهم ليُرعِبَهم ويُريَهم أنَّ فيهم قُوَّةً وجَلَدًا، فانتَدَبَ -أي: أجابَ الدَّعوةَ- سَبْعونَ رَجلًا مِن أصْحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، منهم أبو بَكرٍ والزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ رَضيَ اللهُ عنهما، فلمَّا رَأى أبو سُفْيانَ تَعقُّبَ المُسلِمينَ له، قذَف اللهُ في قَلبِه الرُّعبَ، وتَراجَعَ عن فِكرةِ الرُّجوعِ إلى المُسلِمينَ مرَّةً أُخْرى. وفي الحَديثِ: مَنقَبةٌ لأبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ والزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ، في اسْتِجابَتِهم لأمرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، برَغمِ ما ألمَّ بهم مِن جَهدٍ وجِراحٍ.الدرر السنية.وبعدَ مقتَلِ عُثمانَ بنِ عفَّانَ خرَجالزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ إلى البصرةِ مُطالِبًا بالقِصاصِ مِن قَتَلةِ عُثمانَ، فقَتَله عَمرُو بنُ جُرْموزٍ في موقعةِ الجمَلِ، فكان قَتْلُه في رجَبٍ سنةَ سِتٍّ وثَلاثين مِن الهجرةِ، وله أربعٌ وسِتُّون سَنةً.سير أعلام النبلاء"3/31.ومصادر أخرى. وذلك أنه كر راجعًا عن القتال في موقعة الجمل ، فلحقه عمرو بن جرموز ، وفضالة بن حابس ، ورجل ثالث يقال له : النعر التميميون ،فَقُتِل. *طَلْحةُ: وهو طلحةُ بنُ عُبيدِ اللهِ بنِ عُثمانَ بنِ عمرِو بنِ كعبٍ، مِن بَني تَيْمِ بنِ مُرَّةَ بنِ كعبٍ،أحدُ العشرة المشهود لهم بالجنة .وأحدُ الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام. وأحدُ الستة أصحاب الشورى الذين نَص عليهم عُمَرُ رضي الله عنه، وقال : تُوفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو عنهم راض.وأحدُ الخمسة الذين أسلموا مِن سادات الصحابة على يدي أبي بكر رضي الله عنه ، وهم : عثمانُ ، وعبدُ الرحمن بن عوف ، والزبيرُ بن العوام ، وسعدُ بن أبي وقاص.، وطلحة بن عبيد الله.وكان يُقال له ولأبي بكر رضي الله عنهما : القرينانِ ؛ لأن نوفلَ بن خُويلد بنِ العَدَوية أخذهما ، فقرنهما في حبل واحدٍ حين بلغه إسلامُهُما ، ولم يمنَعْهُما بنو تَيْم .وكان يُقال له: طلحةَ الخير ، وطلحةَ الجُود ، وطلحةَ الفَيَّاض .شَهِدَ المشاهد كُلها مَعَ رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا بدرًا ، فإنه كان بالشام ، فضَرَبَ له رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسهمه وأجره.وأبلَى يومَ أحدٍ بلاءً حسنًا ، وأصيبت يدُه يومئذٍ ، ورقاها رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكان جماعة من الصحابة يقولون عن يوم أحد : ذاك يوم كله لِطلحة ، ولما طأطأ لِرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِينهضَ على تلك الصخرةِ يومَ أحدٍ قال " أوجب طلحةُ" .
"كانَ علَى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يومَ أُحُدٍ درعانِ ، فنَهَضَ إلى صَّخرةٍ ، فلم يستَطِع ، فأقعدَ تحتَهُ طلحةَ ، فصعِدَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ حتَّى استَوى على الصَّخرةِ ، قالَ: فسَمِعْتُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يقولُ : أَوجبَ طَلحةُ"الراوي : الزبير بن العوام - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي-الصفحة أو الرقم: 3738 -خلاصة حكم المحدث : حسن."أَوجبَ طَلحةُ"أي:وجَبَت الجنَّةُ لِطَلحةَ. طلحة في الجنة قال صلى الله عليه وسلم "أبو بكر في الجنة ، وعمر في الجنة ، وعثمان في الجنة ، وعلي في الجنة ، وطلحة في الجنة ، والزبير في الجنة ، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة ، ، وسعد بن أبي وقاص في الجنة ، وسعيد بن زيد في الجنة ، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة "الراوي: سعيد بن زيد و عبدالرحمن بن عوف المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 50خلاصة حكم المحدث: صحيح. شهيد يمشي على الأرض قال صلى الله عليه وسلم "من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله "الراوي: جابر بن عبدالله المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 126- خلاصة حكم المحدث: صحيح
"قالَ : هذا"، أي: طَلْحةُ، "مِمَّن قضى نحبَهُ "، أي: إنَّه ممَّن وفَّى بنَذْرِه وعَزْمِه على أنَّه يموتُ في سبيلِ اللهِ تعالى، فقد مات أو حارَب كما نذَرَ، وقدْ كان مِن الصَّحابةِ مَن عزَموا أنَّهم إذا لَقُوا حربًا ثبَتوا حتَّى يُستَشْهَدوا، فعُدَّ طَلْحةُ ممَّن وفَّى بذلك. وفي الحَديثِ: بيانُ ما كان في الصَّحابةِ مِن احترامٍ وتَوقيرٍ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، مع شَغَفِهم بالسُّؤالِ والتَّعلُّمِ منه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم. وفيه: مَنقَبةُ جليلةٌ لطَلْحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ رضِيَ اللهُ عنه. وفيه: عَلَمٌ مِن أعلامِ النُّبوَّةِ، حيثُ ظلَّ طلحةُ رضِيَ اللهُ عنه يُجاهِدُ في سَبيلِ اللهِ حتى قُتِلَ شهيدًا في سبيل الله. طلحة سباق للخير طلحة أول من قام وصافح كعب بن مالك بعد نزول آيات مغفرة الله له بعد تخلفه في غزوة تبوك.قال كعب بن مالك:
استشهاده رضي الله عنه: عاش طلحة رضي الله عنه إلى زمن خلافة علي بن أبي طالب، ولَمَّا حدث الخلاف بين الصحابة حول أيهما أولى: استقرار الأمور وبيعة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، أم القصاص لعثمان رضي الله عنه، كان طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه مع الرأي الثاني، الذي كان يميل إلى تقديم القصاص، ولكن ورغم ذلك جاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وناشد طلحة رضي الله عنه أن يرجع عن قتاله، وألَّا يؤذيه بذلك، فرجع طلحة رضي الله عنه، وقرَّرَ أن ينسحب عن المعركة، فلحقه سهمٌ غادرٌ، ممن يريدون إشعال الفتن، ويضرهم أن يتَّحدَ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان استشهاده يوم موقعة الجمل سنة 36هـ ليلحق بحبيبه صلى الله عليه وأصحابه الأبرار. قُتِل رضي الله عنه يومَ وَقْعة الجَمَل في العاشر من جُمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وقد استَكْمَل من العمر يومئذٍ أربعًا وستين سنة.ينظر : "الاستيعاب" لابن عبد البر :2/764، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي: 1/25، و"الوافي بالوفيات" للصفدي :16/271.هنا-
وَنَذْهَبُ إِلى حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ "كُنَّا نَعُدُّ وَرَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-حَيٌ وَأَصْحَابُهُ مُتَوَافِرُونَ:أَبُوبَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ،ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ نَسْكُتُ"ثُمَّ-مِنْ-بَعْدِ أَصْحَابِ الشُّورَى أَهْلُ بَدْرٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ، ثُمَّ أَهْلُ بَدْرٍ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-عَلَى قَدْرِ الهِجْرَةِ وَالسَّابِقَةِ أَوَّلًا فَأَوَّلًا،......... الشرح من أصول أهل السنة والجماعة محبة الصحابة والقرابة رضي الله عنهم وأرضاهم،وعلى قدر معرفتنا بفضائلهم تزداد هذه المحبة .وسادة الصحابة وكبراؤهم العشرة المبشرون بالجنة ، ومنهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه.
*وعبدُ الرَّحمنِ: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف أبو محمد الزهري أحد العشرة المبشرين بالجنة،وأحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام ، وأحد الستة أهل الشورى. ولد بعد عام الفيل بعشر سنين .كان اسمه عبد الكعبة، ويقال عبد عمرو، فغيره النبي صلى الله عليه وسلم، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عمر، روى عنه المسور ابن مخرمة وابن عباس وغيرهما ، مات سنة 32هـ على المشهور.تهذيب التهذيب:6/231. وهو عبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفِ بنِ عبدِ عوفِ بنِ عبدِ الحارثِ بنِ زُهْرةِ، وهو مِن السَّابِقين الأوَّلين إلى الإسلامِ؛أسلم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه -إذْ أسلَم قبلَ دُخوِل النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دارَ الأرقَمِ بنِ أبي الأرقمِ، وهاجر الهِجرتَين وشَهِد بدْرًا وسائرَ المشاهدِ، وآخى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بينَه وبينَ سعدِ بنِ الرَّبيعِ الخَزْرَجيِّ، وتَصدَّق على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بشَطْرِ مالِه، ثمَّ تصَدَّق بأربَعين ألْفِ دينارٍ، ثمَّ حَمَل على خَمْسِمائةِ فرَسٍ في سَبيلِ اللهِ وخَمسِمائةِ راحلةٍ، وكان يَصِلُ زَوجاتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بالعَطايا والمالِ.الدرر السنية.
مُبَشَّر بالجنةِ: عشرةٌ في الجنَّةِ : أبو بَكْرٍ في الجنَّةِ ، وعُمرُ في الجنَّةِ ، وعليٌّ وعثمانُ والزُّبَيْرُ وطلحةُ وعبدُ الرَّحمنِ وأبو عُبَيْدةَ وسعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ . قالَ : فعدَّ هؤلاءِ التِّسعةَ وسَكَتَ عنِ العاشرِ ، فقالَ القومُ : ننشدُكَ اللَّهَ يا أبا الأعورِ منِ العاشرُ ؟ قالَ : نشدتُموني باللَّهِ ، أبو الأعوَرِ في الجنَّةِ"الراوي : سعيد بن زيد - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي -الصفحة أو الرقم: 3748خلاصة حكم المحدث : صحيح
لقدْ بَشَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم كثيرًا مِن الصَّحابةِ بالجنَّةِ؛ ولم يَجعَلْهم ذلك يَتَقلَّلون مِن العِبادةِ، أو يتَّكِلون على ذلك، ومِن هؤلاء مَن عُرِفوا بالعَشَرةِ المبشَّرين بالجنَّةِ ومنهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وعن كل الصحابة.
قال"، أي: أحَدُ رُواةِ الحديثِ
"فعَدَّ هؤلاء التِّسْعةَ وسكَتَ عن العاشرِ"، يَعني سَعيدَ بنَ زيدٍ الصَّحابيَّ الَّذي رَوى هذا الحَديثَ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، فقال القومُ: "نَنشُدُك اللهَ"، أي: نُقسِمُ عليك ونَسأَلُك به "يا أبَا الأعوَرِ"، وهي كُنْيةُ سَعيدِ بنِ زيدٍ، "مَن العاشِرُ؟"، أي: مَن الصَّحابيُّ العاشرُ الَّذي بُشِّر بالجنَّةِ؟ "قال: نَشَدتُّموني باللهِ"، أي: أقسَمتُم علَيَّ وسأَلتُموني باللهِ؛ فلِذا سأُجيبُكم، "أبو الأعورِ في الجنَّةِ"، يَعني نفْسَه، أي: سَعيدُ بنُ زيدٍ في الجنَّةِ. وفي الحَديثِ: أنَّ تَسْميةَ العَشَرةِ المبشَّرين بالجنَّةِ؛ لأنَّهم ذُكِروا في حَديثٍ واحدٍ، وإنْ كان غيرُهم بُشِّر بالجَنَّةِ أيضًا. الدرر السنية.
عفة عبد الرحمن بن عوف
لما قدِمنا إلى المدينةِ آخى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بيني وبين سعدِ بنِ الربيعِ، فقال سعدُ بنُ الربيعِ : إني أكثرُ الأنصارِ مالًا، فأقسِم لك نصفَ مالي، وانظُرْ أيَّ زوجتيَّ هويتَ نزلتْ لك عنها، فإذا حلَّتْ تزوجتَها، قال : فقال عبدُ الرحمنِ : لا حاجةَ لي في ذلك، هل من سوقٍ فيه تجارةٌ ؟ . قال : سوقُ قينُقاعٍ، قال : فغدا إليه عبدُ الرحمنِ، فأتى بأقطٍ وسمنٍ، قال : ثم تابع الغُدوَّ، فما لبث أن جاء عبدُ الرحمنِ عليهِ أثرُ صُفرةٍ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ"تزوجتَ" . قال : نعم، قال "ومنْ" . قال : امرأةً منَ الأنصارِ، قال "كم سُقتَ" . قال :زِنةُ نواةٍ من ذهبٍ، أو نواةٌ من ذهبٍ، فقال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ "أوْلِمْ ولو بشاةٍ ".الراوي:عبدالرحمن بن عوف-صحيح البخاري. الشرح: حَثَّ الشَّرعُ الإسلاميُّ المطهَّرُ المسلِمَ على التَّعفُّفِ والعمَلِ وعدَمِ التَّسوُّلِ، أو الاعتمادِ على الصَّدَقاتِ؛ لأنَّ المسلِمَ يَنْبغي له أنْ يَحفَظَ كَرامتَه وهَيبتَه، ولا يُرِيقَ ماءَ وَجْهِه للنَّاسِ[FONT="]. وفي هذا الحديثِ يَحكي عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه لَمَّا هاجَرَ إلى المدينةِ آخَى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْنه وبيْن سَعدِ بنِ الرَّبيعِ الأنصاريِّ الخَزْرجيِّ أحَدِ النُّقباءِ في بَيعةِ العَقَبةِ، والمُؤاخاةُ: هي أنْ يَتعاقَدَ الرَّجلانِ على التَّناصُرِ والمُواساةِ حتَّى يَصِيرَا كالأخَوَين نَسَبًا، فعَرَضَ عليه سَعدٌ نِصفَ مالِه وأنْ يَختارَ إحْدى زَوجاتِه، فيُطلِّقها، وبعْدَ انقضاءِ عِدَّتِها يَتزوَّجُها عبْدُ الرَّحمنِ، فرَفَضَ عبدُ الرَّحمنِ ذلك، وقال: لا حاجةَ لي في ذلِك، ثُمَّ سَألَ سَعْدًا عن مَوضعِ السُّوقِ الَّتي في المدينةِ للتِّجارةِ، فدَلَّه على سُوقِ بَني قَيْنُقاعٍ -مِن قَبائلِ اليَهودِ الذين كانوا في المَدينةِ-، فصارَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ رَضيَ اللهُ عنه يَتردَّدُ علَيها؛ لِيُتاجِرَ في السَّمنِ والأَقِطِ، وهو اللَّبنُ المُجَفَّفُ، واستَمرَّ على ذلك حتَّى كسَبَ مالًا، ثمَّ أتى إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعَلَيه أثَرُ صُفْرةِ الطِّيبِ الَّذي تَطيَّبَ به،فسَألَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ[FONT="]: [/FONT]هل تَزوَّجتَ؟ فقال: نَعَم، قال: ومَن؟قال: امرأةً مِن الأنصارِ، وهي بِنتُ أَنَسِ بنِ رافِعٍ مِن بَني عَبدِ الأَشْهَلِ. فسَألَه: كَم دَفَعتَ لها مِن الصَّداقِ؟ فأجابَه بأنه دَفَعَ لها زِنةَ نَواةٍ مِن ذَهَبٍ، وهي وَزنُ ثَلاثةِ دَراهِمَ وثُلثٍ، فأمَرَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعَمَل وَليمةٍ ولو بِشاةٍ، والوليمةُ: هي الطَّعامُ الَّذي يُصنَعُ في العُرسِ، والوَليمةُ بالشَّاةِ أو أكبَرَ منها لِمَن قَدَرَ عليها، فمَن لم يَقدِرْ فلا حَرَجَ عليه؛ فقد أوْلَمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالسَّويقِ -وهو ما يُعمَلُ مِنَ الحِنطةِ والشَّعيرِ- والتَّمرِ على بَعضِ نِسائِه[FONT="].
[/FONT]قيلَ: كان لِلمُؤاخاةِ بَينَ المُهاجِرينَ والأنصارِ سَبَبانِ: أحَدُهما[FONT="]: [/FONT]أنَّه أجراهم على ما كانوا ألِفوا في الجاهِليَّةِ مِنَ الحِلْفِ؛ فإنَّهم كانوا يَتوارَثونَ به، فقالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"لا حِلْفَ في الإسلامِ"، وأثبَتَ المُؤاخاةَ؛ لِأنَّ الإنسانَ إذا فُطِمَ عمَّا يألَفُه يَخنَسُ. والثَّاني: أنَّ المُهاجِرينَ قَدِموا مُحتاجينَ إلى المالِ وإلى المَنزِلِ، فنَزَلوا على الأنصارِ، فأكَّدَ هذه المُخالَطةَ بالمُؤاخاةِ، ولم تَكُنْ بَعدَ بَدرٍ مُؤاخاةٌ؛ لِأنَّه استُغنيَ بالغَنائِمِ[FONT="].
[/FONT]وفي الحديثِ: مَشروعيَّةُ البَيعِ، وأنَّه مِن أشرَفِ الوَسائِلِ لِكَسبِ المالِ الحَلالِ[FONT="].
[/FONT]وفيه: ما كانَ عليه المُهاجِرونَ والأنصارُ في عَهدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن مَودَّةٍ ومَحبَّةٍ وإيثارٍ بالمالِ وغيرِه[FONT="].
[/FONT]وفيه: الأمرُ بالوَليمةِ للعُرسِ[FONT="].
[/FONT]وفيه: التَّطيُّبُ للرَّجُل إذا كانَ عَروسًا[FONT="].[/FONT] الدرر.[/FONT]
صلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرحمن بن عوف:عدلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وأنا معَهُ في غزوةِ تبوكَ قبلَ الفجرِ ، فعدَلتُ معَهُ، فأناخَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فتبرَّزَ ثمَّ جاءَ،فسَكَبتُ علَى يدِهِ منَ الإداوةِ، فغسلَ كفَّيهِ ثمَّ غسلَ وجهَهُ ثمَّ حسرَ عن ذراعيهِ فضاقَ كُمَّا جبَّتِهِ فأدخلَ يدَيهِ فأخرجَهُما من تحتِ الجبَّةِ فغسلَهُما إلى المرفقِ ومسحَ برأسِهِ ثمَّ تَوضَّأ علَى خفَّيهِ ،ثمَّ ركِبَ فأقبَلنا نسيرُ حتَّى نجدَ النَّاسَ في الصَّلاةِ قد قدَّموا عبدَ الرَّحمنِ بنَ عوفٍ فصلَّى بِهِم حينَ كانَ وقتُ الصَّلاةِ ووجدنا عبدَ الرَّحمنِ وقد ركعَ بِهِم رَكعةً مِن صلاةِ الفجرِ، فقامَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فصفَّ معَ المسلمينَ فصلَّى وراءَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ الرَّكعةَ الثَّانيةَ ، ثمَّ سلَّمَ عبدُ الرَّحمنِ فقامَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في صلاتِهِ. ففزِعَ المسلمونَ فأكثَروا التَّسبيحَ لأنَّهم سبَقوا النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بالصَّلاةِ ، فلمَّا سلَّمَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ لَهُم قد أصبتُمْ - أو قد أحسنتُمْ"الراوي : المغيرة بن شعبة المحدث : الألباني المصدر : صحيح أبي داود- الصفحة أو الرقم: 149 - خلاصة حكم المحدث : صحيح .
الشرح:توجَّهَ إليهم للصَّلاةِ "فوَجَدَهم قد قدَّموا عبدَ الرَّحْمنِ بنَ عَوفٍ يُصلِّي بهم" إمامًا للصَّلاةِ "فأدرَكَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إحْدى الرَّكعَتَينِ"، فكانَ مَسْبوقًا برَكْعةٍ "فصلَّى مع النَّاسِ الرَّكْعةَ الآخِرةَ بصَلاةِ عَبدِ الرَّحْمنِ، فلمَّا سلَّمَ عَبدُ الرَّحْمنِ قامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، يُتِمُّ صَلاتَهُ" بصَلاةِ الرَّكْعةِ الثَّانيةِ الَّتي سبَقَ فيها "فأفزَعَ المُسلِمينَ"، فخافوا أنْ يَكونوا قد أخْطَؤوا"فأكْثَروا التَّسْبيحَ" استِغْفارًا للهِ ممَّا فَعلوهُ "فلمَّا قَضى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَلاتَهُ" أتمَّها وسلَّمَ "أقبَلَ عليهم" توجَّهَ إليهم؛ لِيُبيِّنَ لهم، "فقالَ: قد أحسَنْتُم، وأصَبْتُم" فَعَلتُمُ الصَّوابَ "يَغبِطُهُم أنْ صَلَّوا الصَّلاةَ لِوَقتِها" فَرِحَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بحِرْصِهم على الصَّلاةِ في وَقتِها، وهذا من حُسنِ التَّوجيهِ النَّبويِّ لِمَن أحسَنَ في العَمَلِ. وفي الحَديثِ: مَشْروعيَّةُ الاستِعانةِ في إحْضارِ ماءِ الوُضوءِ بغَيرِهِ، وخِدْمةِ الأكابِرِ. وفيه: مَشْروعيَّةُ إمامةِ المَفْضولِ للصَّلاةِ للفاضِلِ. وفيه: الحِرْصُ على أداءِ الصَّلاةِ في وَقتِها. وفيه: أنَّ المسبوقَ يقومُ لقَضاءِ ما فاتَه بعدَ سَلامِ إمامِه
ورعه وصدقه رضي الله عنه:
أن عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ أُتِيَ بطعامٍ ، وكان صائمًا ، فقال : قُتِلَ مصعبُ ابنُ عميرٍ وهو خيرٌ مني ، كُفِّنَ في بُرْدَةٍ : إن غُطِيَ رأسُه بدت رجلاه ، وإن غُطِيَ رجلاه بدا رأسُه ، وأراه قال : وقُتِلَ حمزةُ وهو خيرٌ مني ، ثم بُسِطَ لنا من الدنيا ما بُسِطَ . أو قال : أُعْطِينا من الدنيا ما أُعْطِينا ، وقد خَشِينا أن تكونَ حسناتُنا عُجِّلَت لنا ، ثم جعلَ يبكي حتى ترك الطعامَ.الراوي : إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف - صحيح البخاري . جوده وصبره على الطاعة:
قال صلى الله عليه وسلم "إنَّ أمرَكُنَّ مِمَّا يُهِمُّني بَعدي ، ولن يصبرَ عليكنَّ إلَّا الصَّابرونَ[FONT="]. قالَ : ثمَّ تقولُ عائشةُ ، فسقَى اللَّهُ أباكَ مِن سلسبيلِ الجنَّةِ ، تريدُ عبدَ الرَّحمنِ بنَ عوفٍ ، وَكانَ قد وَصلَ أزواجَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ بمالٍ يقالُ بيعَت بأربَعينَ الفًا"الراوي : عائشة أم المؤمنين -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الترمذي -الصفحة أو الرقم[FONT="]3749[/FONT]- خلاصة حكم المحدث : حسن.[/FONT]
الشرح: تَحكي أمُّ المؤمنِينَ عائشةُ رَضِي اللهُ عَنها: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم كان يقولُ لأزواجِه رَضِي اللهُ عَنهنَّ: "إنَّ أمْرَكنَّ"، أي: حالَكنَّ وشأنَكنَّ، "ممَّا يُهِمُّني بَعْدي"، أي[FONT="]: يُوقِعُني في الهمِّ بعدَ موتي؛ لأنَّه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم لم يَترُكْ لأزواجِه شيئًا مِن الدُّنيا، وكان ما ترَكه صدَقةً، وأزوجُه رَضِي اللهُ عَنهنَّ اختَرْنَ الآخِرَةَ والدَّارَ الباقيةَ على الدُّنْيا، ثمَّ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم "ولَن يَصبِرَ عَليكُنَّ"، أي[FONT="]: [/FONT]على بلاءِ مُؤْنَتِكنَّ وسَدِّ حاجَتِكنَّ، "إلَّا الصَّابِرون" الَّذين رزَقَهم اللهُ تعالى الصَّبرَ على طاعتِه وابتغاءِ مَرضاتِه، والصَّبرَ على النَّفسِ وعلى مُخالَفتِها باختيارِ الإنفاقِ والعطاءِ في سبيلِ اللهِ تعالى[FONT="].
"[/FONT]قال" أبو سَلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ راوي هذا الحديثِ عن أمِّ المؤمِنين عائِشةَ رَضِي اللهُ عَنها: "ثمَّ تقولُ عائشةُ" بعد ذلك لي[FONT="]"[/FONT]فسَقى اللهُ أباكَ مِن سَلسَبيلِ الجنَّةِ"، وهي عينٌ في الجنَّةِ، قيل[FONT="]:[/FONT]سُمِّيَت بذلك لِسَلاسَتِها ولَذَّتِها وحُسنِها، "تُريدُ" عائشةُ رَضِي اللهُ عَنها بهذا الدُّعاءِ "عبْدَ الرَّحمنِ بنَ عوفٍ"، "وكان" عبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ رَضِي اللهُ عَنه، "قد وصَل"، مِن الصِّلَةِ، أي[FONT="]: [/FONT]أعطَى أزواجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم "بمالٍ"، وهذا المالُ هو حَديقةٌ، "يُقالُ" بصيغة المجهولِ، أي: يَقولُ النَّاسُ: "بِيعَت" هذه الحديقةُ أو هذا المالُ، "بأربَعين ألفًا"، مِن الدَّراهِمِ أو الدَّنانيرِ[FONT="].
[/FONT]وفي الحَديثِ: عَظيمُ اهتمامِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بحالِ أزواجِه مِن بَعْدِه[FONT="].
[/FONT]وفيه: دُعاءُ الصَّحابةِ رَضِي اللهُ عَنهم بَعضِهم لبعضٍ[FONT="].
[/FONT]وفيه: فَضلُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ رَضِي اللهُ عَنه[FONT="].[/FONT] وفاته: توفي عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - على فراشه ولكنه نال شرف الشهادة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :[/FONT]
" أشْهدُ على التِّسعةِ أنَّهم في الجنَّةِ ولو شَهدتُ على العاشرِ لم آثَمْ. قيلَ وَكيفَ ذلِكَ قالَ كنَّا معَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وسلم بحِراءَ فقالَ "اثبت حراءُ فإنَّهُ ليسَ عليْكَ إلاَّ نبِيٌّ أو صدِّيقٌ أو شَهيدٌقيلَ ومن هم قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وسلم وأبو بَكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ وطلحةُ والزُّبيرُ وسعدٌ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ". قيلَ فمنِ العاشرُ قالَ أنا"الراوي : سعيد بن زيد-المحدث : الألباني-المصدر : صحيح أبي داود.
[FONT="]"إنَّه ليس عليك إلَّا نبيٌّ، أو صِدِّيقٌ، أو شهيدٌ"، والمُرادُ بالصِّدِّيقِ: أبو بَكْرٍ، والشَّهيدُ مَجْموعُ مَنْ كان مَعَه مِن الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهم[FONT="].[/FONT][/FONT] فمَنَ قُتِلَ مِنْهم فهو شَهيدٌ، ومَنْ مات مِنْهم - كسعدِ بن أبي وقَّاصٍوعبدِ الرحمنِ بن عوف؛ حيثُ ماتَا على فِراشِهما- فإنَّه لم يَمُتْ إلَّا مُتمنِّيًا لأنْ يُسْتَشْهَدَ في سبيلِ اللهِ، فيُبلِّغهم اللهُ عزَّ وجلَّ مَنازِلَ الشُّهداءِ. المصدر:شرح الحديث من الدرر السنية. ذلك هو عبد الرحمن بن عوف الذي قضى حياته كلها في طاعة ربه حتى في اللحظة الأخيرة التي كان فيها في مرض موته فقد قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: ولما حضرته الوفاة أوصى لكل رجل ممن بقي من أهل بدر بأربعمائة دينار وكانوا مائة فأخذوها حتى عثمان وعلي وقال علي: اذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها وسبقت زيفها . وأوصى لكل امرأة من أمهات المؤمنين بمبلغ كثير حتى كانت عائشة تقول: سقاه الله من السلسبيل وأعتق خلقًا من مماليكه.الموسوعة العقدية/الدرر السنية.
توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين وقيل ثلاث وثلاثين وصلى عليه عثمان، وقيل الزبير، ودُفِنَ بالبقيع، وكان سنّه خمسة وسبعين عامًا.وترك مالًا عظيمًا وذهبًا يقطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال منه. هنا .[/FONT]
الشرح من أصول أهل السنة والجماعة محبة الصحابة والقرابة رضي الله عنهم وأرضاهم،وعلى قدر معرفتنا بفضائلهم تزداد هذه المحبة .وسادة الصحابة وكبراؤهم العشرة المبشرون بالجنة ، ومنهم سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه وأرضاه.
[/font]
*وسعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ: هو سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ مالِكِ بنِ وُهَيبِ بنِ عبدِ مَنافِ بنِ زُهْرةَ، فهو مِن بَني زُهْرةَ وهم فَخِذُ آمِنةَ بنتِ وهبٍ أمِّ الرَّسولِ- أبوها: وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب - فقد كان أبوها وهب بن عبد مناف سيد بني زهرة شرفا وحسبًا ، وقد كان الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَعتَزُّ بهذه الخُؤولةِ، وُلِد في مكَّةَ، واشتَغَل في بَرْيِ السِّهامِ وصِناعةِ القِسِيِّ، وكان إسلامُه مُبكِّرًا،أسلم و عمره سبع عشرة سنة، يُعتبَرُ أوَّلَ مَن رمى بسَهمٍ في سبيلِ اللهِ، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ.
وافتَداه الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأبَوَيهيومَ أحُدٍ، ودعا له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم "اللَّهمَّ سَدِّد رَمْيتَه، وأجِبْ دعوتَه"، فكان مُجابَ الدَّعوةِ، وشَهِد المشاهِدَ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وجاهد مع الخلفاءِ وهو قائدُ موقعةِ القادسيَّةِ وفاتحُ مَدائنِ كِسْرى. فجميعُ هؤلاء الصَّحابةِ بُشِّروا بالجنَّةِ وهم يَمْشون على الأرضِ في الدُّنيا فما أعظَمَ ذلك مِن بِشارةٍ!
"ما سَمِعْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جَمع أبَوَيْهِ لأحَدٍ إلَّا لِسَعْدِ بنِ مَالِكٍ، فإنِّي سَمِعْتُهُ يقولُ يَومَ أُحُدٍ[font="]:يا سَعْدُ ارْمِ فِدَاكَ أبِي وأُمِّي[font="].[/font]"الراوي : علي بن أبي طالب- صحيح البخاري.[/font]
وفي هذا الحَديثِ يَحْكي سَعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَثَلَ له كِنانَتَه يومَ أُحُدٍ، والكِنانةُ: جَعْبةُ السِّهامِ، ونَثَلَ له كِنانَتَه، أيِ: استَخرَجَ سِهامَها فنَثَرَها له؛ لأنَّ سَعدًا رَضيَ اللهُ عنه كان يُجيدُ الرَّميَ، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ارْمِ، فِداكَ أبي وأُمِّي»، وهذا حَثٌّ لسَعدٍ على مُباشَرةِ الرَّميِ لأعْداءِ المُشرِكينَ، وهذه اللَّفْظةُ لا يُرادُ بها الفِداءُ على الحَقيقةِ؛ بل هي للتَّعْبيرِ عن حُبٍّ وبِرٍّ، وعَظيمِ مَنزِلةٍ لهذا المُفَدَّى عندَ المُفَدِّي، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حينَ قالَها لسَعْدٍ رَضيَ اللهُ عنه لم يَكُنْ أبَواهُ حَيَّيْنِ[font="].الدرر. "اللَّهمَ استجِب لسعدٍ إذا دعاكَ"الراوي : سعد بن أبي وقاص -المحدث :الألباني -المصدر : صحيح الترمذي.
كان سَعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ رَضِي اللهُ عَنه مُستجابَ الدَّعوةِ، وذلك ببَركةِ دُعاءِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم له، وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه: "اللَّهمَّ استَجِبْ لسعدٍ إذا دَعاك"، أي: استَجِبْ له دُعاءَه كلَّما دَعاك، وجاءَ في سبَبِ تلك الدَّعوةِ لِسَعدٍ رضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قِيل له: "متى أصَبتَ الدَّعوةَ؟"، فقال: "يومَ بدرٍ كُنتُ أرمي بين يدَيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، فأضَعُ السَّهْمَ في كَبِدِ القوسِ، أقولُ: اللَّهمَّ زَلزِلْ أقدامَهم، وأرعِبْ قُلوبَهم، وافعَلْ بهم وافعَلْ، فيَقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: اللَّهمَّ استَجِبْ لسعدٍ[font="]". وفي الحديثِ: مَنقَبةٌ وفضلٌ لِسَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رضِيَ اللهُ عنه[font="].[/font]الدرر.[/font] "أقبلَ سعدٌ فقالَ النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم"هذا خالي فليُرِني امرؤٌ خالَهُ"الراوي : جابر بن عبدالله -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الترمذي -الصفحة أو الرقم: 3752-خلاصة حكم المحدث : صحيح . كان لِسَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رَضِي اللهُ عَنه شأنٌ يومَ بدرٍ، وكذلك في مُعظَمِ مَغازيه؛ فكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم يَفخَرُ به، وفي هذا الحديثِ يقولُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رَضِي اللهُ عَنهما: " "أقبَل سعدٌ"، أي: على النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم ومَن معَه مِن أصحابِه، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم لَمَّا رآه: "هذا خالي"، أي: مِن قومِ أمِّي، "فَلْيُرِني امرُؤٌ خالَه"، أي: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم يُخبِرُ أنْ ليس لأحَدٍ خالٌ مِثلُ سعدٍ خالِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، وكان سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ مِن بَني زُهْرةَ، وكانت أمُّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم مِن بَني زُهرةَ؛ فلِذلك قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم هذا خالي، ويَلتَقِيان في جَدِّهما عبدِ مَنافٍ، وسببُه: أنَّ أمَّه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم آمِنةُ بِنتُ وهبِ بنِ عبدِ مَنافٍ، وسعدًا هو ابنُ مالِكِ بنِ وُهيبٍ أخي وَهبٍ ابْنَي عبدِ مَنافٍ[font="]. وفي الحديثِ: منقَبةٌ وفضلٌ لِسَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رضِيَ اللهُ عنه[font="].[/font]الدرر.[/font]
أَرِقَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فلم يَستطِعِ النومَ في ليلةٍ، وكان ذلك بعدَ مَقْدَمِه إلى المدينةِ النبويَّةِ، فقال يحدِّث عَائِشَةَ رَضِيَ الله عنها"لَيْتَ رجلًا صالِحًا مِن أصحابي يَحرُسني الليلةَ"، قالت"إذ سَمِعنا صوتَ السِّلاحِ، قال" النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم "مَن هذا؟قِيل: سَعْدٌ" وهو ابنُ أبي وَقَّاصٍ رَضِيَ الله عنه "يا رسولَ الله، جِئتُ أَحرُسك"، ويقولُ في روايةٍ عن سَبب قُدومِه: وَقَع في نفسِي خوفٌ على رَسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فجئتُ أَحرُسه، "فنام النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى سَمِعنا غَطِيطَه" والغَطِيطُ: صوتُ النائم ونَفْخُه[font="]. ويحتمل أنَّ حَذَرَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وطلبُه الحراسةَ كانَ قبلَ نُزولِ قولِه تعالى"وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ"المائدة[font="]67
، ومِن العلماءِ مَن قال[font="]: [/font]ليس في الآيةِ ما يُنافي الحِراسةَ؛ لأنَّ هذا مِن بابِ الأخْذِ بالأسبابِ، كما أنَّ إعلامَ اللهِ بنَصرِ دِينِه وإظهارِه لا يمنعُ الأمْرَ بالقِتالِ وإعدادِ العُدَد؛ وأنَّ المرادَ بقوله "يَعْصِمُكَ" العصمةُ مِن الفِتنةِ والإضلالِ أو إزهاقِ الرُّوح[font="].
[/font]وفي الحديث: الأخْذُ بالحَذرِ والاحتراسِ مِن العدوِّ، وحِراسةُ السُّلطانِ خَشيةَ القَتلِ[font="].
[/font]وفيه: أنَّ الأخْذَ بالأسبابِ لا يُنافي التوكُّلَ على اللهِ تعالى[font="].[/font]الدرر.[/font]
يَحكِي سَعْدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ رضِي اللهُ عنه: أنَّه نَزَلَتْ فيه آياتٌ مِنَ القُرآنِ؛ حيثُ حَلَفَتْ أُمُّه ألَّا تُكلِّمَه أبدًا حتَّى يَكفُرَ بدِينِ الإسلامِ، ولا تَأكُلَ ولا تَشْرَبَ، وقالت له: زَعَمْتَ، أي: قُلتَ وادَّعَيْتَ، أنَّ الله وَصَّاك بِوَالِدَيْكَ، أي: أمَرَك وفَرَض عليك الاعتِناءَ بوَالِدَيْكَ، وأنا أُمُّكَ، وأنا آمُرُكَ بهذا. ويَحْكِي سَعْدٌ أنَّها مَكَثَتْ، أي: ظَلَّتْ ولَبِثَتْ، ثلاثًا دُونَ أكلٍ وشُربٍ، حتَّى غُشِيَ عليها، أي: أُغْمِيَ عليها وفَقَدت وَعْيَها؛ مِنَ الجَهْدِ والتَّعَبِ، فقام ابنٌ لها يُقال له عُمَارَةُ فسَقَاها، فجَعَلَتْ تَدعُو على سَعْدٍ؛ فأنزَل الله عزَّ وجلَّ في القُرآنِ هذه الآيةَ"وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ... وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي"لقمان: 14- 15، وفيها"وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا"[font="]. ثُمَّ يَحكِي سَعْدٌ أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أصاب غَنِيمَةً عَظيمةً، فإذا فيها سَيْفٌ، فأخَذَه سَعْدٌ، فأتَى به رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال سَعْدٌ: "نَفِّلْنِي" هذا السَّيْفَ، أي[font="]:
أَعْطِنِيهِ على سَبِيلِ النَّفْلِ، وهو ما يُعطَى الغازِي زيادةً على سَهْمِه في الغَنِيمَةِ؛ فأنا مَن قد عَلِمْتَ حالَه، يعني: مِن حُسنِ البلاءِ في الحُروبِ، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: رُدَّهُ مِن حيثُ أخذتَه، فانْطَلَقْتُ حتَّى إذا أردتُ أن أُلْقِيَه في "القَبَضِ" أي: في المالِ المقبوضِ، وهو الغَنِيمَة؛ لامَتْنِي نَفْسِي، فرَجَعْتُ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مرَّةً أُخرَى، فقُلتُ: أَعْطِنِيهِ، قال[font="]: [/font]فشَدَّ لي صَوْتَه: رُدَّهُ مِن حيثُ أَخَذْتَهُ، قال: فأنزَل الله عزَّ وجلَّ"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ"الأنفال: 1[font="].
[/font]ثُمَّ يقولُ سَعْدٌ: ومَرِضْتُ، فأَرْسَلْتُ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فأَتَاهُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يَعُودُه، فقال سَعْدٌ[font="]: [/font]دَعْنِي أَقْسِمْ مالي حيثُ شِئتُ، فأَبَى صلَّى الله عليه وسلَّم، أي[font="]: [/font]رَفَض ذلك، قال سَعْدٌ: فالنِّصْف؟ أي: نِصْف مالِه، فأَبَى صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: فالثُّلُثُ؟ فسَكَتَ صلَّى الله عليه وسلَّم، فكان الثُّلُثُ بَعْدَ ذلِك جَائِزًا[font="].
[/font]ثُمَّ يَحْكِي سَعْدٌ: وأَتَيْتُ على "نَفَرٍ" هو مِن ثلاثةٍ إلى عَشَرَةٍ مِنَ الرِّجالِ، مِنَ الأنصارِ والمُهاجِرِينَ، فقالوا: تَعَالَ نُطْعِمك ونَسْقِيك خَمْرًا، وذلك قبلَ أن تُحرَّمَ الخَمْرُ، قال: فأتَيْتُهم في حُشٍّ، والحُشُّ: البُسْتَانُ، فإذا رَأْسُ "جَزُورٍ" والجَزُورُ: ما يَصلُح أن يُذبَحَ مِنَ الإبِلِ، مَشْوِيٌّ عندَهم، و"زِقٌّ" وهو السِّقاءُ، مِن خَمْرٍ، فأكَلَ سَعْدٌ وشَرِب معهم، قال: فذُكِرَتِ الأنصارُ والمهاجِرون عندَهم فقلتُ: المُهاجِرون خيرٌ مِنَ الأنصارِ، قال[font="]: [/font]فأَخَذ رجلٌ أَحَدَ "لَحْيَيِ الرَّأسِ" أي: فَكَّيْهِ، فضَرَبَنِي به فجَرَح بِأَنْفِي، وفي رِوَايَةٍ: فضَرَب به أنفَ سَعْدٍ "فَفَزَرَهُ" أي[font="]: [/font]شَقَّه، وكان أنفُ سَعْدٍ مَفْزُورًا، أي: مَشْقُوقًا، قال: فأَتَيْتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبرتُه، فأنزَل اللهُ عزَّ وجلَّ فِيَّ -يَعْنِي نفسَه- شأنَ الخَمْرِ[font="]"[/font]إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ[font="]"[/font]المائدة: [font="]90[/font][font="]. [/font].[font="]
[/font]وفي رِوايَةٍ: أُنزِلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آياتٍ: وفيها الثلاثُ الآياتُ المذكورةُ سابقًا، وأمَّا الرابعةُ فهي آيةُ[font="]"[/font]وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ[font="]"[/font]الأنعام: 52.ولم تُذكَرْ في حديثِنا[font="].
[/font]في الحديثِ: سَببُ نُزولِ آيةِ تحريمِ الخَمْرِ في سُورَةِ المائدةِ[font="].
[/font]وفيه: سببُ نُزولِ آيةِ الأنفالِ في أوَّلِ سُورَةِ الأنفالِ[font="].
[/font]وفيه: سببُ نُزولِ آيةِ الوَصِيَّةِ بالوالِدَيْنِ وعدمِ طاعتِهما في معصيةٍ، في سُورةِ لُقْمَان[font="].
[/font]وفيه: أنَّ مِن هَدْيِه صلَّى الله عليه وسلَّم الوَصِيَّةَ بِثُلُثِ المالِ، وهو كَثِيرٌ[font="].
[/font]وفيه: فَضْلُ سَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ رضِي اللهُ عنه.الدرر.[/font]
[/font]
كُنَّا مع النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقالَ المُشْرِكُونَ للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا[font="].قالَ وَكُنْتُ أَنَا وَابنُ مَسْعُودٍ، وَرَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ، وَبِلَالٌ، وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ في نَفْسِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ ما شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ فَحَدَّثَ نَفْسَهُ فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ[font="]"[/font]وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ[font="]"[/font]الأنعام: 52[font="].[/font]"الراوي:سعد بن أبي وقاص– صحيح مسلم.[/font]
"شَكَا أَهْلُ الكُوفَةِ سَعْدًا إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، فَعَزَلَهُ، واسْتَعْمَلَ عليهم عَمَّارًا، فَشَكَوْا حتَّى ذَكَرُوا أنَّهُ لا يُحْسِنُ يُصَلِّي، فأرْسَلَ إلَيْهِ، فَقالَ: يا أَبَا إسْحَاقَ إنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أنَّكَ لا تُحْسِنُ تُصَلِّي،قالَ أَبُو إسْحَاقَ: أَمَّا أَنَا واللَّهِ فإنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بهِمْ صَلَاةَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصَلِّي صَلَاةَ العِشَاءِ، فأرْكُدُ في الأُولَيَيْنِ وأُخِفُّ في الأُخْرَيَيْنِ، قالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بكَ يا أَبَا إسْحَاقَ، فأرْسَلَ معهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا إلى الكُوفَةِ، فَسَأَلَ عنْه أَهْلَ الكُوفَةِ ولَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إلَّا سَأَلَ عنْه، ويُثْنُونَ مَعْرُوفًا، حتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ منهمْ يُقَالُ له أُسَامَةُ بنُ قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَقالَ: أَمَّا إذْ نَشَدْتَنَا فإنَّ سَعْدًا كانَ لا يَسِيرُ بالسَّرِيَّةِ، ولَا يَقْسِمُ بالسَّوِيَّةِ، ولَا يَعْدِلُ في القَضِيَّةِ، قالَ سَعْدٌ: أَما واللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بثَلَاثٍ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ عَبْدُكَ هذا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وسُمْعَةً، فأطِلْ عُمْرَهُ، وأَطِلْ فَقْرَهُ، وعَرِّضْهُ بالفِتَنِ، وكانَ بَعْدُ إذَا سُئِلَ يقولُ: شيخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ، قالَ عبدُ المَلِكِ: فأنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ، قدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ علَى عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ، وإنَّه لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي في الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ[font="]".الراوي : جابر بن سمرة-صحيح البخاري.[/font]
الشرح: أمَرَ اللهُ عزَّ وَجلَّ المؤمنَ بإعطاءِ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه؛ فيُعطي للعِبادِة الواجبةِ عليه حقَّها ويؤَدِّيها كما أمَر اللهُ عزَّ وجلَّ، ويُعطي للوظيفةِ المُوكلةِ إليه حقَّها ويؤَدِّيها كما كُلِّف بها وكما يَنبغي، ويُعطي لعِبادِ اللهِ حُقوقَهم، ويأخُذُ هو حقَّه كاملًا غيرَ مَنقوصٍ؛ فلا يَظلِمُ ولا يُظلَمُ.وفي هذا الحديثِ يَحْكي جابِرُ بنُ سَمُرَةَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ أهلُ الكوفةِ شَكَوْا سعدَ بنَ أبي وَقَّاصٍ رَضيَ اللهُ عنه عِندَما كان أميرًا على الكوفةِ، إلى عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه، فعَزَلَه عُمرُ رَضيَ اللهُ عنه؛ لِتَهْدِئةِ النُّفوسِ، وإطْفاءِ نارِ الفِتنةِ، مع ثِقتِه فيه، وأقام مكانَه عَمَّارَ بنَ ياسرٍ رَضيَ اللهُ عنهما واليًا عليهم. وكان عُمرُ أمَّرَ سعدَ بنَ أبي وقَّاصٍ على قتالِ الفُرسِ في سنةِ 14 هـ، ففتَح اللهُ العِراقَ على يدَيْه، وأنشَأ مدينةَ الكُوفة عامَ 17هـ، وأقامَه عُمر بنُ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه واليًا عليها إلى أنْ عزَله عامَ 21هـ، وقيل: 20هـ.وقدْ شكَا بعضُ أهلِ الكوفةِ سعدَ بنَ أبي وقَّاصٍ رَضيَ اللهُ عنه إلى عُمرَ بنِ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه، وذكَروا أشياءَ متعدِّدةً، وحقَّق فيها عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه فوجَدها كلَّها باطلةً، حتَّى ذَكَروا أنَّه لا يُحْسِنُ أداءَ الصَّلاةِ؛ وذلك لسُوءِ فَهْمِهم، وجَهْلِهم بِكيفيَّةِ الصَّلاةِ، لا لأنَّه رَضيَ اللهُ عنه لا يُحسِنُها، فأرسَلَ إليه عُمرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه يَسألُه عن شِكايتِهم، فكنَّاه قائلًا: يا أبا إسْحاقَ [font="]-وهي كُنْيةُ سعدٍ- إنَّ هؤلاء يَزعُمون أنَّك لا تُجيدُ الصَّلاةَ على الوجهِ الأكمَلِ، فقال: أَمَّا أنا واللهِ، فإنِّي كنتُ أُصَلِّي بهم صَلاةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا أَنقُصُ منها شَيئًا؛ أُصَلِّي صَلاةَ العِشاءِ فأُطيلُ القِراءةَ في الأُولَيَيْنِ؛ لأنَّه يَقرأُ بعْدَ الفاتحةِ سورةً أو ما تيسَّرَ مِن القُرآنِ، وأُخَفِّفُ القِراءةَ في الرَّكعتَينِ الأُخْرَيَيْنِ فلا يَقرأُ بعْدَ الفاتحةِ شَيئًا. وكأنَّ ما عابوه في صَلاتِه هو إطالتُه الأُولى وتخفيفُه الثَّانيةَ، وكان مَن سألوه جُهَّالًا. وقد خَصَّ سعدٌ رَضيَ اللهُ عنه صَلاةَ العِشاءِ بالذِّكرِ؛ لاحتِمالِ كَوْنِ شَكْواهم في هذه الصَّلاةِ، وقيل: المرادُ بقولِه"صلاتي العِشاءِ" المغربُ والعِشاءُ، فقال له عُمرُ رَضيَ اللهُ عنه: لَقَد أَصَبتَ السُّنَّةَ فيما فَعَلْتَ، وصَلَّيْتَ مِثلَ صَلاةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهذا ما نَظُنُّه فيك.وقد وقَع في بدايةِ الحديثِ أنَّ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنه أرسَل إلى سَعدٍ رَضيَ اللهُ عنه يَسألُه، ثمَّ وَجَّهَ إليه الخِطابَ بأُسلوبِ الحاضرِ"ذاك الظَّنُّ بكَ يا أبا إسْحاقَ"، وأُجيبَ على ذلك بأنَّه كان غائبًا ثمَّ حضَر. فأرسَلَ معه إلى العِراقِ رَجُلًا أو رِجالًا، على رأْسِهم محمَّدُ بنُ مَسْلَمةَ رَضيَ اللهُ عنه، فسَأل عنه أهلَ الكوفةِ، ولم يَترُكْ مَسجِدًا مِن مَساجِدِ الكوفةِ إلَّا سَأل عنه، وجميعُهم كانوا يُثْنونَ عليه خَيرًا ويُزَكُّونَه، حتَّى دخَلَ مَسجِدًا لِبَني عَبْسٍ، وهي قَبيلةٌ مِن قَيسٍ، فقام رجُلٌ اسمُه أُسامةُ بنُ قَتادةَ، فقال: أمَّا إذْ نَشَدْتَنا وسألْتَنا بالله تعالَى أنْ نُخبِرَك عن سَعدٍ، فَإنَّا نَقول[font="]:
إنَّ سَعْدًا لا يَخرُجُ للغَزْوِ في سَبيلِ اللهِ، ولا يَعدِلُ في قِسْمتِه، ولا يَعدِلُ في الحُكمِ بيْنَ النَّاسِ! وقد قال ما قاله ظُلمًا وإجحافًا بحقِّ سعدٍ رَضيَ اللهُ عنه، وألصَقَ فيه ما ليس منه كَذِبًا وافتِراءً، وكان قيامُه للرِّياءِ والسُّمْعةِ. فدَعا عليه سعدٌ رَضيَ اللهُ عنه، قائلًا: أمَا واللهِ، لَأدْعُوَنَّ بثَلاثٍ "اللَّهُمَّ إنْ كان عَبْدُك هذا كاذِبًا، قامَ رِياءً وَسُمعةً، فأَطِلْ عُمُرَه، وأَطِلْ فَقْرَهُ، وعَرِّضْهُ بالفِتَنِ»، فدَعا عليه بثلاثِ دَعَواتٍ؛ أوَّلُها بِطولِ العُمُرِ ومُرادُه أنْ يَطولَ عُمُرُه حتَّى يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، حيثُ يَهِنُ عَظْمُه، وتَنتكِسُ قُواهُ؛ فهي دَعوةٌ على الرجُلِ لا له. وجمَع له مع طُولِ العُمرِ الدَّعوةَ الثانيةَ بأنْ يُسلِّطَ اللهُ عليه الفَقرَ الطَّويلَ، وهذا أشَدُّ ما يَكونُ مِن سُوءِ العَيشِ في الحياةِ، وجمَع له الثَّالثةَ الَّتي هي أشَدُّ مِن الأُولَيَيْنِ، وهي: أن يَجعَلَه اللهُ عُرْضةً للفِتَنِ أو أن يُدخِلَه فيها، ففُتِن بالنِّساءِ؛ فكان هذا الرَّجُلُ المَدْعوُّ عليه إذا سُئِل عن سُوءِ حالِه الَّذي هو فيه، يَقولُ: أنا شَيْخٌ كَبيرٌ مَفْتونٌ، أصابَتْني دَعوةُ سَعدٍ التي أُجيبَتْ فيَّ. وذكَر بقولِه: «شيخٌ كبيرٌ» تحقُّقَ الدَّعوةِ الأُولى[font="]"[/font]أَطِلْ عُمُرَه[font="]"[/font]، وذكَر بقولِه: «مَفتونٌ» تحقُّقَ الدَّعوةِ الثَّالثةِ، ولم يَذكُرِ الدَّعوةَ الثَّانيةَ "وأَطِلْ فَقرَه"؛ لأنَّها داخِلةٌ ضِمنَ قَولِه "أَصابَتْني دَعوةُ سَعْدٍ".قال عبدُ المَلِكِ- أحَدُ رُواةِ الحَديثِ، وهو ابنُ عُمَيْرِ بنِ سُوَيدٍ الكوفيُّ-: فأنا رَأَيْتُه بَعْدُ قدْ سَقَط حاجِباهُ على عَيْنَيْه مِن الكِبَرِ، وإنَّه لَيتَعَرَّضُ لِلجَواري في الطُّرُقِ، يَغمِزُهنَّ، بمعنى: يُغازِلُهنَّ أمامَ النَّاسِ، وهذا مِن الشَّهادةِ بتَحقُّقِ استجابةِ سَعدٍ رَضيَ اللهُ عنه، ودَعوةُ سَعدٍ رَضيَ اللهُ عنه على هذا الرَّجُلِ هي مِن الدُّعاءِ على الظالِمِ المعيَّنِ بما يَستلزِمُ النقصَ في دِينِه، وليس مِن طَلبِ وُقوعِ المَعصيةِ، ولكن مِن حيثُ إنَّه يُؤدِّي إلى نِكايةِ الظالمِ وعُقوبتِه.وفي الحَديثِ: فَضيلةُ سَعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ رَضيَ اللهُ عنه، وأنَّه كان مُجابَ الدُّعاءِ.وفيه: مَشروعيَّةُ إطالةِ الرَّكعةِ الأُولى، وتخفيفِ الثَّانيةِ.وفيه: اهتِمامُ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم بمُتابَعةِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فكانوا يُصَلُّون كما كان رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُصلِّي.وفيه: أنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ مُقَدَّمٌ على جَلْبِ المَصالِحِ؛ فقدْ عزَلَ عمرُ سعدًا وهو أعدلُ مَن يأتي بعدَه؛ حسْمًا لمادَّةِ الفِتنةِ، ودرءًا للمَفْسَدةِ.وفيه: تَكنيةُ الرجُلِ الجَليلِ بكُنيتِه[font="].[/font]الدرر السنية.[/font] وفاة سعد بن أبي وقاص: عن حماد بن سلمة، عن سماك، عن مصعب بن سعد أنه قال"كان رأس أبي في حجري وهو مريض وفي كرب الموت، قال: فبكيت، فرفع رأسه إليَّ وقال: ما يبكيك؟ قلت: لمكانك وما أرى بك. قال: فلا تبكِ؛ فإن الله لا يعذبني أبدًا، وإني لمن أهل الجنة".رواه ابن سعد في الطبقات. روي"أن أم سلمة رضي الله عنها لما بلغها موت سعد بكت، وقالت: بقية أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم". وروي"أنه أوصى رضي الله عنه أن يكفن في جبة صوف خلقة، وقال: إني لقيت المشركين فيها يوم بدر، وقد اختبأتها لهذا اليوم".أخرجه الحاكم والطبراني في الكبير. مات سعد سنة خمس وخمسين من الهجرة، وهو ابن بضع وسبعين سنة فيما قيل، بقصره بالعقيق، وكان يبعد عن المدينة عشرة أميال، ثم حُمل على أعناق الرجال حتى صُلي عليه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى عليه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. رضي الله عن سعد وعن جميع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المجلس الحادي والثلاثون شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل
*المتن:وَخَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا:أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ،ثُمَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، ثُمَّ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ،نُقَدِّمُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ كَمَا قَدَّمَهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-،لمْ يَخْتَلِفُوا في ذَلِكَ.ثمَّ بَعْدَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ أَصْحَابُ الشُّورَى الخَمْسَةُ:عَلِيٌ بنُ أَبي طَالَبٍ ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ،وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ، وَسَعْدُ- بنُ أَبِي وَقَّاصٍ-،وَكُلُّهُمْ يَصْلُحُ لِلْخِلافَةِ،وكلُّهُمْ إِمَامٌ. الشرح بين المصنف – الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله –العقيدة الصحيحة في الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ؛ وبيان خيريتهم وفضلهم ؛ وبيان التفاضل بينهم .فالعقيدة في الصحابة تُعَدُّ أصلًا من أصول الاعتقاد وأصول الديانة ، فإن الصحابة رضي الله عنهم لهم مكانتهم ومنزلتهم العلية ؛فهم أنصار دين الله وحملته ونقلته ، فالدين نقل عن طريق الصحابة ومن طعن فيهم ؛طعن في الدين ، لأن الطعن في الناقل طعن في المنقول – أي طعن في الدين – لذلك قال أبو زُرعَة : من طعن في الصحابة فهو زنديق. لذا كل كتب العقيدة تذكر العقيدة في الصحابة. والعقيدة في الصحابة ترتكز على أمرين : سلامة القلب ،وسلامة اللسان. أما سلامة القلب تجاه الصحابة رضي الله عنهم : بأن يخلو القلب من الغل عليهم ،بل القلب يكن لهم كل الحب والتقدير والنقاء والصفاء. وكذلك سلامة اللسان تجاههم :بالكلام عليهم بكل خير ،وعدم الكلام بما فيه ذم أو طعن أو سب أو وقيعة أو نحو ذلك. قال تعالى"وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ"الحشر : 10. "وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ" أي: من بعد المهاجرين والأنصار. تفسير السعدي . "وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ "وهم المهاجرون ثم الأنصار ، ثم التابعون بإحسان. فالتابعون لهم بإحسان هم : المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة ، الداعون لهم في السر والعلانية ; ولهذا قال في هذه الآية الكريمة " وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ" أي : قائلين "رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا" أي : بغضًا وحسدًا "لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ"تفسير ابن كثير للآية. وهذا دعاء شامل لجميع المؤمنين، السابقين من الصحابة، ومن بعدهم، وهذا من فضائل الإيمان أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض، ويدعو بعضهم لبعض، بسبب المشاركة في الإيمان المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين التي من فروعها أن يدعو بعضهم لبعض، وأن يحب بعضهم بعضًا. ولهذا ذكر الله في الدعاء نفي الغل عن القلب، الشامل لقليل الغل وكثيره الذي إذا انتفى ثبت ضده، وهو المحبة بين المؤمنين والموالاة والنصح، ونحو ذلك مما هو من حقوق المؤمنين. فوصف الله من بعد الصحابة بالإيمان، لأن قولهم" الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ"دليل على المشاركة في الإيمان وأنهم تابعون للصحابة في عقائد الإيمان وأصوله، وهم أهل السنة والجماعة. تفسير السعدي. قال الإمام أحمد بن حنبل في المتن:وَخَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا:أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ،ثُمَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، ثُمَّ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ،نُقَدِّمُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ كَمَا قَدَّمَهُمْ أَصْحَابُ .......ثم...... فقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن أمور الاعتقاد الإيمان بخيرية الصحابة مطلقًا، وكذلك بتفاضل الصحابة ،فالفضل ليس على رتبة واحدة ، وأن أفضلهم على الإطلاق أبو بكر الصديق،ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان، ثم أصحاب الشورى الخمسة كما سبق توضيحه وتفصيله، وهؤلاء الخمسة من جملة العشرة المبشرين بالجنة .فأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون الأربعة ثم بقية العشرة المبشرون بالجنة ،أربعة منهم من أصحاب الشورى ،ثم من بقيتهم أبو عبيدة بن الجراح ، وسعيد بن زيد رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم.مقتبس من شرح الشيخ عبد الرزاق عبد المحسن البدر لرسالة أصول السنة. عشرةٌ في الجنَّةِ : أبو بَكْرٍ في الجنَّةِ ، وعُمرُ في الجنَّةِ ، وعليٌّ وعثمانُ والزُّبَيْرُ وطلحةُ وعبدُ الرَّحمنِ وأبو عُبَيْدةَ وسعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ . قالَ : فعدَّ هؤلاءِ التِّسعةَ وسَكَتَ عنِ العاشرِ ، فقالَ القومُ : ننشدُكَ اللَّهَ يا أبا الأعورِ منِ العاشرُ ؟ قالَ :نشدتُموني باللَّهِ ، أبو الأعوَرِ في الجنَّةِ"الراوي : سعيد بن زيد -المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم: 3748خلاصة حكم المحدث : صحيح.
*أبو عُبيدةَ: هو: عامِرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الجَرَّاحِ بنِ هلالِ بنِ أهيَبَ، وهو أحدُ السَّابقين الأوَّلين إلى الإسلامِ، أسلَم على يدِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ في الأيَّامِ الأولى للإسلامِ. هاجَر إلى الحبَشةِ في الهجرةِ الثَّانيةِ، وقد لقَّبَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأمينِ الأمَّةِ، "وكان مِمَّن ثبَت مع الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومَ أحُدٍ، وشَهِد المَشاهِدَ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والخلفاءِ الرَّاشِدين مِن بعدِه، مات بطاعونِ عَمَواسٍ ودُفِن في قريةٍ صغيرةٍ حمَلَتِ اسْمَه بالغُورِ في الأردُنِّ. أبو عبيدة أمين الأمة "إنَّ لكلِّ أمَّةٍ أمينًا ، وإنَّ أميننَا ، أيَّتُها الأمَّةُ ، أبو عبيدةَ بنُ الجرَّاحِ."الراوي : أنس بن مالك المحدث : البخاري المصدر : صحيح برقم: 3744 خلاصة حكم المحدث : صحيح. جاء أهلُ نجرانَ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالوا : ابعث لنا رجلًا أمينًا، فقال " لأبعثنَّ إليكم رجلًا أمينًا حَقَّ أمينٍ". فاستشرَفَ لهُ الناسُ فبعثَ أبا عُبَيْدَةَ بنَ الجَرَّاحِ.الراوي : حذيفة بن اليمان المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4381 خلاصة حكم المحدث : صحيح. "أرحَمُ أمَّتي بأمَّتي أبو بَكْرٍ، وأشدُّهم في أمرِ اللَّهِ عمرُ، وأصدقُهُم حياءً عثمانُ، وأعلَمُهُم بالحلالِ والحرامِ معاذُ بنُ جبلٍ، وأفرَضُهُم زيدُ بنُ ثابتٍ، وأقرَؤُهُم أبيُّ ولِكُلِّ أمَّةٍ أمينٌ وأمينُ هذِهِ الأمَّةِ أبو عُبَيْدةَ بنُ الجرَّاحِ".الراوي : أنس بن مالك المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي الصفحة أو الرقم: 3790 خلاصة حكم المحدث : صحيح. عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ"بَعَثَنَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَوَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِن تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً، قالَ: فَقُلتُ: كيفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بهَا؟ قالَ: نَمَصُّهَا كما يَمَصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ المَاءِ، فَتَكْفِينَا يَومَنَا إلى اللَّيْلِ، وَكُنَّا نَضْرِبُ بعِصِيِّنَا الخَبَطَ، ثُمَّ نَبُلُّهُ بالمَاءِ فَنَأْكُلُهُ، قالَ: وَانْطَلَقْنَا علَى سَاحِلِ البَحْرِ، فَرُفِعَ لَنَا علَى سَاحِلِ البَحْرِ كَهَيْئَةِ الكَثِيبِ الضَّخْمِ، فأتَيْنَاهُ فَإِذَا هي دَابَّةٌ تُدْعَى العَنْبَرَ، قالَ: قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ، ثُمَّ قالَ: لَا، بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، وفي سَبيلِ اللهِ، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا، قالَ: فأقَمْنَا عليه شَهْرًا وَنَحْنُ ثَلَاثُ مِئَةٍ حتَّى سَمِنَّا، قالَ: وَلقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِن وَقْبِ عَيْنِهِ بالقِلَالِ الدُّهْنَ، وَنَقْتَطِعُ منه الفِدَرَ كَالثَّوْرِ، أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ، فَلقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فأقْعَدَهُمْ في وَقْبِ عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلَعًا مِن أَضْلَاعِهِ فأقَامَهَا ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ معنَا، فَمَرَّ مِن تَحْتِهَا وَتَزَوَّدْنَا مِن لَحْمِهِ وَشَائِقَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَذَكَرْنَا ذلكَ له، فَقالَ: هو رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ، فَهلْ معكُمْ مِن لَحْمِهِ شيءٌ فَتُطْعِمُونَا؟ قالَ: فأرْسَلْنَا إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ منهفأكَلَهُ."الراوي : جابر بن عبدالله-المحدث : مسلم-المصدر : صحيح مسلم. *يقولُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عَنهما "بَعَثنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأمَّرَ علينا أبا عُبيدةَ"، أي: وجَعلَ أبا عُبيدةَ بنَ الجرَّاحِ أميرًا على تلكَ السَّرِيَّةِ. "نتلقَّى عيرًا لقُريشٍ"، أي: إنَّ سَببَ خُروجِهم كانَ لقَطعِ الطَّريقِ على قافلةٍ كانتْ لقريشٍ . والعِيرُ: الإبلُ التي تحمِلُ الطعامَ، "وزوَّدَنا"، أي: أمدَّنا وأعْطانا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، "جِرابًا مِن تَمرٍ" والجِرابُ: وِعاءٌ مَصنوعٌ مِن جلدٍ. "لم يجِدْ لنا غَيرَه"...... وكُنا نضرِبُ بعِصيِّنا الخَبَطَ" وهوَ ما يتَساقَطُ مِن ورقِ الشَّجرِ بعدَ خَبطهِ، "ثم نبُلُّه بالماءِ فنأكلُه"، أي: يأكلُونَه بجانبِ التَّمرِ. قال جابرٌ رضِي اللهُ عنه "وانطلَقْنا على ساحلِ البَحرِ"، أي: سارُوا بجانِبه وعلى شاطِئهِ "فرُفِعَ لنا"، أي: ظَهرَ لنا، "على ساحلِ البحرِ كَهيئةِ الكَثِيبِ الضَّخمِ"، والكَثيبُ: التلُّ المتجمِّعُ من الرَّملِ، "فأتَيْناهُ"، أي: فاقترَبْنا منه، "فإذا هي دابَّةٌ تُدعَى"، أي: تُسمَّى، "العَنْبرَ". والعَنبرُ: نَوعٌ مِن الأسْماكِ يصِلُ طولُه إلى خَمسينَ ذِراعًا، وسُميَ بالعَنبرِ وهوَ الطِّيبُ المعروفُ؛ لأنَّه يُستخرَجُ مِن أمعائِه، قالَ جابرٌ: قالَ أبو عُبيدةَ: "مَيْتةٌ"، أي: لا يَحِلُّ لنا أكْلُه، ثمَّ قالَ "لا، بلْ نحنُ رسُلُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وفي سَبيلِ اللهِ، وقد اضْطُرِرتم؛ فكُلوا"، أي: كان أبو عُبَيدةَ سيَنهى عن أكلِه؛ لأنَّها مَيْتةٌ وأكلُ الميْتةِ محرَّمٌ، ثم بَدَا له أنهم اضْطرُّوا إليها فأَباحَ لهمْ أكلَها. قا لَ جابرٌ "فأقَمْنا عليهِ"، أي: على أكْلِ هذا العَنبرِ، "شهرًا، ونحن ثلاثُ مِئةٍ حتى سمِنَّا"، وفي هذا مبالَغةٌ وإشارةٌ إلى ما كانوا فيهِ مِن شِبعٍ، ثم جَعَلَ جابرٌ يُفصِّلُ في حجم العَنبرِ وكيفَ كانَ يأخذونَ مِنه ويأكلونَ.... قال "وتزوَّدْنا مِن لحمِهِ وشائِقَ"، أي: حملوا مَعهم مِن لحمهِ، وجعلوهُ وشائقَ، أي: قَدِيدًا، وصفة ذلك أن يُؤْخَذَ اللَّحمُ ويُطَهى دُونَ النُّضوجٍ ثم يُجفَّف بالشَّمسِ؛ ليبْقى مَعهم حالَ السَّفرِ. قالَ جابرٌ رضِي اللهُ عنه "فلمَّا قدِمْنا المدينةَ أتَينا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فذَكرْنا ذلكَ لهُ"، أي: بقِصَّةِ العَنبرِ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم "هو رِزقٌ أخرَجهُ اللهُ لكم؛ فهل مَعكم من لحمِه شيءٌ فتُطعِمونا؟ "، وهذا إشارةٌ مِنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى أنَّ مَيتةَ البحرِ حِلٌّ أكلُها حتى في غَيرِ اضْطرارٍ، قالَ جابرٌ رضِي اللهُ عنه "فأرسَلْنا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنه"، أي: مِن لَحمِ العَنبرِ، فأكلَه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يُطيِّبَ نُفوسَهم في حِلِّ ذلك اللحمِ.الدرر السنية. "أنَّ أَهْلَ اليَمَنِ قَدِمُوا علَى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فَقالوا: ابْعَثْ معنَا رَجُلًا يُعَلِّمْنَا السُّنَّةَ وَالإِسْلَامَ قالَفأخَذَ بيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَقالَ: هذا أَمِينُ هذِه الأُمَّةِ."الراوي : أنس بن مالك– صحيح مسلم. وَصْفِه بالأمانةِ، وليس حِرصًا على الوِلايةِ ، إنَّما خَصَّه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالأمانةِ، وإنْ كانت مُشترَكةً بيْنَه وبيْنَ غيرِه منَ الصَّحابةِ؛ لغلَبَتِها فيه بالنِّسبةِ إليهم، وقيلَ: لكَوْنِها غالِبةً بالنِّسبةِ إلى سائرِ صِفاتِه. وفي الحَديثِ: فَضيلةٌ ظاهِرةٌ لأبي عُبَيْدةَ رَضيَ اللهُ عنه. ومن مناقبه العالية -رضي الله عنه- أنه كان أحد من يصلح للخلافة، وأحد الناس الذين كانوا أحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم. سُئِلَت عائشَةُ رضِي اللهُ عنها مَن كانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُستَخلفَه، أي: جاعِلَه خَليفةً له، لَوِ استخلَفَ؟ روى الإمام مسلم بإسناده إلى ابن أبي مليكة قال: سمعت عائشة وسئلت"مَن كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مُسْتَخْلِفًا لَوِ اسْتَخْلَفَهُ؟ قالَتْ: أَبُو بَكْرٍ، فقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَنْ؟ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ قالَتْ: عُمَرُ، ثُمَّ قيلَ لَهَا مَنْ بَعْدَ عُمَرَ؟، قالَتْ: أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ ثُمَّ انْتَهَتْ إلى هذا." الراوي : عائشة أم المؤمنين- صحيح مسلم. -قلتُ لعائشةَ أيُّ أصحابِهِ كانَ أحبَّ إليهِ قالت أبو بكرٍ قلتُ ثمَّ أيُّهم قالت عمرُ قلتُ ثمَّ أيُّهم قالت أبو عُبَيدةَ"الراوي : عبدالله بن شقيق -المحدث : الألباني -صحيح ابن ماجه. وهذا لا يَعْني أنَّ أبا عُبيدةَ رضِيَ اللهُ عنه أفضَلُ مِن عُثمانَ أو عَلِيٍّ رضِيَ اللهُ عنهما؛ ففي هذا بيانُ فضيلةٍ لأبي عُبيدةَ، وهي أنَّه كان أحَدَ الَّذين هم أحَبُّ النَّاسِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا يَعْني هذا تَقدُّمَه على عُثمانَ ولا عَليٍّ، ولكن كانت أمُّ المؤمِنين عائِشةُ رضي اللهُ عنها تَذكُرُ أنَّ أبا عُبيدَةَ صالِحٌ للخِلافَةِ وأنَّه أهلٌ لها، وهذا لا يَعْني تقديمَ غيرِ أبي بكرٍ وعُمرَ على عُثمانَ وعليٍّ، وقد أجمَعَت الأمَّةُ على تفضيلِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدين بالتَّرتيبِ، ثمَّ بقيَّةِ العشَرةِ المبشَّرينَ بالجَنَّةِ.الدرر السنية. ومن مناقبه -رضي الله عنه- أن الفاروق -رضي الله عنه- كان يكره مخالفته فيما يراه وأنه كان جليل القدر عنده"أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنْه خَرَجَ إلى الشَّأْمِ، حتَّى إذَا كانَ بسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأجْنَادِ؛ أبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ وأَصْحَابُهُ، فأخْبَرُوهُ أنَّ الوَبَاءَ قدْ وقَعَ بأَرْضِ الشَّأْمِ. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لي المُهَاجِرِينَ الأوَّلِينَ، فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، وأَخْبَرَهُمْ أنَّ الوَبَاءَ قدْ وقَعَ بالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفُوا؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قدْ خَرَجْتَ لأمْرٍ، ولَا نَرَى أنْ تَرْجِعَ عنْه، وقَالَ بَعْضُهُمْ: معكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وأَصْحَابُ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولَا نَرَى أنْ تُقْدِمَهُمْ علَى هذا الوَبَاءِ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لي الأنْصَارَ، فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ المُهَاجِرِينَ، واخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لي مَن كانَ هَاهُنَا مِن مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِن مُهَاجِرَةِ الفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ منهمْ عليه رَجُلَانِ، فَقالوا: نَرَى أنْ تَرْجِعَ بالنَّاسِ ولَا تُقْدِمَهُمْ علَى هذا الوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ في النَّاسِ: إنِّي مُصَبِّحٌ علَى ظَهْرٍ فأصْبِحُوا عليه. قَالَ أبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ: أفِرَارًا مِن قَدَرِ اللَّهِ؟! فَقَالَ عُمَرُ: لو غَيْرُكَ قَالَهَا يا أبَا عُبَيْدَةَ؟! نَعَمْ نَفِرُّ مِن قَدَرِ اللَّهِ إلى قَدَرِ اللَّهِ،أرَأَيْتَ لو كانَ لكَ إبِلٌ هَبَطَتْ وادِيًا له عُدْوَتَانِ، إحْدَاهُما خَصِبَةٌ، والأُخْرَى جَدْبَةٌ، أليسَ إنْ رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بقَدَرِ اللَّهِ، وإنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بقَدَرِ اللَّهِ؟ قَالَ:فَجَاءَ عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ -وكانَ مُتَغَيِّبًا في بَعْضِ حَاجَتِهِ- فَقَالَ: إنَّ عِندِي في هذا عِلْمًا؛ سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ:إذَا سَمِعْتُمْ به بأَرْضٍ فلا تَقْدَمُوا عليه، وإذَا وقَعَ بأَرْضٍ وأَنْتُمْ بهَا فلا تَخْرُجُوا فِرَارًا منه. قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ."الراوي :عبدالله بن عباس– صحيح البخاري. فاعترض أبو عُبَيْدةَ بنُ الجَرَّاحِ رَضِيَ اللهُ عنه على أمرِ رُجوعِهم، وقال لِعُمرَ رَضِيَ الله عنه"أفِرَارًا من قَدَرِ الله؟! فقال له عُمرُ: لو غَيْرُكَ قالها يا أبا عُبَيْدةَ؟!"أي: لو أنَّ غَيرَكَ مِمَّن ليس في منزِلَتِك ولا فَهْمَ له قال ذلك لعزَّرْتُه وَوَبَّخْتُه، أو المعنى: لو غيرُك قالها لم أتعَجَّبْ منه، ولكني أتعَجَّبُ منك مع عِلْمِك وفَضْلِك كيف تقولُ هذا؛ وذلك لاعتراضِه عليه في مسألةٍ اجتِهاديَّةٍ اتَّفَق عليها أكثَرُ النَّاسِ مِن أهلِ الحَلِّ والعَقدِ. وفي روايةِ مُسلِمٍ"وكان عُمَرُ يَكرَهُ خِلافَه"، أي: مخالفةَ أبي عُبَيدةَ؛ لشِدَّةِ وُثوقِه بعِلْمِه، وتقواه، ووَرَعِه. "....... فَنَادَى عُمَرُ في النَّاسِ: إنِّي مُصْبِحٌ علَى ظَهْرٍ، فأصْبِحُوا عليه، فَقالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِن قَدَرِ اللهِ؟ فَقالَ عُمَرُ: لو غَيْرُكَ قالَهَا يا أَبَا عُبَيْدَةَ،وَكانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلَافَهُ......"الراوي:عبدالله بن عباس - صحيح مسلم- الصفحة أو الرقم.2219. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وذلك دال على جلالة أبي عبيدة عند عمر.الإصابة: 2/244. ومن مناقبه -رضي الله عنه- أنه عليه الصلاة والسلام قرنه في المدح بالشيخين أبي بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهم جميعًا:
"نِعمَ الرَّجلُ أبو بَكْرٍ، نِعمَ الرَّجلُ عُمرُ، نِعمَ الرَّجلُ أبو عُبَيْدةَ بنُ الجرَّاحِ"الراوي :أبو هريرة- المحدث :الألباني- المصدر :صحيح الترمذي-الصفحة أو الرقم: 3759- خلاصة حكم المحدث :صحيح. ومن مناقبه -رضي الله عنه- أن وفاته كانت شهادة في سبيل الله فقد مات في الطاعون الذي حصل بأرض الشام زمن الفاروق -رضي الله عنه- ما تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، مَن قُتِلَ في سَبيلِ اللهِ فَهو شَهِيدٌ، قالَ: إنَّ شُهَداءَ أُمَّتي إذًا لَقَلِيلٌ، قالوا: فمَن هُمْ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: مَن قُتِلَ في سَبيلِ اللهِ فَهو شَهِيدٌ، ومَن ماتَ في سَبيلِ اللهِ فَهو شَهِيدٌ،ومَن ماتَ في الطَّاعُونِ فَهو شَهِيدٌ، ومَن ماتَ في البَطْنِ فَهو شَهِيدٌ، قالَ ابنُ مِقْسَمٍ: أشْهَدُ علَى أبِيكَ في هذا الحَديثِ أنَّه قالَ: والْغَرِيقُ شَهِيدٌ."الراوي : أبو هريرة - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم -الصفحة أو الرقم : 1915. والمُرادُ بِشَهادةِ هؤلاءِ كُلِّهم غيرِ المقتولِ في سبيلِ اللهِ أنَّهم يكونُ لهم في الآخِرةِ ثوابُ الشُّهداءِ، وأمَّا في الدُّنيا فَيُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عليهم. وقد اتفق العلماء على أن أبا عبيدة مات في طاعون عمواس بالشام سنة ثماني عشرة.الاستيعاب على حاشية الإصابة: 3/3، الإصابة:2/245. وصلى عليه معاذ بن جبل رضي الله عنه. الدرر السنية/الموسوعة العقدية
عشرةٌ في الجنَّةِ : أبو بَكْرٍ في الجنَّةِ ،وعُمرُ في الجنَّةِ ، وعليٌّ وعثمانُ والزُّبَيْرُ وطلحةُ وعبدُ الرَّحمنِ وأبوعُبَيْدةَ وسعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ . قالَ : فعدَّ هؤلاءِ التِّسعةَ وسَكَتَ عنِالعاشرِ ، فقالَ القومُ : ننشدُكَ اللَّهَ يا أبا الأعورِ منِ العاشرُ ؟ قالَ : نشدتُموني باللَّهِ ، أبو الأعوَرِ في الجنَّةِ"الراوي : سعيدبن زيد - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم: 3748 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.
ذكرنا نبذة عن المبشرين بالجنة وبقي أبو الأعور الذي هو - سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل- نعيش مع هذا الصحابي الجليل المبشر بالجنة في هذه السطور: هو أبو الأعور ،سعيد بن زيد بن عمروبن نفيل نفيل بن عبد العزى بن رباح ابن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشي العدوي ،أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، ومن السابقين الأولين ، كان أبوه زيد بن عمرو بن نفيل أحد الحنفاء الذين طلبوا دين الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام قبل أن يبعث النبي عليه الصلاة والسلام ، فقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يعش حتى بُعث. ، وكان لا يذبح للأصنام ولا يأكل الميتة والدم وكان يقول لقومه[FONT="]:يا معشر قريش والله لا آكل ما ذبح لغير الله، والله ما أحد على دين إبراهيم غيري .وأم سعيد بن زيد "فاطمة بنت بعجة بن مليح الخزاعية" كانت من السابقين إلى الإسلام، وهو ابن عم عمر بن الخطاب وصهره ؛كانت تحته فاطمة بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب ،وكانت أخته عاتكة بنت زيد بن عمرو تحت عمر بن الخطاب، أسلم قبل عمر بن الخطاب هو وزوجته فاطمة، وهاجرا، وكان من سادات الصحابة[FONT="].[/FONT] قال عروة والزهري وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق والواقدي وغير واحد[FONT="]:[/FONT]لم يشهد بدرًا لأنه قد كان بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وطلحة بن عبيد الله بين يديه يتجسسان أخبار قريش، فلم يرجعا حتى فرغ من بدر فضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهميهما وأجرهما، ولم يذكره عمر في أهل الشورى لئلا يُحَابَى بسبب قرابته من عمر فيولَى، فتركه لذلك ولم يتولَ بعده ولاية وما زال كذلكحتى مات. كتاب الموسوعة العقدية - الدرر السنية[/FONT] أبو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: اسم أبيه : زَيْد بن عَمْرِو بن نُفَيْل، كان على دين إبراهيم "أنَّ زَيْدَ بنَ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إلى الشَّأْمِ يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ، ويَتْبَعُهُ، فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ اليَهُودِ فَسَأَلَهُ عن دِينِهِمْ، فَقالَ: إنِّي لَعَلِّي أنْ أدِينَ دِينَكُمْ، فأخْبِرْنِي، فَقالَ: لا تَكُونُ علَى دِينِنَا حتَّى تَأْخُذَ بنَصِيبِكَ مِن غَضَبِ اللَّهِ، قالَ زَيْدٌ: ما أفِرُّ إلَّا مِن غَضَبِ اللَّهِ، ولَا أحْمِلُ مِن غَضَبِ اللَّهِ شيئًا أبَدًا، وأنَّى أسْتَطِيعُهُ! فَهلْ تَدُلُّنِي علَى غيرِهِ؟ قالَ: ماأعْلَمُهُ إلَّا أنْ يَكونَ حَنِيفًا، قالَ زَيْدٌ: وما الحَنِيفُ؟ قالَ: دِينُ إبْرَاهِيمَ؛ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا، ولَا نَصْرَانِيًّا، ولَا يَعْبُدُ إلَّا اللَّهَ، فَخَرَجَ زَيْدٌ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ النَّصَارَى فَذَكَرَ مِثْلَهُ،فَقالَ: لَنْ تَكُونَ علَى دِينِنَا حتَّى تَأْخُذَ بنَصِيبِكَ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ، قالَ: ما أفِرُّ إلَّا مِن لَعْنَةِ اللَّهِ، ولَا أحْمِلُ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ، ولَا مِن غَضَبِهِ شيئًا أبَدًا، وأنَّى أسْتَطِيعُ! فَهلْ تَدُلُّنِي علَى غيرِهِ؟ قالَ: ما أعْلَمُهُ إلَّا أنْ يَكونَ حَنِيفًا، قالَ: وما الحَنِيفُ؟قالَ: دِينُ إبْرَاهِيمَ؛ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا، ولَا نَصْرَانِيًّا، ولَايَعْبُدُ إلَّا اللَّهَ، فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ في إبْرَاهِيمَ عليه السَّلَامُ خَرَجَ، فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْهَدُ أنِّي علَى دِينِ إبْرَاهِيمَ."الراوي : عبدالله بن عمر - صحيح البخاري.الدرر .
"أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَقِيَ زَيْدَ بنَ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ بأَسْفَلِبَلْدَحٍ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ علَى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الوَحْيُ،فَقُدِّمَتْ إلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سُفْرَةٌ، فأبَى أنْ يَأْكُلَمنها، ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إنِّي لَسْتُ آكُلُ ممَّا تَذْبَحُونَ علَىأنْصَابِكُمْ، ولَا آكُلُ إلَّا ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عليه، وأنَّ زَيْدَ بنَ عَمْرٍو كانَ يَعِيبُ علَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، ويقولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللَّهُ، وأَنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّمَاءِ المَاءَ، وأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الأرْضِ،ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا علَى غيرِ اسْمِ اللَّهِ! إنْكَارًا لِذلكَ وإعْظَامًا له."الراوي : عبدالله بن عمر - صحيح البخاري الشرح: كانَ في الجاهِليَّةِ -وهي حِقْبةُ ما قبْلَ الإسْلامِ- مَن يَعبُدُ اللهَ سُبحانَه وتعالَى وحْدَه، ويَرفُضُ ما تَدْعو إليه هذه الجاهلِيَّةُ مِن عِبادةِ غَيرِ اللهِ والإشْراكِ به، ومِن هؤلاء زَيدُ بنُ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ. وفي هذا الحَديثِ يَرْوي عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَرَضيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّصلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَقيَ زَيدَ بنَ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ ببَلْدَحٍ، وهو وادٍ قِبلَ مكَّةَ مِن جِهةِ المَغرِبِ، أو مَكانٌ في طَريقِ التَّنْعيمِ، وزَيدٌ هو ابنُ عَمِّ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ بنِ نُفَيلٍ،وكان ممَّن طلَبَ التَّوْحيدَ وخلَعَ الأوْثانَ، وجانَبَ الشِّركَ، لكنَّه ماتَ قَبْلَ مَبعَثِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكان يَقولُ: أنا على دِينِ إبْراهيمَ، وكان إنْكارُه على قُرَيشٍ ما همْ فيه مِن قُوَّةِ يَقَظتِه، وجَوْدةِ فَهمِه، ومَنِ استعَمَلَ عَقلَه وفَهْمَه، دلَّه على الخالِقِ سُبحانَه. وفي هذا اللِّقاءِ قُدِّمَت إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سُفْرةٌ، أي: طَعامٌ يتَّخِذُه المُسافِرُ ويُحمَلُ في جِلدٍ مُستَديرٍ، فأبَى زَيدُ بنُ عَمرِو بنِنُفَيلٍ أنْ يَأكُلَ منها، ثمَّ خاطَب الَّذين قدَّموا السُّفْرةَ، فقال: إنِّيلَستُ آكُلُ ممَّا تَذبَحونَ على أنْصابِكم، وهي الأحْجارُ الَّتي كانت حَولَالكَعْبةِ يَذبَحونَ عليها للأصْنامِ، ولا آكُلُ إلَّا ما ذُكِرَ اسمُ اللهِ عليه. وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قبْلَ مَبعثِه لا يَأكُلُ مِن ذَبائِحهم لأصْنامِهم، وكان زَيدٌ يَعيبُ على قُرَيشٍ ذَبائحَهمُ الَّتي يَذبَحونَها لغَيرِ اللهِ،ويَقولُ لهم إنْكارًا لذلك الفِعلِ وإعْظامًا له: الشَّاةُ خلَقَها اللهُ، وأنزَلَ لها منَ السَّماءِ الماءَ لتَشرَبَه، وأنبَتَ لها منَ الأرضِ الكَلَأَ لتَأكُلَه،ثُمَّ تَذبَحونَها على غَيرِ اسمِ اللهِ! فتُشرِكونَ معَه غَيرَه في الذَّبحِ، وهذا مِن كُفرِ النِّعمةِ ومنَ الشِّركِ! الدرر. [FONT="]- قال ابن بطال – رحمه الله " كانت السفرة لقريش فقدموها للنبي – صلى الله عليه وسلم – فأبى أن يأكل منها ، فقدمها النبي – صلى الله عليه وسلم – لزيد بن عمرو ، فأبى أن يأكل منها ، وقال مخاطبًا لقريش الذين قدموها أولًا : إنا لا نأكل ما ذبح على أنصابكم " عمدة القاري 11/540"[/FONT] وكان زيد يُحيي الموؤدةَ :
عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ قالَت : رأيتُ زيدَ بنَ عمرِو بنِ نُفَيْلٍ قائمًا مسنِدًا ظَهْرَهُ إلى الكَعبةِ يقولُ: يا معشر قُرَيْشٍ، واللَّهِ ما مِنكُم علَى دينِ إبراهيمَ علَيهِ السَّلامُ غيري، وَكانَ يُحيي الموؤدةَ ، يقولُ للرَّجلِ إذا أرادَ أن يقتُلَ ابنتَهُ، لا أَنا أَكْفيكَ مؤنتَها، فيأخذُها فإذا ترَعرعَتْ قالَ لأبيها[FONT="] : إن شئتَ دفعتُها إليكَ ، وإن شت كفيتُكَ مؤنتَها"الراوي: أسماء بنت أبي بكر- المحدث : الألباني- المصدر : فقه السيرة[FONT="]-[/FONT]الصفحة أو الرقم- [FONT="]84[/FONT]- خلاصة حكمالمحدث : صحيح والبخاري إنما خرجه معلقا.[/FONT] يُبعثُ أمَّةً وحدَه يومَ القيامةِ : "......ماتَ زيدُ بنُ عمرو بنِ نُفَيْلٍ قَبلَ أن يبعثَ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ:يأتي يومَ القيامةِ أمَّةً واحدة"الراوي :زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم - المحدث : الوادعي - المصدر :الصحيح المسند -الصفحة أو الرقم: 362 - خلاصة حكم المحدث : حسن.
سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ زَيْدٍ، يقولُ لِلْقَوْمِ: لو رَأَيْتُنِي مُوثِقِي عُمَرُ علَى الإسْلَامِ، أنَا وأُخْتُهُ، وما أسْلَمَ، ولو أنَّ أُحُدًا انْقَضَّ لِما صَنَعْتُمْ بعُثْمَانَ، لَكانَ مَحْقُوقًا أنْ يَنْقَضَّ[FONT="]."الراوي : قيس بن أبي حازم-صحيح البخاري.[/FONT]
عن قَيسِ بنِ أبي حازِمٍ قال: سَمِعتُ سَعيدَ بنَ زَيدٍ يَقولُ للقَومِ في مَسجِدِ الكُوفةِ "واللهِ لقَد رَأيتُني وإنَّ عُمَرَ لِمُوثِقي عَلى الإسلامِ قَبلَ أن يُسْلِمَ عُمَرُ، ولو أنَّ أحَدًا ارفَضَّ للَّذي صَنَعتُم بعُثمانَ لكانَ مَحقوقًا أن يَرفَضَّ"صحيح البخاري. شرح الحديث: اللهُ سُبحانَه وتعالَى يَهْدي لنُورِه مَن يَشاءُ؛ فقدْ كان عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه مِن أشدِّ النَّاسِ عَداوةً للمُسلِمينَ بادئَ الأمرِ، ثُمَّ منَّ اللهُ تعالَى عليه بالإسْلامِ، فكان إسْلامُه نَصرًا للمُسلِمينَ، ولم يزَلْ مَصدَرَ عِزَّةٍ للإسْلامِ وأهلِه إلى أنْ قُتِلَ رَضيَ اللهُ عنه[FONT="].[/FONT] وفي هذا الحَديثِ يَذكُرُ سَعيدُ بنُ زَيدِ بنِ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ رَضيَ اللهُ عنه -وكان زَوجَ فاطمةَ بنتِ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنها أُختِ عُمَرَ، وكان يُحدِّثُ بهذا الحَديثِ في مَسجِدِ الكوفةِ: أنَّ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه كان يُوثِقُه على الإسْلامِ، أي: يَربِطُه بحَبلٍ ونَحوِه بسبَبِ إسْلامِه؛ إهانةً له، وإلزامًا له للرُّجوعِ عنِ الإسْلامِ[FONT="]. [/FONT] ثُمَّ يقولُ سَعيدُ بنُ زَيدٍ رَضيَ اللهُ عنه"ولو أنَّ أُحُدًا ارْفَضَّ للَّذي صنَعْتُم بعُثْمانَ لكان!" أي: لو أنَّ أُحُدًا -وهو الجَبَلُ المَعروفُ بالمَدينةِ المُنوَّرةِ- انقَضَّ وزالَ مِن مَكانِه، وتَفرَّقَتْ أجْزاؤُه؛ لِمَا وقَعَ لعُثْمانَ بنِ عفَّانَ رَضيَ اللهُ عنه منَ القَتلِ [FONT="]– " لَكانَ مَحْقُوقًا أنْ يَنْقَضَّ[FONT="].[/FONT]" أو " لكانَ مَحقوقًا أن يَرفَضَّ "لكان حَقيقًا بهذا الارْفِضاضِ، وإنَّما قال سَعيدٌ رَضيَ اللهُ عنه ذلك؛ لعِظَمِ جَريمةِ قَتلِ عُثْمانَ رَضيَ اللهُ عنه[FONT="].[/FONT] وفي ذِكرِ ما فعَل عُمَرُ معَ ما صَنَعوا بعُثْمانَ، وتَعقيبِه بقولِه[FONT="]"[/FONT]ولَو أَنَّ أُحُدًا ارْفَضَّ[FONT="]"[/FONT] إشارةٌ لَطيفةٌ؛ وهي أنَّ الأحْوالَ قد تُفْضِي بالنَّاسِ إلى أنْ يَكونوا على ضَلالةٍ وهُمْ يَحْسَبونَ أنَّهم مُهْتَدونَ، كما أنَّ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه كان قبْلَ إسْلامِه يَرى خَطأَه صَوابًا في ربْطِ أُخْتِه وزَوجِها؛ ليَرُدَّهما إلى الكُفرِ وعنِ الإسْلامِ؛ فكذلك مَن رَأى ما فُعِلَ بعُثْمانَ صَوابًا، كأنَّ سَعيدَ بنَ زَيدٍ رَضيَ اللهُ عنه يَتعجَّبُ مِن انْقِلابِ الزَّمانِ في هذه المُدَّةِ اليَسيرةِ، حيثُ إنَّ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه كان حبَسَه على الإسْلامِ وهو كافرٌ، وأنتمْ قتَلْتُم عُثْمانَ وأنتم مُسلِمونَ، وهو على الإسْلامِ أيضًا، فكيف انقَلَبَ الزَّمانُ على هذا الحالِ[FONT="]! [/FONT] والمَعنى: أنَّ هذا الَّذي فعَلْتُم بعُثْمانَ -يا مَن رَأيْتُموه صَوابًا[FONT="]- [/FONT]هو مِن ذلك الجِنسِ وذلك الحَيِّزِ، وأنَّه عندَ مَن يُؤمِنُ باللهِ العَظيمِ عظيمٌ وخطيرٌ، حتَّى لو قدْ زالَ وانقَضَّ له جَبلُ أُحُدٍ، لكان جَديرًا به هذا الزَّوالُ؛ لعِظَمِ ما صنَعْتُم وهَولِه[FONT="].[/FONT] وفي الحَديثِ: فَضيلةُ سَعيدِ بنِ زَيدٍ رَضيَ اللهُ عنه بثَباتِه على الحقِّ بِدايةَ إسْلامِه، وإنْكارِه على قَتَلةِ عُثْمانَ بنِ عفَّانَ رَضيَ اللهُ عنه.الدرر.[/FONT] من كرامة الله -عز وجل- لسعيد بن زيد أن الله أجاب دعوته لما ظُلِم وشاهدها حيًّا قبل أن يموت:
"أنَّ أَرْوَى بنْتَ أُوَيْسٍ، ادَّعَتْ علَى سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ أنَّهُ أَخَذَ شيئًا مِن أَرْضِهَا، فَخَاصَمَتْهُ إلى مَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ، فَقالَ سَعِيدٌ: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِن أَرْضِهَا شيئًا بَعْدَ الذي سَمِعْتُ مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: وَما سَمِعْتَ مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ؟ قالَ: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: مَن أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ ظُلْمًا، طُوِّقَهُ إلى سَبْعِ أَرَضِينَ، فَقالَ له مَرْوَانُ: لا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هذا[FONT="]. فَقالَ: اللَّهُمَّ، إنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَعَمِّ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا في أَرْضِهَا[FONT="]. [/FONT]قالَ: فَما مَاتَتْ حتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، ثُمَّ بيْنَا هي تَمْشِي في أَرْضِهَا، إذْ وَقَعَتْ في حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ[FONT="]".[/FONT]الراوي : عروة بن الزبير-صحيح مسلم.[/FONT]
"أنَّ أَرْوَى خَاصَمَتْهُ في بَعْضِ دَارِهِ، فَقالَ: دَعُوهَا وإيَّاهَا، فإنِّي سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: مَن أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ بغيرِ حَقِّهِ، طُوِّقَهُ في سَبْعِ أَرَضِينَ يَومَ القِيَامَةِ، اللَّهُمَّ، إنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فأعْمِ بَصَرَهَا، وَاجْعَلْ قَبْرَهَا في دَارِهَا[FONT="]. قالَ: فَرَأَيْتُهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الجُدُرَ تَقُولُ[FONT="]: [/FONT]أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ، فَبيْنَما هي تَمْشِي في الدَّارِ مَرَّتْ علَى بئْرٍ في الدَّارِ، فَوَقَعَتْ فِيهَا، فَكَانَتْ قَبْرَهَا[FONT="].[/FONT]" الراوي : سعيد بن زيد/صحيح مسلم.[/FONT]
في الحَديثِ: أنَّ المالَ المُقتَطَعَ مِنَ المُسلِمِ بغَيرِ وَجْهِ حَقٍّ؛ لا يُبارَكُ فيه[FONT="]. [/FONT] وقَولُه "شِبرٍ" ليسَ المَقصودُ منه المِقدارَ، بلِ المَقصودُ التَّقليلُ؛ فيَشمَلُ ما فَوقَه وما دُونَه. طُوِّقَهُ في سَبْعِ أَرَضِينَ يَومَ القِيَامَةِ :والمقصود من هذا الحذر من ظلم الأرض والتَّعدي عليها، وأن ذلك مما يؤدي إلى هذه العقوبة العظيمة، طُوِّقَهُ إلى سَبْعِ أَرَضِينَ: قيل: - طُوِّقَه مِن سَبعِ أرَضينَ يَومَ القيامةِ، فيُجعَلُ هذا المِقدارُ مِنَ الأرضِ كالطَّوقِ يُحيطُ به يَومَ القيامةِ؛ عِقابًا له، وقيلَ: يُطوَّقُ ما يَكونُ ثِقَلَ المَغصوبِ مِن سَبْعِ أرَضينَ، وقيلَ: مَعناه: أنَّه يُخسَفُ به الأرضُ؛ فتَصيرُ البُقعةُ المَغصوبةُ في عُنُقِه كالطَّوقِ، وقيلَ: مَعناه: يُطوَّقُ حَمْلَها يَومَ القيامةِ، ويَستَمِرُّ ذلك حتَّى يُفرَغَ مِن حِسابِ النَّاسِ[FONT="].[/FONT] ومِن مَناقِبِه رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخبَرَ بأنَّه مِنَ الصِّدِّيقين أوِ الشُّهداءِ[FONT="].[/FONT]
"أشْهدُ على التِّسعةِ أنَّهم في الجنَّةِ ولو شَهدتُ على العاشرِ لم آثَمْ. قيلَ وَكيفَ ذلِكَ قالَ كنَّا معَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وسلم بحِراءَ فقالَ "اثبت حراءُ فإنَّهُ ليسَ عليْكَ إلاَّ نبِيٌّ أو صدِّيقٌ أو شَهيدٌ "قيلَ ومن هم قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وسلم "وأبو بَكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ وطلحةُ والزُّبيرُ وسعدٌ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ." قيلَ فمنِ العاشرُ قالَ أنا[FONT="] .الراوي :سعيد بن زيد-المحدث : الألباني-المصدر :صحيح الترمذي.[/FONT]
ففي هذا فضيلة عظيمة لسعيد بن زيد -رضي الله عنه- حيث شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة وإن مات على فراشه فهو شهيد لخبر الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام بذلك.
أنَّ سَعِيدَ بنَ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ [FONT="]-وكانَ بَدْرِيًّا- مَرِضَ في يَومِ جُمُعَةٍ، فَرَكِبَ إلَيْهِ بَعْدَ أنْ تَعَالَى النَّهَارُ، واقْتَرَبَتِ الجُمُعَةُ، وتَرَكَ الجُمُعَةَ[FONT="].[/FONT]"[/FONT]الراوي : عبدالله بن عمر – صحيح البخاري. شرح الحديث: حقُّ المُسلِمِ على أخيه المُسلِمِ عَظيمٌ، ويَعظُمُ هذا الحقُّ إذا وقَع المُسلِمُ في ضِيقٍ، أو كَرْبٍ، أوِ اشتَدَّ عليه المرَضُ. وفي هذا الحَديثِ يَرْوي التَّابِعيُّ نافِعٌ مَوْلى عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، أنَّ الصَّحابيَّ سَعيدَ بنَ زَيدٍ رَضيَ اللهُ عنه مرِضَ في يَومِ جُمُعةٍ، وكان بَدْريًّا، وهو مِن العَشَرةِ المُبشَّرينَ بالجَنَّةِ، وإنَّما نُسِبَ إليه كَوْنُه بَدْريًّا معَ أنَّه لم يَشهَدْ بَدرًا؛ لأنَّه كان ممَّن ضَرَب له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بسَهْمِه وأجْرِه؛ وذلك لأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعَثَه وطَلْحةَ بنَ عُبَيدِ اللهِ رَضيَ اللهُ عنهما إلى طَريقِ الشَّامِ يتَحَسَّسانِ الأخْبارَ عن عِيرِ وقافِلةِ أهلِ مكَّةَ، ففاتَهما وَقْعةُ بَدرٍ، فضرَبَ لهما النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بسَهْمَيْهما وأجْرَيْهما، فعُدَّا بذلك مِن أهلِ بَدرٍ. فلمَّا ذُكِرَ لعَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ سَعيدَ بنَ زَيدٍ رَضيَ اللهُ عنه مرِضَ، ركِبَ دابَّتَه ليَعودَه في مرَضِه، وذلك بعْدَ أنْ تَعالَى النَّهارُ، أي: ظهَر وارتَفَعَ، واقتَرَبَ دُخولُ وَقتِ الجُمُعةِ، فترَكَ ابنُ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما صَلاةَ الجُمُعةِ، وذهَبَ إليه يَزورُه؛ وذلك لعُذْرٍ، وهو إشْرافُ قَريبِه على الهَلاكِ، ولشدَّةِ حاجةِ الميِّتِ حينَئذٍ إلى مَن يَنظُرُ منه، ويَرفُقُ به، ويَقومُ عليه، وقدْ كان سَعيدٌ ابنَ عمِّ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ، وزَوجَ أُختِه، وقد رُوِيَ ذلك صَريحًا في السُّنَنِ الكُبْرى للبَيْهَقيِّ: أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما دُعيَ إلى سَعيدِ بنِ زَيدٍ رَضيَ اللهُ عنه وهو يَموتُ، وقد كان ابنُ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما حينَها يَستَجمِرُ، ويَتطَيَّبُ استِعْدادًا للجُمُعةِ. وفي الحَديثِ: بَيانُ مَكانةِ سَعيدِ بنِ زَيدٍ ومَنْقَبَتِه. وفيه: بَيانُ أنَّ القيامَ على الميِّتِ رُخْصةٌ تُبيحُ تَرْكَ الواجِباتِ. الدرر. وفاة سعيدبن زَيْد بن عَمْرِو بن نُفَيْل:
بعد عُمر عامر بالجهاد والعطاء، وحياة مليئة بالكفاح في دين الله، توفي الصحابي الجليل، وأحد المبشرين بالجنّة، بمكان يدعَى العقيق، وحُمِل على رقاب الرجال، فدفن بالمدينة، ونزل في حفرته سعد ابن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وذلك سنة خمسين أو إحدى وخمسين، وكان يوم مات ابن بضع وسبعين سنة. أخرجه ابن سعد في الطبقات: 3/379..[/FONT]
ثُمَّ-مِنْ-بَعْدِ أَصْحَابِ الشُّورَى أَهْلُ بَدْرٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ، ثُمَّ أَهْلُ بَدْرٍ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-عَلَى قَدْرِ الهِجْرَةِ وَالسَّابِقَةِ أَوَّلاً فَأَوَّلًا،......... الشرح: أفضل الصحابة : أبو بكر الصديق ، ثم عمر بن الخطاب ، ثم عثمان بن عفان ، ثم علي بن أبي طالب ، ثم الزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وسعيد بن زيد رضي الله عنهم أجمعين ، وهؤلاء هم العشرة المبشرون بالجنة ، وكلهم من المهاجرين . ثم من بعد أصحاب الشورى أهل بدر من المهاجرين، ثم أهل بدر من الأنصار، ويتفاضلون على قدر الهجرة والسابقة للإسلام، أولا فأول، يعني من تقدمت هجرته أفضل، ومن تقدم إسلامه أفضل. المهاجرون هم الذين أسلموا قبل فتح مكة وهاجروا إلى المدينة بعدما ضيّقت عليهم قريش وآذتهم، فتركوا بلادهم وأموالهم وأهليهم، رغبة فيما عند الله، وابتغاء مرضاته، ونصرة لهذا الدين، وبلغ عددهم تسعون وقيل مئة. من الآيات التي أثنى الله فيها على المهاجرين : قول تعالى "لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ"الحشر:8. وهذه شهادة من الله عز وجل لهم بطهارة قلوبهم ، وأنهم ما خرجوا من ديارهم وأموالهم من أجل دنيا يصيبونها ، وإنما خرجوا طلبًا فيما عند الله ، ونصرة لدينه ، وكانوا صادقين في إيمانهم وأعمالهم وأقوالهم . الأنصار هم الصحابة الكرام، الذين استقبلوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والمهاجرين -رضي الله عنهم- في المدينة المنورة بعدما هاجروا من مكّة إليهم، فنصروهم وأكرموهم، وآثروهم على أنفسم رغم ما بهم من ضيق الحال، وكانوا مثالًا يُقتدى به في الكرم والإخاء وصدق المحبّة للنبي عليه الصّلاة والسّلام، وأثنى الله تعالى على الأنصار فقال " وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" الحشر/ 9. أي : الذين سكنوا المدينة النبوية قبل المهاجرين ، وآمنوا قبل كثير من المهاجرين ، فهؤلاء الأنصار أحبوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه المهاجرين محبة صادقة " يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ " ولم يحسدوا المهاجرين على ما أعطاهم الله عز وجل من الفضل والشرف ، لأن المهاجرين أفضل من الأنصار ، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم " لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ " رواه البخاري :4330 . أرادَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بهذا الكلامِ إكرامَ الأنصارِ، وبيانَ أنَّه لا رُتْبةَ بعدَ الهِجرةِ أعلى مِنَ النُّصرةِ، وبيانَ أنَّهم بلَغوا مِنَ الكرامةِ مَبْلغًا لولا أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِنَ الْمُهاجرينَ إلى المدينةِ لَعَدَّ نفْسَه مِنَ الأنصارِ؛ وهذا لِأَنَّ فضْلَ المهاجرينَ السَّابقينَ الَّذينَ أُخْرِجوا مِن دِيارِهم، وقُطِعوا عن أقارِبهم وأحبابِهم، وحُرِموا أوطانَهم وأموالَهم- أكبرُ مِنَ الأنصارِ.الدرر. فإن المهاجرين أفضل من الأنصار وفي كل خير. معركة بدر: ك: ثُمَّ- مِنْ-بَعْدِ أَصْحَابِ الشُّورَى أَهْلُ بَدْرٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ، ثُمَّ أَهْلُ بَدْرٍ مِنَ الأَنْصَارِ. ش:فأهل بدر قسمان: مهاجرون وأنصار، فالمهاجرون من أهل بدر أفضل، ثم يليهم الأنصار من أهل بدر كما سبق توضيحه. لذلك يقال في تراجم الصحابة إذا كان الصحابي شهد غزوة بدر ؛يقال عنه بدري ،لأن أهل بدر لهم فضيلة خاصة أكرمهم بها الله عز وجل . " لَعَلَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ اطَّلَعَ علَى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ "الراوي : علي بن أبي طالب-صحيح البخاري. وقعت معركة بدر في صبيحة يوم الإثنين السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة، وبدر ماء مشهور بين مكة والمدينة. قال الرَّسولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لأصحابِه" هذه عيرُ قُريشٍ، فيها أموالُهم، فاخرُجوا إليها، لعلَّ اللهَ يُنفِلُكُموها ."الراوي : عبدالله بن عباس - المحدث : الألباني - المصدر : فقه السيرة- الصفحة أو الرقم : 218 - خلاصة حكم المحدث : صحيح. الشرح:بعَثَ اللهُ نَبيَّه بالرِّسالةِ لدَعْوةِ قَومِه، ولكنَّه لاقى مِن كُفَّارِ مكَّةَ الصَّدَّ والإعراضَ وتَعذيبَ أصحابِه، ولمَّا هاجَروا إلى المَدينةِ، ترَكوا دورَهم وأمْوالَهم، وفَرُّوا إلى اللهِ ولنُصرةِ دِينِه، ولمَّا كانتْ رِحلةُ قُرَيشٍ بالتِّجارةِ إلى الشَّامِ ذَهابًا وإيابًا، تَمُرُّ قَريبًا مِن المَدينةِ، فقال الرَّسولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لأصحابِه "هذه عِيرُ قُرَيشٍ"، أي: جِمالُ قُرَيشٍ التي تَحمِلُ تِجارتَهم وأمْوالَهم، في طريقِ العَودةِ مِن الشَّامِ إلى مكَّةَ، "فيها أمْوالُهم، فاخرُجوا إليها"؛ لمُلاقاتِها والتَّعرُّضِ لها، "لعلَّ اللهَ يُنفِّلُكموها"، نفَل القائدُ الجُندَ: جعَل لهم ما غَنِموا. وهذا رَجاءٌ مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يُمكِّنَهم اللهُ مِن الحُصولِ على هذه القافلةِ؛ تَعويضًا عن أمْوالِهم التي ترَكوها في مكَّةَ.الدرر السنية.
فقد بلغ المسلمون تحرك قافلة كبيرة تحمل أموالًا عظيمة لقريش عائدة من الشام بقيادة أبي سفيان، صخر بن حرب، فانتدب النبي، صلى الله عليه وسلم، أصحابه للخروج، وتعجل بمن كان مستعدًا للخروج دون انتظار سكان العوالي لئلا تفوتهم القافلة، ولذلك لم يكن خروج المسلمين بكامل طاقتهم العسكرية في معركة بدر، فهم خرجوا لأخذ القافلة، ولم يكن في حسبانهم مواجهة جيش قريش.وقد خرج من المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا.ولم يكن معهم إلا فَرَسان، وسبعون بعيًرا يتعاقبون على ركوبها. عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ قالَ: كُنّا يومَ بدرٍ كلُّ ثلاثةٍ على بعيرٍ.الوادعي ، الصحيح المسند ، حسن. فوعد اللّه المؤمنين إحدى الطائفتين، إما أن يظفروا بالعير، أو بالنفير.قال تعالى"وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ"الأنفال:7. وعلِمَ أبو سفيان بخروج المسلمين لأخذ القافلة، فسلك بها طريق الساحل ونجا من المسلمين ؛لكن أبي جهل أصر على حرب المسلمين . ولم يعد هدف قريش نجاة القافلة، بل تأديب المسلمين، وتأمين طرق التجارة، وإعلام العرب بقوة قريش وهيبتها.وجهز أبو جهل جيش عدده ألف مقاتل.ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم نجاة القافلة، وإصرار قريش على قتاله صلى الله عليه وسلم شاور أصحابه ، وقرر قتال المشركين، ووصل إلى ماء بدر قبل المشركين.وبدأت المعركة.ثم التقى الجيشان في ملحمة كبيرة، وأمد الله سبحانه وتعالى المسلمين بالملائكة يوم المعركة، قال تعالى"إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" الأنفال: 9-10،لما قارب التقاؤكم بعدوكم، استغثتم بربكم، وطلبتم منه أن يعينكم وينصركم فَاسْتَجَابَ لَكُمْ وأغاثكم بعدة أمور:. منها: أن اللّه أمدكم بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ أي: يردف بعضهم بعضا، أي متلاحقين.. وقال"إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ" الأنفال:12.أوحى اللهُ إلى الملائكةِ أَنِّي مَعَكُمْ بالعون والنصر والتأييد، فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا أي: ألقوا في قلوبهم، وألهموهم الجراءة على عدوهم، ورغبوهم في الجهاد وفضله. سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ الذي هو أعظم جند لكم عليهم،فإن اللّه إذا ثبت المؤمنين وألقى الرعب في قلوب الكافرين، لم يقدر الكافرون على الثبات لهم ومنحهم اللّه أكتافهم.فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ: أي: على الرقاب. وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ:أي: كل مفصل.تفسير السعدي. "لَمَّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ إلى المُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِئَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ القِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ برَبِّهِ: اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لي ما وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ ما وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هذِه العِصَابَةَ مِن أَهْلِ الإسْلَامِ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ، فَما زَالَ يَهْتِفُ برَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، حتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عن مَنْكِبَيْهِ، فأتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فأخَذَ رِدَاءَهُ، فألْقَاهُ علَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ التَزَمَهُ مِن وَرَائِهِ، وَقالَ: يا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فإنَّه سَيُنْجِزُ لكَ ما وَعَدَكَ، فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ"إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بأَلْفٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ" فأمَدَّهُ اللَّهُ بالمَلَائِكَةِ. قالَ أَبُو زُمَيْلٍ: فَحدَّثَني ابنُ عَبَّاسٍ، قالَ: بيْنَما رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَومَئذٍ يَشْتَدُّ في أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الفَارِسِ يقولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فَنَظَرَ إلى المُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إلَيْهِ فَإِذَا هو قدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ فَاخْضَرَّ ذلكَ أَجْمَعُ، فَجَاءَ الأنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ بذلكَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ: صَدَقْتَ، ذلكَ مِن مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَقَتَلُوا يَومَئذٍ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ.قالَ أَبُو زُمَيْلٍ، قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أَسَرُوا الأُسَارَى، قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ لأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ: ما تَرَوْنَ في هَؤُلَاءِ الأُسَارَى؟ فَقالَ أَبُو بَكْرٍ: يا نَبِيَّ اللهِ، هُمْ بَنُو العَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ منهمْ فِدْيَةً فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً علَى الكُفَّارِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلإِسْلَامِ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: ما تَرَى يا ابْنَ الخَطَّابِ؟ قُلتُ: لا وَاللَّهِ يا رَسولَ اللهِ، ما أَرَى الذي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِن عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّي مِن فُلَانٍ نَسِيبًا لِعُمَرَ، فأضْرِبَ عُنُقَهُ، فإنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا، فَهَوِيَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ ما قالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ ما قُلتُ، فَلَمَّا كانَ مِنَ الغَدِ جِئْتُ، فَإِذَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي مِن أَيِّ شيءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فإنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وإنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِن أَخْذِهِمِ الفِدَاءَ، لقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِن هذِه الشَّجَرَةِ، شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِن نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ"ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكونَ له أَسْرَى حتَّى يُثْخِنَ في الأرْضِ" إلى قَوْلِهِ "فَكُلُوا ممَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا" فأحَلَّ اللَّهُ الغَنِيمَةَ لهمْ.الراوي : عبدالله بن عباس وعمر بن الخطاب - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم-الصفحة أو الرقم : 1763 - خلاصة حكم المحدث :صحيح. حَيْزومُ، أي: يا حَيْزومُ، وهو اسمُ فرَسِه.
وانتصر المسلمون انتصارًا ساحقًا وأبلوا بلاء حسنًا فغيروا وجه الأرض ووجه التاريخ، وأذلوا وأرغموا أنوف صناديد الكفر في مكة، بل وفي شبه الجزيرة العربية كلها، وفر بقية المشركين، لا يلوون على شيء، تاركين وراءهم غنائم كثيرة في أرض المعركة.وقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم في أهل بدر الذين خاضوا المعركة معه" لَعَلَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ اطَّلَعَ علَى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ:اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ "الراوي : علي بن أبي طالب-صحيح البخاري.
وقد ضرب صلى الله عليه وسلم لتسعة من الصحابة لم يحضروا غزوة بدر لأعمال كلفهم بها، ومنهم: عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وطلحةُ بنُ عُبيدِ اللهِ ، و سعيد بن زَيْد بن عَمْرِو بن نُفَيْل ...... وأهل بدر يتفاضلون في أنفسهم حسب الهجرة والسبق للإسلام. وهذا نموذج لبدري وهو الصحابي البدري المهاجري؛ حاطب بن أبي بلتعة، فعل ما يستوجب العقاب ولكن شفع له كونه بدريًّا : *قال عَليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه : بَعَثَنِي رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَا، والزُّبَيْرَ، والمِقْدَادَ، فَقالَ: انْطَلِقُوا حتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ؛ فإنَّ بهَا ظَعِينَةً معهَا كِتَابٌ، فَخُذُوه منها. قالَ: فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بنَا خَيْلُنَا حتَّى أتَيْنَا الرَّوْضَةَ، فَإِذَا نَحْنُ بالظَّعِينَةِ، قُلْنَا لَهَا: أخْرِجِي الكِتَابَ،قالَتْ: ما مَعِي كِتَابٌ،فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ، أوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، قالَ: فأخْرَجَتْهُ مِن عِقَاصِهَا، فأتَيْنَا به رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَإِذَا فِيهِ: مِن حَاطِبِ بنِ أبِي بَلْتَعَةَ، إلى نَاسٍ بمَكَّةَ مِنَ المُشْرِكِينَ، يُخْبِرُهُمْ ببَعْضِ أمْرِ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا حَاطِبُ، ما هذا؟!قالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، لا تَعْجَلْ عَلَيَّ؛ إنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ -يقولُ: كُنْتُ حَلِيفًا، ولَمْ أكُنْ مِن أنْفُسِهَا- وكانَ مَن معكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ مَن لهمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ أهْلِيهِمْ وأَمْوَالَهُمْ، فأحْبَبْتُ -إذْ فَاتَنِي ذلكَ مِنَ النَّسَبِ فيهم- أنْ أتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي، ولَمْ أفْعَلْهُ ارْتِدَادًا عن دِينِي، ولَا رِضًا بالكُفْرِ بَعْدَ الإسْلَامِ،، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أمَا إنَّه قدْ صَدَقَكُمْ، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسولَ اللَّهِ، دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هذا المُنَافِقِ، فَقالَ: إنَّه قدْ شَهِدَ بَدْرًا، وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ علَى مَن شَهِدَ بَدْرًا، فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ؛ فقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ. فأنْزَلَ اللَّهُ السُّورَةَ"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ" إلى قَوْلِهِ"فقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ"الممتحنة: 1.الراوي : علي بن أبي طالب -صحيح البخاري. الشرح:الخَطأُ والتَّقصيرُ صِفةٌ مُلازِمةٌ لجَميعِ البشَرِ، إلَّا مَن عصَمَهمُ اللهُ عزَّ وجلَّ مِن أنْبيائِه ورُسُلِه، والْتِماسُ الأعْذارِ للصَّالِحينَ وأصْحابِ سابِقاتِ الخَيرِ مِن شِيَمِ الكِرامِ. وفي هذا الحَديثِ يَحْكي عَليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمَرَه هو، والزُّبَيرَ بنَ العَوَّامِ، والمِقْدادَ بنَ الأسوَدِ رَضيَ اللهُ عنهم؛ أنْ يَنطَلِقوا حتَّى يَأْتوا "رَوْضةَ خاخٍ"، وهي مَوضِعٌ بيْن مكَّةَ والمَدينةِ، يَبعُدُ عنِ المَدينةِ اثنَيْ عشَرَ ميلًا؛ فإنَّ بهذا المَكانِ ظَعينةً، أي: امْرأةً مُسافِرةً في هَودَجٍ - معَها رسالةٌ مكتوبةٌ، فلْيَأخُذوا منها هذه الرِّسالةَ. فانطَلَقوا تَجْري بهم خَيلُهم حتَّى أتَوُا الرَّوْضةَ الَّتي ذكَرَها لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فوَجَدوا المرأةَ، وأمَروها أنْ تُخرِجَ الكِتابَ الَّذي معَها، فأنكَرَتْ أنَّ معَها كِتابًا، فأخْبَروها إمَّا أنْ تُخرِجَ الكِتابَ، أو يَخْلَعوا بأنفُسِهم عنها ثِيابَها حتَّىيَجِدوا الكتابَ، وهذا تَهديدٌ شَديدٌ لها، فأخرَجَتْه مِن عِقاصِها، وهو الشَّعرُ المَضْفورُ، أو الخَيْطُ الَّذي يُشَدُّ به أطْرافُ ذَوائبِ الشَّعرِ. وأحْضَروا الكتابَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقُرِئَ، فإذامكتوبٌ فيه: مِن حاطِبِ بنِ أبي بَلْتَعةَ، إلى ناسٍ بمكَّةَ منَ المُشرِكينَ،قيلَ: همْ صَفْوانُ بنُ أُمَيَّةَ، وسُهَيلُ بنُ عَمْرٍو، وعِكْرِمةُ بنُ أبي جَهلٍ. ويُخبِرُهم حاطبٌ رَضيَ اللهُ عنه في هذا الكتابِ ببَعضِ أمرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ مِن كَونِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ عزَمَ على غَزوِ مكَّةَ، وتَجهَّزَ لفَتحِها. فسَألَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حاطِبًا عن رِسالَتِه تلك وقال" ما هذا؟"، فطَلَبَ حاطبٌ رَضيَ اللهُ عنه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ألَّا يَعجَلَ عَليه، وبيَّن سَببَ فِعلِه.......، وأنَّه لم يَفعَلْ ذلك ارْتِدادًا عن دِينِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ولا رِضًا بالكُفرِ بعْدَ الإسْلامِ، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أمَا أنَّه قدْ صَدَقَكم، فقال عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه: يا رَسولَ اللهِ، دَعْني أضرِبْ عُنُقَ هذا المُنافِقِ......، ولم يَأذَنْ رَسولُ اللهِ في قَتلِ حاطِبٍ رَضيَ اللهُ عنه، وبيَّنَ العِلَّةَ في تَرْكِ قَتلِه؛ فقالصلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "إنَّه قد شَهِدَ بَدرًا، وما يُدْريكَ لعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ على مَن شَهِدَ بَدرًا فقال:اعْمَلوا ما شِئْتم؛ فقدْ غفَرْتُ لكم"، وهذا خِطابُ تَشريفٍ وإكْرامٍ "اعْمَلوا ما شِئْتم"، أي: في المُستَقبَلِ؛ فقدْ غفَرْتُ لكم، والمُرادُ الغُفْرانُ لهم في الآخِرةِ، وعبَّرَ عمَّا سيَأْتي في الآخِرةِ بالفعلِ الماضي مُبالَغةً في تَحقُّقِه. و قبِلَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عُذرَ حاطبٍ رَضيَ اللهُ عنه؛ لمَا علِمَ مِن صحَّةِ عَقيدَتِه، وسَلامةِ قَلبِه....... وفي الحَديثِ: البَيانُ عَن بَعضِ أعْلامِ النُّبوَّةِ؛ وذلك إعْلامُ اللهِ تعالَى نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بخَبَرِ المَرْأةِ الحامِلةِ كِتابَ حاطِبٍ إلى قُرَيشٍ، ومَكانِها الَّذي هي به، وذلك كُلُّه بالوَحيِ.الدرر. ثم يلي أهل بدرأهل بيعة الرضوان: ثم من بعد هؤلاء أهل بيعة الرضوان، وهم الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، وكانوا ألفًا وأربعمائة. فبايعوه تحت شجرة على قتال المشركين، وأن لا يفروا ولو كانوا في حال يجوز الفرار فيها حتى يموتوا .فأثنى الله عليهم وعلى صدقهم ،وكل هذا لزيادة التأكيد والتقوية، وحملهم على الوفاء بها. قال الله تعالى"لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ "الفتح:18، وقال الله تعالى"إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ....." الفتح:10. قال صلى الله عليه وسلم"لا يَدْخُلُ النَّارَ، إنْ شاءَ اللَّهُ، مِن أصْحابِ الشَّجَرَةِ أحَدٌ، الَّذِينَ بايَعُوا تَحْتَها "قالَتْ: بَلَى، يا رَسولَ اللهِ،فانْتَهَرَها، فقالَتْ حَفْصَةُ"وَإنْ مِنكُم إلَّا وارِدُها" فقالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: قدْ قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ "ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فيها جِثِيًّا" الراوي : أم مبشر الأنصارية- المحدث : مسلم -المصدر : صحيح مسلم -الصفحة أو الرقم : 2496- خلاصة حكم المحدث : صحيح. أَخْبَرَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو في بيتِ حَفْصَةَ أنَّه لا يَدْخلُ النَّارَ- إنْ شاءَ اللهُ- مِن أصحابِ الشَّجرةِ أحدٌ، وأصحابُ الشَّجرةِ هُمْ أهلُ بيعةِ الرِّضوانِ، وهم الَّذِينَ بَايَعوا تَحْتَ هذه الشَّجرةِ، أي: على الجهادِ والإسلامِ، فَردَّتْ حَفْصَةُ: بلى يا رسولَ الله؛ "فَانْتَهَرَهَا"، أي: زَجَرَهَا؛ فقالتْ حَفْصَةُ"وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا"مريم: 71، أي: وما منكم إلَّا مارٌّ بها أو حاضِرُها، وكانَتْ حَفْصَةُ ظَنَّتْ أنَّ مَعْنَى "وَارِدُهَا": دَاخِلُها؛ فقالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قَدْ قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ"ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرَ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا"مريم: 72، أي: إذا مَرَّ الخلائقُ كلُّهم على النَّارِ، وَسقطَ فيها مَنْ سَقطَ مِنَ الكفَّارِ وَالعُصاةِ ذَوي الْمَعاصي، بِحَسَبِهم، نَجَّى اللهُ تعالى المؤمنينَ الْمتَّقِينَ منها بِحَسَبِ أَعمالِهم؛ فَجَوازُهم على الصِّراطِ وسُرعَتُهم بِقَدْرِ أعمالِهمُ الَّتي كانتْ في الدُّنيا. في الحديثِ: فَضلُ أصحابِ الشجرةِ أهلِ بَيعةِ الرِّضوانِ رضِي اللهُ عنهم.الدرر.
ثمَّ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ هَؤُلاءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -القَرْنُ الَّذِي بُعِثَ فِيهِم،كُلُّ مَنْ صَحِبَهُ سَنَةً أَوْ شَهْرًا أَوْ يَوْمًا أَوْ سَاعَةً أَوْ رَآهُ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ لَهُ مِنَ الصُّحْبَةِ عَلَى قَدْرِ مَا صَحِبَهُ،وَكَانَتْ سَابِقَتُهُ مَعَهُ وَسَمِعَ إِلَيْهِ وَنَظَرَ إِلَيْهِ - نَظْرَةً- ،فَأَدْنَاهُمْ صُحْبَةً هُوَ أَفْضَلُ مِنَ القَرْنِ الَّذِينَ لَمْ يَرَوْهُ،وَلَوْ لَقُو اللهَ بِجَمِيعِ الأَعْمَالِ؛ كَانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ صَحِبُوا النَّبِيَّ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-،وَرَأَوْهُ وَسَمِعُوا مِنْهُ،وَمَنْ رَآهُ بِعَيْنِهِ وَآمَنَ بِهِ وَلَوْ سَاعَةً أَفْضَلُ لِصُحْبَتِهِ مِنَ التَّابِعِينَ وَلَوْ عَمِلُوا كُلَّ أَعْمَالِ الخَيْرِ. الشرح: "سُئِلَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ "صحيح البخاري. فالصَّحابةُ همْ أفضلُ المسلمينَ؛ لأنَّهم عاصَروا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ووضَّح لهمْ أُمورَ الدِّينِ وأخَذُوه عنه مُباشرةً، فهمْ أفضلُ النَّاسِ عِلمًا بسُنَّةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومَقاصدِ التَّشْريعِ، وعلى أَيديهمْ تمَّ نَشْرُ الدِّينِ في الفُتوحاتِ والغَزواتِ. وفي الحَديثِ: إشارةٌ إلى لُزومِ اتِّباعِ سَبيلِ القُرونِ الثَّلاثةِ الأُولى؛ فإنَّ مَن قَرُبَ زَمنُه مِن زَمنِ النُّبوَّةِ فهو أَوْلَى بالفضْلِ والعِلمِ والتَّأسِّي والاقتداءِ بهَدْيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.الدرر السنية. الصحابي هو كل من اجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به ومات على ذلك، ولو لم يره لعارض، فعدم الرؤية قد يكون لعارض كالعمى مثلًا، كما هو حال بعض الصحابة كابن أم مكتوم ونحوه، ولو لم تطل الصحبة. عَنْ مَحْمُودِ بنِ الرَّبِيعِ، قالَ" عَقَلْتُ مِنَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَجَّةً مَجَّها في وجْهِي وأنا ابنُ خَمْسِ سِنِينَ مِن دَلْوٍ."الراوي : محمود بن الربيع الأنصاري – صحيح البخاري. مَحْمُود بن الرَّبِيع نال الصحبة بمداعبته بمجة مجها الرسول صلى الله عليه وسلم في وجهه. قد أدرَكَ ذلك ووَعاهُ وتَذكَّرَه وأدَّاه بعْدَ بُلوغِه.ورَشُّ الماءِ في وجْهِه مِن مُلاطَفةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الصِّبيانَ، وتَأنيسِهم، وإكرامِ آبائِهم بذلك، مع تَعليمِه للناسِ أنَّ مُلاطَفةَ الصِّبيانِ والأهلِ لا تُقلِّلُ مِن شَأنِ ذَوي الهَيئاتِ والسُّلطانِ. وفي الحديثِ: أنَّ فِعلَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذلك؛ لأجْلِ البركةِ منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.وفيه: صِحَّةُ سَماعِ الصَّبيِّ إذا كان عاقلًا لِمَا يَسمَعُ.الدرر. الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم همْ أفضَلُ جِيلٍ في الأمَّةِ الإسْلاميَّةِ، ولهم مَكانَتُهمُ السَّامِقةُ الَّتي لا يُضاهِيها جِيلٌ آخَرُ؛وهم أولى بالترحم والترضي عنهم ، فهمْ أوَّلُ مَن آمَنَ باللهِ ورَسولِه، وحَمَلوا عنه الوَحيَ والسُّنَّةَ، وجاهَدوا في سَبيلِ اللهِ حتَّى انتَشَرَتِ الدَّعْوةُ.لذا قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَسُبُّوا أصْحابِي؛ فلوْ أنَّ أحَدَكُمْ أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ."الراوي : أبو سعيد الخدري- صحيح البخاري. " فلوْ أنَّ أحَدَكُمْ أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ"ومَعْناه: لو أنفَقَ أحَدُكم مِثلَ جبَلِ أُحدٍ ذَهبًا، ما بَلَغ ثَوابُه في ذلك ثَوابَ نَفَقةِ أحَدِ أصْحابي مُدًّا، وهو ما يَمْلأُ الكَفَّينِ، والنَّصيفُ: النِّصفُ. فبيَّنَ أنَّ جُهدَ المُقِلِّ منَ الصَّحابةِ، واليَسيرَ منَ النَّفَقةِ الَّذي أنْفَقوه في سَبيلِ اللهِ، معَ شدَّةِ العَيشِ والضِّيقِ الَّذي كانوا فيه، أوْفى عندَ اللهِ، وأزْكى منَ الكَثيرِ الَّذي يُنفِقُه مَن بَعدَهم، فالقَليلُ الَّذي أنفَقَه أحَدُهم أكثَرُ ثَوابًا منَ الكَثيرِ الَّذي يُنفِقُه غَيرُهم؛ وذلك لمَّا كان يُقارِنُ عمَلَ الصَّحابةِ منَ السَّبْقِ، ومَزيدِ الإخْلاصِ، وصِدقِ النِّيَّةِ، وكَمالِ النَّفْسِ، بخِلافِ غيرِهم. وفي الحَديثِ: تَفْضيلُ الصَّحابةِ كلِّهم على جَميعِ مَن بعْدَهم.الدرر السنية. - إنِّي تارِكٌ فيكُم ما إن تمسَّكتُمْ بِهِ لن تضلُّوا بَعدي أحدُهُما أعظَمُ منَ الآخرِ: كتابُ اللَّهِ حَبلٌ ممدودٌ منَ السَّماءِ إلى الأرضِ. وعِترتي أَهْلُ بيتي، ولَن يتفرَّقا حتَّى يَرِدا عليَّ الحوضَ فانظُروا كيفَ تخلُفوني فيهِما"الراوي : زيد بن أرقم -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الترمذي . وعِترتي أَهْلُ بيتي: أي: أحبُّوهم وتَمسَّكوا بما كانوا عليه واهْتَدُوا بهَديِهم وسِيرتِهم، وعِترتُه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم هم أزواجُه ونِساؤُه وقرابتُه، الَّذين ساروا على طَريقِه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، المتَّبِعون لسُنَّتِه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، فلهُم الحبُّ والتَّكريمُ والتَّوقيرُ والإحسانُ إليهم، كعَليٍّ وبَنيه، والعبَّاسِ وبَنيه، وأَهْلُ الْبَيْتِ غَالِبًا يَكونونَ أَعرَفَ بِصاحِبِ البَيْتِ وأَحوالِه، فالمُرادُ بِهم أهلُ العِلْمِ مِنْهم المُطَّلِعونَ على سيرَتِه، الواقِفونَ على طَريقَتِه، العارِفونَ بحُكْمِه وحِكْمَتِه، ولِهَذا جاز أن يُعطَفوا على كتابِ اللهِ سُبْحانه كما قال"وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ"الحِكْمَة السُّنة وبيان الشرائع.الدرر السنية. وأهل السنة والجماعة كذلك يحبون أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، لكن حب باعتدال بغير إفراط ولا تفريط؛ لأن أهل السنة والجماعة لا يعطون للنبي ما لا يجوز إلا لله عز وجل، ولا يعطون للصحابة ما لا يجوز إلا للنبي عليه الصلاة والسلام، ولا يعطون لعموم الأمة ما هو خاص بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فكل له قدره، ولكل منزلته عند أهل السنة والجماعة.فأهل بيت النبي عليه الصلاة والسلام هم في عموم أصحابه عليه الصلاة والسلام، فلهم حق الصحبة، ويحبهم أهل السنة والجماعة للصحبة والنصرة والتأييد، والإيمان والعمل الصالح، كما أنهم يزيدون على عموم الأصحاب بقرابتهم من النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا حق زائد لهم عن عموم أصحابه عليه الصلاة والسلام.كتاب أصول أهل السنة والجماعةحسن أبو الأشبال الزهيري ولا بدَّ أن نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم ليسوا بمعصومين ، وهذا هو مذهبُ أهل السنة والجماعة ، وإنما هم بشرٌ يجوزُ عليهم ما يجوز على غيرهم .وما صدر من بعضهم من المعاصي أو الأخطاء ، فهو إلى جانبِ شرفِ الصحبة وفضلِها مُغْتَفَرٌ ومَعْفُوٌّ عن صاحبه ، والحسناتِ يُذْهِبْنَ السيئات ، ومقامُ أَحَدِ الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم لحظة من اللحظات في سبيل هذا الدين لا يعدلها شيء . يقول شيخ الإسلام رحمه الله " وأهل السنة تحسن القول فيهم وتترحم عليهم وتستغفر لهم ، لكن لا يعتقدون العصمة من الإقرار على الذنوب وعلى الخطأ في الاجتهاد إلا لرسول الله ، ومن سواه فيجوز عليه الإقرار على الذنب والخطأ ، لكن هم كما قال تعالى " أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ "الاحقاف/16 الآية ، وفضائل الأعمال إنما هي بنتائجها وعواقبها لا بصورها " مجموع الفتاوي 4/434 . وأهل السنة والجماعة يعتقدون أن ما وقع من النزاع بين الصحابة لم يقع عن هوى، إنما وقع عن اجتهاد.وعقيدتهم الكف عما شجر بينهم.كتاب أصول أهل السنة والجماعة. ثم من بعدِهم التابعينالذين تعلموا على يد الصحابة واتبعوهم على هدي النبي صلى الله عليه وسلم ثم تابعي التابعين لقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الخيرية " قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ"
المجلس السادس والثلاثون شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل
المتن - وَالسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِلْأَئِمَّةِ وَأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ البَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَمَنْ وَلِيَ اَلْخِلَافَةَ، وَاجْتَمَعَ اَلنَّاسُ عَلَيْهِ، وَرَضُوا بِهِ، وَمَنْ عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ حَتَّى صَارَ خَلِيفَةً، وَسُمِّيَ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ، وَالْغَزْوُ مَاضٍ مَعَ اَلْأَمِيرِ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ البَرِّ وَالْفَاجِرِ لَا يُتْرَكُ. ش-هذه عقيدة أهل السنة أنهم يسمعون ويطيعون للإمام وولاة الأمور ، وأمير المؤمنين سواء كان بَرًّا أو فاجرًا ولا يخرجون عليه. الفاجر يعني العاصي، ولو كان يعمل بعض الكبائر يعمل بعض المعاصي، تثبت له الولاية.الأئمة هم الذين تتم لهم الولاية؛ ويستولون على الأمة الإسلامية سواء كان ذلك الوالي عهد إليه مَن قَبْلَه ،أو أخذها بالقوة وتولى عليهم بالغلبة، كل هذا بلا شك إذا تمت له الولاية وجبت الطاعة والسمع له، وحَرُمَ الخروجُ عليه؛ وذلك لأن الخروج على الأئمة يسبب فتنًا وضررًا على المسلمين، وكم حصل بسببه من القتل؟! وكم حصل بسببه من السجن وإضرار المسلمين وإضرار علماء المسلمين. شرح أصول السنة للإمام أحمد .ابن جبرين. فلأجل ذلك قالوا:يجب السمع والطاعة لولاة الأمور،واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم "اسْمَعُوا وأَطِيعُوا، وإنِ اسْتُعْمِلَ علَيْكُم عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، كَأنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ."الراوي : أنس بن مالك- صحيح البخاري. الشرح: أمَرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بطاعةِ وُلاةِ الأُمورِ في المَعروفِ، دُونَ المُنكَرِ؛ لِمَا في الخُروجِ عليهم مِنَ المَفاسِدِ الكَبيرةِ، وحَذَّرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن شَقِّ عَصا الطَّاعةِ ومُفارَقةِ الجَماعةِ. وفي هذا الحَديثِ بَيانُ ذلك؛ حيثُ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"اسْمَعوا وأطِيعوا، وإنِ استُعمِلَ حَبَشيٌّ، كأنَّ رأْسَه زَبيبةٌ"، يَعني: وإنْ وُلِّيَ عليكم رَجُلٌ مِنَ الحَبَشةِ، كأنَّ رأْسَه مِثلُ الزَّبيبةِ، إشارةً إلى سَوادِ اللَّونِ، وتَجَعُّدِ الشَّعرِ، ومَقصودُه: التَّنبيهُ على ازدِراءِ الناسِ له عادةً، والمَعنى: أنَّ المُؤمِنَ يَجِبُ عليه طاعةُ وَليِّ أمْرِه ومَن وَلَّاه عليه وَليُّ أمْرِه، أيًّا كان جِنسُه أو لَونُه؛ ما دامَ لم يَأمُرْ بمَعصيةِ اللهِ عزَّ وجلَّ.الدرر السنية. *عن حذيفة بن اليمان :قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّا كُنَّا بشَرٍّ، فَجَاءَ اللَّهُ بخَيْرٍ، فَنَحْنُ فِيهِ، فَهلْ مِن وَرَاءِ هذا الخَيْرِ شَرٌّ؟ قالَ: نَعَمْ، قُلتُ: هلْ وَرَاءَ ذلكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قالَ: نَعَمْ، قُلتُ: فَهلْ وَرَاءَ ذلكَ الخَيْرِ شَرٌّ؟قالَ: نَعَمْ، قُلتُ: كيفَ؟ قالَ: يَكونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَهْتَدُونَ بهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فيهم رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ في جُثْمَانِ إنْسٍ، قالَ: قُلتُ: كيفَ أَصْنَعُ يا رَسولَ اللهِ، إنْ أَدْرَكْتُ ذلكَ؟ قالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ، وإنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ."الراوي : حذيفة بن اليمان- صحيح مسلم. *قال تعالى"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ"النساء:59. *قال صلى الله عليه وسلم"لا طاعةَ لِمخلُوقٍ في معصيةِ الخالِقِ"الراوي: عمران بن الحصين والحكم بن عمرو الغفاري-المحدث : الألباني-المصدر : صحيح الجامع. *يقول عبادة بن الصامت " بَايَعْنَا رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ علَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ في العُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وعلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وعلَى أَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ، وعلَى أَنْ نَقُولَ بالحَقِّ أَيْنَما كُنَّا، لا نَخَافُ في اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ."الراوي : عبادة بن الصامت- صحيح مسلم. الشرح:أمَرَ اللهُ سُبحانَه وتعالَى عِبادَه المُؤمِنينَ بالاعتصامِ بحَبْلِ اللهِ وعَدَمِ التَّفرُّقِ، ومِن لَوازمِ هذا الاعتصامِ اجتماعُ المسلمينَ على كَلمةٍ واحدةٍ وإمامٍ واحدٍ؛ فإنَّهم إذا تَعدَّدَتْ كَلِمتُهم وتفرَّقَ أمراؤُهم ضعُفَ شأنُهم وذهبَتْ شَوْكتُهم، وظَهَرَ عليهم عَدوُّهم.بايَعَهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على السَّمْعِ والطاعةِ في "َالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ" في حالِ نَشَاطِهم وقُوَّتِهم، ويكوُن ذلك في الأمرِ الَّذي إذا أُمِرَ به الإنسانُ نَشِطَ له؛ لأنَّه يُوافِقُ هَواهُ، وفي حالِ ما يَكْرَهُون، ويكونُ ذلك في الأمرِ الَّذي إذا أُمِرَ به الإنسانُ لم يَكُنْ نَشِيطًا فيه؛ لأنَّه يَكرَهُه، وكذلك بايعوا على أن يَسمَعوا ويُطيعوا في حالِ عُسْرِهم ويُسرهم" في العُسْرِ وَالْيُسْرِ "، أي: في حالِ الفَقْرِ والغِنَى، فيما أمَرَ به وُلاةُ الأمْرِ، " وعلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا" أي: ولو اخْتَصَّ وَلِيُّ الأمرِ نفْسَه ببَعضِ الدُّنيا دُونَهم ظُلمًا وتَعدِّيًا منه، أو إذا فضَّل وَلِيُّ الأمرِ عليهم غيْرَهم في الاستِحقاقِ ومَنَعَهم حقَّهم، فعليهم أن يصْبِروا ولا يُخالِفوه، وبايعهم على ألَّا يُنازِعوا المُلكَ أهْلَه " لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ "، فلا يَخرُجوا على الإمامِ بالقِتالِ. وفي الحَديثِ: الأمرُ بطاعةِ الأُمَراءِ على كلِّ حالٍ فيما يُرضِي اللهَ عزَّ وجلَّ.الدرر السنية. فولاة الأمور إنما يطاعون في طاعة الله، وفي الأمور المباحة. أما المعاصي فلا يطاع فيها ولي الأمر، ولكن ليس معنى ذلك أن الإنسان يتمرد على ولي الأمر ويخرج لا، لا يطيعه في خصوص المعصية، خصوص المعصية ما يطاع فيها أحد، ولي الأمر ما يطاع في المعصية، قال اشرب الخمر لا تطعه، قال لك تعامل بالربا لا تطعه، قال لك اقتل فلان بغير حق لا تطعه، لكن ليس معنى ذلك أنك تتمرد عليه وتخرج وتنقض بيعته وتؤلب الناس عليه لا، لا تطعه في خصوص المعصية وتطعه فيما عدا ذلك. أمير الجيش لا يطاع في المعصية، أمير السرية لا يطاع في المعصية، الأب إذا أمر ابنه بالمعصية لا يطيعه، أب قال لولده اشتر دخانا أو خمرا ما يطيعه، الزوجة لا تطيع زوجها في المعصية ، العبد إذا أمره سيده بالمعصية لا يطيعه، ومع ذلك لا بد من التلطف والخطاب اللين، يعني يخاطب الأمير بما يليق به يقول يا فلان هذا لا يجوز، يخاطب: هذا محرم، هذا كذا، يخاطب باللين والرفق، والخطاب المناسب لولاة الأمور، يبين لهم، تكون المناصحة من قبل أهل الحل والعقد، ومن قبل أهل العلم. كذلك الابن يقول يا أبي لا يجوز لي أن أرتكب معصية هذا محرم، هذا لا يجوز لي ...والزوجة كذلك، تتلطف مع زوجها تقول أنا لا أطيعك في المعصية، هذا محرم، والعبد كذلك يتلطف مع سيده. ثبت في صحيح البخاري : عن علي بن أبي طالب"بَعَثَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ سَرِيَّةً، وَاسْتَعْمَلَ عليهم رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا له وَيُطِيعُوا، فأغْضَبُوهُ في شيءٍ، فَقالَ: اجْمَعُوا لي حَطَبًا، فَجَمَعُوا له، ثُمَّ قالَ:أَوْقِدُوا نَارًا، فأوْقَدُوا، ثُمَّ قالَ: أَلَمْ يَأْمُرْكُمْ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ أَنْ تَسْمَعُوا لي وَتُطِيعُوا؟ قالوا: بَلَى، قالَ: فَادْخُلُوهَا، قالَ: فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ، فَقالوا: إنَّما فَرَرْنَا إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ مِنَ النَّارِ، فَكَانُوا كَذلكَ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ، وَطُفِئَتِ النَّارُ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذلكَ للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ:لو دَخَلُوهَا ما خَرَجُوا منها، إنَّما الطَّاعَةُ في المَعروفِ."صحيح البخاري. يعني هذا وعيد شديد، يعني لو دخلوها لاستمر عذاب الآخرة مع عذاب الدنيا، لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف، هذا أمير الجيش ما يطاع في المعصية.شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل.موقع حلقات جامع شيخ الإسلام ابن تيمية المتن:وَالْغَزْوُ مَاضٍ مَعَ اَلْأَمِيرِ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ البَرِّ وَالْفَاجِرِ لَا يُتْرَكُ. الشرح:أما الأعمال التي تعمل معهم فإن الإمام غالبًا هو الذي يتولى الغزو، ويتولى الحج،كما يقول العلماء: الحج والجهاد ماضيان مع الأمراء أبرارًا كانوا أو فجارًا؛ فإن هذا من خير أعمالهم.فإذا تولى على الجيش الذي يغزو والٍ وكان فيه شيء من الفسق كشرب الخمر أو سماع الغناء أو نحو ذلك، لم يكن ذلك مسببًا لنزع اليد من طاعته، وكذلك لو أقام الحج أحد الولاة والأمراء المعروفين بشيء من الفسق فإن ذلك أيضًا من حسناتهم ولا يجوز نزع الطاعة ولا الخروج عليهم. لأن بعض المعاصي تخصه، والغزو مصلحة للإسلام والمسلمين نجاهد معه ونقاتل الكفار مع الأمير ولو كان فاجرًا.شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل.موقع حلقات جامع شيخ الإسلام ابن تيمية- الشيخ الراجحي. المتن:وَقِسْمَةُ الفَيْءِ،وَإِقَامَةُ الحُدُودِ إِلَى الأَئِمَّةِ مَاضٍ،لَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَطْعَنَ عَلَيْهِمْ،وَلا يُنَازِعُهُمْ،وَدَفْعُ الصَّدَقَاتِ إِلَيْهِمْ جَائِزَةٌ وَنَافِذَةٌ،مَنْ دَفَعَهَا إِلَيْهِمْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ،بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا. ش:وكذلك أيضًا هم الذين يقسمون الأموال؛ لأن قسمة الفيء وقسمة الغنائم وقسمة الأموال تكون إليهم، يضعونها كما أمر الله، ويفرقونها على مستحقيها وتقبل منهم. الغنيمة ما غنمه المسلمون واستولوا عليه من أموال العدو ومعداتهم ... بالقوة والقتال..فهذا يقسم بين المقاتلين بعد خصم خمسه وجعله في بيت مال المسلمين لصرفه في المصالح العامة. قال الله تعالى: وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُوَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ..الأنفال:41. وأما الفَيء فهو ما حصل عليه المسلمون من أموال بدون قتال. وهذا مرجعه إلى بيت المال واجتهاد ولي أمر المسلمين قال الله تعالى" مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ.". الحشر:7.إسلام ويب. المتن: وَدَفْعُ الصَّدَقَاتِ إِلَيْهِمْ جَائِزَةٌ وَنَافِذَةٌ،مَنْ دَفَعَهَا إِلَيْهِمْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ،بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا. ش:المراد بالصدقات، الصدقات الفريضة ، فإذا طلب ولي الأمرالزكاة تدفعها إليه، وحينئذ تبرأ ذمتك، ولهذا قال المؤلف: ودفع الصدقات إليهم جائزة نافعة، يعني صحيحة، من دفعها إليهم أجزأت عنه بَرًّا كان أو فاجرًا، ومن دفعها إليهم فإنه تبرأ ذمته ولا يلزمه أنه يخرجها مرة أخرى. . شرح أصول السنة للإمام أحمد ابن جبرين بتصرف يسير.و شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل.موقع حلقات جامع شيخ الإسلام ابن تيمية.الشيخ الراجحي. المتن:وَصَلاةُ الجُمُعَةِ خَلْفَهُ،وَخَلْفَ مَنْ وَلَّاهُ جَائِزَةٌ بَاقِيَةٌ تَامَّةٌ رَكْعَتَيْنِ،مَنْ أَعَادَهُمَا فَهُوَ مُبْتَدِعٌ،تَارِكٌ لِلآثَارِ،مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ،لَيْسَ لَهُ مِنْ فَضْلِ الجُمُعَةِ شَيءٌ؛إِذَا لَمْ يَرَ الصَّلاةَ خَلْفَ الأَئِمَّةِ مَنْ كَانُوا: بَرّهم وفاجِرْهم فَالسُّنَّةُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَهُمْ رَكْعَتَيْنِ،-مَنْ أَعَادَهُمَا فَهُوَ مُبْتَدِعٌ-،وَيَدِينُ بِأَنَّهَا تَامَّةٌ،لايَكُنْ فِي صَدْرِكَ مِنْ ذَلِكَ شَكٌّ، ش:كذلك أيضًا تصح الصلاة خلفهم، وكان الوُلَاة هم الذين يصلون الجُمَع والأعياد، والوالِي هو الذي يتولَّى صلاة الجُمعة والعيد، ولو كان فيه شيء من الفسق أو من المعاصي.وقد كان الصحابة يصلون خلف الأئمة والأمراء الذين عليهم، وفيهم شيء من الفسق ولا يعيدون الصلاة.
فَمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الإِمَامِ الْفَاجِرِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ .. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا وَلا يُعِيدُهَا؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الأَئِمَّةِ الْفُجَّارِ وَلا يُعِيدُونَ ، كَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي خَلْفَ الْحَجَّاجِ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ يُصَلُّونَ خَلْفَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَكَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ ؛ حَتَّى إنَّهُ صَلَّى بِهِمْ مَرَّةً الصُّبْحَ أَرْبَعًا ، ثُمَّ قَالَ : أَزِيدُكُمْ ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَا زِلْنَا مَعَك مُنْذُ الْيَوْمَ فِي زِيَادَةٍ !! وَلِهَذَا رَفَعُوهُ إلَى عُثْمَان... ونستأنس بهذا الأثر الصحيح الوارد في صحيح البخاري: يحكي عُبَيدُ اللهِ بنُ عَدِيّ:أنَّهُ دَخَلَ علَى عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عنْه - وهو مَحْصُورٌ - فَقالَ: إنَّكَ إمَامُ عَامَّةٍ، ونَزَلَ بكَ ما نَرَى،ويُصَلِّي لَنَا إمَامُ فِتْنَةٍ، ونَتَحَرَّجُ؟ فَقالَ" الصَّلَاةُ أَحْسَنُ ما يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فأحْسِنْ معهُمْ، وإذَا أَسَاؤُوا فَاجْتَنِبْ إسَاءَتَهُمْ."الراوي : عبيدالله بن عدي بن الخيار - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم : 695 - خلاصة حكم المحدث : صحيح. فلمَّا سَمِعَ عُثمانُ رَضيَ اللهُ عنه مِن عُبَيدِ اللهِ بنِ عَدِيٍّ ذلك، أجابَ بأنَّ الصَّلاةَ هي أفضَلُ ما يُمكِنُ لِهؤلاءِ فِعلُه مِن عَمَلٍ، ولا يَعني هذا أنَّ عُثمانَ رَضيَ اللهُ عنه يَمدَحُ دُعاةَ الفِتنةِ ورُؤساءَها، وإنَّما ظاهِرُ كَلامِ عُثمانَ رَضيَ اللهُ تعالَى عنه أنَّه يُرَخِّصُ له في الصَّلاةِ معهم، كأنَّه يَقولُ له: لا يَضُرُّكَ كَونُهم مَفتونينَ، إذا أحسَنوا فوافِقْهم على إحسانِهم، وَإذا أساؤوا -لِكَونِهم فَتَنوا أوِ ابتَدَعوا- فلا يَضُرُّ المُصلِّيَ خَلفَهم ذلك؛ لِأنَّه يَتَّبِعُهم في صَلاتِهم، ويُنكِرُ عليهم ما همْ فيه مِن فِتنةٍ وبِدعةٍ.وقيلَ: إنَّ مَعنى قولِه" ويُصَلِّي لَنَا إمَامُ فِتْنَةٍ" أنَّ غَيرَ إمامِهم يُصَلِّي لهم في حِين الفِتنةِ، ليس أنَّ ذلك الإمامَ يَدعو إلى فِتنةٍ ويَسعى فيها، ويَدُلُّ على ذلك قَولُ عُثمانَ" الصَّلَاةُ أَحْسَنُ ما يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فأحْسِنْ معهُمْ، وإذَا أَسَاؤُوا فَاجْتَنِبْ إسَاءَتَهُمْ."ولم يَذكُرِ الذي أمَّهم بمَكروهٍ، وذَكَرَ أنَّ فِعلَه مِن أحسَنِ الأعمالِ، وحَذَّرَه مِنَ الدُّخولِ في الفِتنةِ. وفي الحَديثِ: أنَّ الصَّلاةَ خَلْفَ مَن تُكرَهُ الصَّلاةُ خَلْفَه أَوْلى مِن تَعطيلِ الجَماعةِ. وفيه:تَحذيرٌ مِنَ الفِتنةِ والدُّخولِ فيها، ومِن جَميعِ ما يُنكَرُ؛ مِن قَولٍ، أو فِعلٍ، أوِ اعتِقادٍ.الدرر السنية.
والشاهد من هذا أن الصحابة يصلون خلف الولاة والأمراء ولو كانوا فسقة، والحكمة في ذلك جمع الكلمة، جمع الكلمة وعدم الفُرْقَة؛ ولهذا قال المؤلف: مَنْ أَعَادَهُمَا فَهُوَ مُبْتَدِعٌ،تَارِكٌ لِلآثَارِ،مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ،لَيْسَ لَهُ مِنْ فَضْلِ الجُمُعَةِ شَيءٌ ، لماذا مبتدع؟ لأنه خالف الجماعة، وتسبب في الفُرْقَة تارك للآثار للأحاديث ومخالف للسنة، ليس له من فضل الجماعة شيء، وليس له من فضل الجمعة شيء . إِذَا لَمْ يَرَ الصَّلاةَ خَلْفَ الأَئِمَّةِ مَنْ كَانُوا: بَرّهم وفاجِرْهم فَالسُّنَّةُ ، يعني سواء كان عدلًا أو فاجرًا أو عاصيًا. قال فَالسُّنَّةُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَهُمْ رَكْعَتَيْنِ،-مَنْ أَعَادَهُمَا فَهُوَ مُبْتَدِعٌ-،وَيَدِينُ بِأَنَّهَا تَامَّةٌ ، ما معنى َيَدِينُ، أي يعتقد دينًا أنها صحيحة، وأنها تامة، يدين بهذا، يدين الله يعتقد أنها صحيحة وأن هذا دين، ولهذا قال، لايَكُنْ فِي صَدْرِكَ مِنْ ذَلِكَ شَكٌّ. هل غير الأئمة تصح الصلاة خلف الفاسق غير الإمام، أو الجمعة؟ هذا فيه تفصيل ، إن كان لا يوجد إلا جمعة واحدة في البلد، وإمامها فاسق يُصَلَّى خلفه، لأنك لو لم تصلِ خلفه تصلِّي وحدك وهذا بدعة، إذا لم يوجد إلا هذه الجمعة أو هذا الجامع الذي إمامه فاسق يصلى خلفه عند عامة أهل السنة، ومن تركه ولم يصل خلفه فهو مبتدع، إذا صلى وحده فهو مبتدع. إذا وجد إمام جامع آخر مسجد آخر جمعة أو جماعة، وأحدهما إمامه فاسق، والآخر إمامه عادل، وصلى خلف الفاسق مع وجود العادل، فهل تصح صلاته أو لا تصح؟ إن كان يترتب على ترك الصلاة خلف الفاسق مفسدة، فيصلي خلف الفاسق، كأن يكون مثلا إذا لم يصلّ خلفه يتحزب الناس حزبين حزب مع الإمام وحزب معه ويحصل فُرقة واختلاف، فهذا يصلى خلفه. إذا لم يترتب على هذا مفسدة، وصلى خلف الفاسق مع وجود العادل ففيه خلاف بين العلماء، من العلماء من قال تصح، ومنهم من قال لا تصح، ومنهم من قال تصح ويعيد، ومنهم من قال لا يعيد، والسبب في ذلك أنه إذا صلى خلف فاسق، لم ينكر المنكر عليه أقره على المنكر، والواجب إنكار المنكر. فإذًا يصلى خلف الفاسق إذا كان إمام المسلمين،ويصلى خلف الفاسق إذا كان من ولاه إمام المسلمين، ويصلى خلف الفاسق إذا لم يوجد جماعة أخرى أو جمعة، ويصلى خلف الفاسق إذا وجدت جماعة أخرى أو جمعة، لكن يترتب على تركها مفسدة. أما إذا صلى خلف الفاسق ووجد إمام غيره، ولا يترتب على هذا مفسدة، هذا محل الخلاف بين أهل العلم، من العلماء من قال تصح،ومنهم من قال لا تصح، ومنهم من قال تصح وتعاد.شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل.موقع حلقات جامع شيخ الإسلام ابن تيمية.الشيخ الراجحي.
الشرح: لا نجاة للعبد ولا فوز ولا فلاح إلا باتباع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن أهم ما جاء به الكتاب والسنة مسائل الاعتقاد، فيجب على كل مسلم أخذ عقيدته وتوحيده من هذين المصدرين على فهم سلف الأمة، ومن تلك العقائد: عدم الخروج على ولاة الأمر، والصلاة خلفهم وطاعتهم بالمعروف،.... ولا يحل قتال السلطان، ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق. من خرج على إمام من أئمة المسلمين بعد أن اجتمعت الأمة عليه، كانوا اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان، يعني بواحدة من الأمور الثلاثة، إما باختيار أهل الحل والعقد، أو بولاية العهد، أو بالقوة والغلبة بأن غلبهم بسيفه وسلطانه حتى ثبتت له الخلافة فلا يجوز الخروج عليه أيضًا ، ولهذا قال بأي وجه كان. *قال صلى الله عليه وسلم "مَن رَأَى مِن أمِيرِهِ شيئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ، فإنَّه مَن فارَقَ الجَماعَةَ شِبْرًا، فَماتَ، فَمِيتَةٌ جاهِلِيَّةٌ."الراوي : عبدالله بن عباس -صحيح مسلم. في هذا الحديثِ يُرشِدُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُمَّتَه بأنَّ مَن كَرِهَ مِن أميرِه وحاكِمِه شيئًا، فإنَّه يَنْبغي عليه أنْ يَصبِرَ على هذا المكروهِ ولا يَخرُجَ على سُلطانِه وأميرِه؛ لأنَّ مَن خرَجَ على السُّلطانِ ووَليِّ الأمرِ ولو قَدْرَ شِبرٍ -يعني: ولو في شَيْءٍ يَسيرٍ- ماتَ مِيتةً جاهليَّةً، أي: كما يَموتُ أهلُ الجاهليةِ مِنَ الضَّلالةِ والفُرقةِ وليْس لهم إمامٌ يُطاعُ، وليس المرادُ أنَّه يموتُ كافِرًا. وفي الحديثِ: الزَّجرُ والتحذيرُ مِنَ الخُروجِ على وَليِّ الأمرِ.الدرر السنية. الحكمة في عدم الخروج على ولي الأمرإذا فعل المعاصي والكبائر،الحكمة أن الشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها وبدرء المفاسد وتقليلها وذلك أن الخروج من قواعد الشريعة أنه إذا اجتمع مفسدتان كبرى وصغرى لا يستطاع تركهما لا بد من فعل واحدة من المفسدتين نرتكب المفسدة الصغرى لفوات الكبرى.وإذا وجد مصلحتان، كبرى وصغرى، لا نستطيع فعلهما فإننا نفوت المصلحة الصغرى ونفعل المصلحة الكبرى، هذه قاعدة من قواعد الشرع، دل عليها نصوص كثيرة، من أدلة هذه القواعد أو هذه القاعدة قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح لعائشة" يا عائِشَةُ، لَوْلا أنَّ قَوْمَكِ حَديثُو عَهْدٍ بشِرْكٍ، لَهَدَمْتُ الكَعْبَةَ، فألْزَقْتُها بالأرْضِ، وجَعَلْتُ لها بابَيْنِ: بابًا شَرْقِيًّا، وبابًا غَرْبِيًّا، وزِدْتُ فيها سِتَّةَ أذْرُعٍ مِنَ الحِجْرِ، فإنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْها حَيْثُ بَنَتِ الكَعْبَةَ.".الراوي : عائشة أم المؤمنين – صحيح مسلم. فالخروج على الأئمة يحصل به مفاسد كثيرة، فيحصل به فتن وقتل واضطهاد لأهل الخير، ويحصل به إذلال لأهل الدين ولأهل الإيمان ولأهل العلم ولأهل العمل الصالح، وقد جُرّب ذلك في العصور الأولى، فالذين خرجوا على الحجاج في ولايته كـ ابن الأشعث لما أن خلع بيعة أمير المؤمنين عبد الملك، وخلع طاعة والي العراق الذي هو الحجاج، واجتمع معه خلق كثير حتى أن منهم كثيرًا من علماء التابعين في ذلك الوقت، فماذا حصل؟ حصل أنه لما انتصر عليهم الحجاج أخذوا وقتل بذلك خلق كثير،وكان من آخرهم سعيد بن جبير رحمه الله. في آخر عهد بني أمية خرج زيد بن علي بن الحسين وحاول أن يتم له الأمر فقُتل، وقُتل من معه واضطهدوا.وأمثلة كثيرة عبر العصور حدثت فيها نفس المفاسد. *قِتَالُ اَللُّصُوصِ وَالْخَوَارِجِ: المتن : وَقِتَالُ اَللُّصُوصِ وَالْخَوَارِجِ جَائِزٌ إِذَا عَرَضُوا لِلرَّجُلِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَيَدْفَعُ عَنْهَا بِكُلِّ مَا يَقْدِرُ، وَلَيْسَ لَهُ إِذَا فَارَقُوهُ أَوْ تَرَكُوهُ أَنْ يَطْلُبَهُمْ، وَلَا يَتْبَعَ آثَارَهُمْ، لَيْسَ لِأَحَدٍ إِلَّا اَلْإِمَامَ أَوْ وُلَاةَ اَلْمُسْلِمِينَ، إِنَّمَا لَهُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ، وَيَنْوِيَ بِجُهْدِهِ أَنْ لَا يَقْتُلَ أَحَدًا، فَإِنْ مَاتَ عَلَى يَدَيْهِ فِي دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ فِي اَلْمَعْرَكَةِ فَأَبْعَدَ اَللَّهُ اَلْمَقْتُولَ، وَإِنْ قُتِلَ هَذَا فِي تِلْكَ اَلْحَالِ وَهُوَ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ، رَجَوْتُ لَهُ اَلشَّهَادَةَ، كَمَا جَاءَ فِي اَلْأَحَادِيثِ وَجَمِيعِ اَلْآثَارِ فِي هَذَا إِنَّمَا أُمِرَ بِقِتَالِهِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِهِ وَلَا اِتِّبَاعِهِ، وَلَا يُجْهِزُ عَلَيْهِ إِنْ صُرِعَ أَوْ كَانَ جَرِيحًا، وَإِنْ أَخَذَهُ أَسِيرًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَلَا يُقِيمَ عَلَيْهِ اَلْحَدَّ، وَلَكِنْ يَرْفَعُ أَمْرَهُ إِلَى مَنْ وَلَّاهُ اَللَّهُ، فَيَحْكُمُ فِيهِ. الشرح: اللصوص هم الذين يعتدون على الأموال، ومثلهم أيضًا المحاربون وقطاع الطريق ونحوهم، وهؤلاء بلا شك أنهم فيما يظهر من المسلمين، فإذا شهروا سلاحهم فإنهم يُقَاتَلُونَ بما يندفعون به. جاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: يا رَسولَاللهِ، أرَأَيْتَ إنْ جاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أخْذَ مالِي؟ قالَ: فلا تُعْطِهِ مالَكَ،قالَ: أرَأَيْتَ إنْ قاتَلَنِي؟ قالَ: قاتِلْهُ ،قالَ: أرَأَيْتَ إنْ قَتَلَنِي؟ قالَ: فأنْتَ شَهِيدٌ، قالَ: أرَأَيْتَ إنْ قَتَلْتُهُ؟ قالَ: هو في النَّارِ."الراوي : أبو هريرة -صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم : 140 - خلاصة حكم المحدث : صحيح. *عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو :قال سَمِعْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: مَن قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهو شَهِيدٌ." صحيح البخاري. ووردت قاعدة مفيدة في منظومة القواعد الفقهية للسعدي رحمه الله: 31 ـ وَمُتْلفُ مُؤْذِيهِ لَيْسَ يَضْمَنُ*بَعْدَ الدِّفاعِ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ. ومعنى كلام الناظم ـ رحمه الله ـ : أن من أتلف صائلًا - الصائل : هو الذي يهاجم ويعتدي- لدفع أذاه فلا ضمان عليه ؛ لأن الصائلَ هو المعتدي والظالم ، ولكن بشرط الدَّفع بالتي هي أحسنُ ، أي : لا يكون الدَّافعُ متعديًا في دفعِه ، فمن أمكن دفعُه بالتهديد فلا يُضرَبُ ، ومن أمكن دفعه بالضرب فلا يجوز دفعه بالقتلِ وهكذا ؛ لقوله تعالى "ادْفَعَ بِالَّتِي هِي أَحْسَنُ " . سورة فصلت / آية : 34 . فإذا دخل اللصوص في بيت من البيوت لأخذ مال فإن صاحب البيت يدفعهم بالتي هي أحسن، ولا يبدؤهم بالقتال رأسًا، فإنهم لم يبلغوا أن يقاتلُوا، إنما دخلوا لأخذ مال أو للاختلاس أو نحو ذلك، ولكن إذا رأى منهم القوة ورأى منهم الجد قاتلهم.فيهددهم ويخوفهم بعدما يذكرهم، فإذا لم ينفع فيهم التذكير ولا التخويف ولا التهديد أظهر لهم أن عنده من القوة ما يدفعهم وما يردهم، فإذا لم يندفعوا استعمل القوة بأدنى مراتبها، فإن كانوا يُكفون بضربهم بالعصي اكتفى بذلك ولم يستعمل السلاح، فإذا لم يكفوا استعمل السكين دون السيف، وإذا لم يكفوا استعمل السيف أو نحوه مما يقاتل به في هذه الأزمنة، كالرصاص ونحوه، فله أن يستعمل ذلك لدفع كيدهم ولدفع شرهم، وسواء كان اعتداؤهم لأجل قتله أو لأجل ماله أو لأجل محارمه أو ما أشبه ذلك، فكل هؤلاء من اللصوص المعتدين يُدْفَعون بما يندفع به شرهم أو يرفع بأمرهم إلى من يأخذ على أيديهم.شرح أصول السنة للإمام أحمد .لابن جبرين. إذًا أنت مأمورٌ بالدفاع عن نفسك، لكن لا تنوي قتله، وإنما تدفع بالأسهل فالأسهل، ولا تُجْهِز عليه إذا سقط صريعًا أو جريحًا، وإن أخذته أسيرًا فلا تقتله ولا تقم عليه الحد، ولكن تسلمه إلى ولاة الأمور، وإن هرب فلا تتبعه. فالمقصود أن قتال اللصوص وقتال الخوارج، إنما يقاتلهم الإنسان قتال دفاع، ويدفعهم بالأسهل فالأسهل.شرح الشيخ الراجحي.
المتن - وَلَا نَشْهَدُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ اَلْقِبْلَةِ بِعَمَلٍ يَعْمَلُهُ بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ نَرْجُو لِلصَّالِحِ وَنَخَافُ عَلَيْهِ، وَنَخَافُ عَلَى اَلْمُسِيءِ اَلْمُذْنِبِ، وَنَرْجُو لَهُ رَحْمَةَ اَللَّهِ. الشرح: من عقيدة أهل السنة أنهم لا يجزمون لأحد بجنة ولا نار ولو انطبقت عليه بعض الأحاديث، وهناك أحاديث في الوعيد، وهناك أحاديث في الوعد، فيقولون: إن أمره إلى الله تعالى.إلا من جزم له النبي صلى الله عليه وسلم كالعشرة المبشرين بالجنة ونحوهم من الذين ورد تسميتهم أنهم من أهل الجنة. قال صلى الله عليه وسلم "أبو بكر في الجنة ، وعمر في الجنة ، وعثمان في الجنة ، وعلي في الجنة ، وطلحة في الجنة ، والزبير في الجنة ، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة ، ، وسعد بن أبي وقاص في الجنة ، وسعيد بن زيد في الجنة ، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة"الراوي: سعيد بن زيد و عبدالرحمن بن عوف المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 50-خلاصة حكم المحدث: صحيح. "لا يَدْخُلُ النارَ أحدٌ ممَن بايعَ تحتَ الشجرةِ."الراوي : جابر بن عبدالله - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح أبي داود . " الحسَنُ والحُسَيْنُ سيِّدا شَبابِ أَهْلِ الجنَّةِ."الراوي : أبو سعيد الخدري- المحدث : الوادعي - المصدر : الصحيح المسند. وكالذين ورد أنهم من أهل النار كـ أبي لهب كما في قوله تعالى"سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ"المسد:3. ونحوهم ممن وردت النصوص في أنهم من أهل العذاب.الجبرين. "أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أبو طالِبٍ فقالَ: لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفاعَتي يَومَ القِيامَةِ، فيُجْعَلُ في ضَحْضاحٍ مِن نارٍ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي منه دِماغُهُ."الراوي : أبو سعيد الخدري - صحيح مسلم. العباسُ بنُ عبدِ المطلب قَالَ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ما أغْنَيْتَ عن عَمِّكَ، فإنَّه كانَ يَحُوطُكَ ويَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: هو في ضَحْضَاحٍ مِن نَارٍ، ولَوْلَا أنَا لَكانَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ."الراوي : العباس بن عبدالمطلب - صحيح البخاري. "بيْنَما رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ وجَمْعُ قُرَيْشٍ في مَجَالِسِهِمْ، إذْ قَالَ قَائِلٌ منهمْ: ألَا تَنْظُرُونَ إلى هذا المُرَائِي أيُّكُمْ يَقُومُ إلى جَزُورِ آلِ فُلَانٍ، فَيَعْمِدُ إلى فَرْثِهَا ودَمِهَا وسَلَاهَا، فَيَجِيءُ به، ثُمَّ يُمْهِلُهُ حتَّى إذَا سَجَدَ وضَعَهُ بيْنَ كَتِفَيْهِ، فَانْبَعَثَ أشْقَاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وضَعَهُ بيْنَ كَتِفَيْهِ، وثَبَتَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إلى فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ - وهي جُوَيْرِيَةٌ -، فأقْبَلَتْ تَسْعَى، وثَبَتَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَاجِدًا حتَّى ألْقَتْهُ عنْه، وأَقْبَلَتْ عليهم تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الصَّلَاةَ، قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بقُرَيْشٍ، ثُمَّ سَمَّى: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بعَمْرِو بنِ هِشَامٍ، وعُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وشيبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بنِ عُتْبَةَ، وأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، وعُقْبَةَ بنِ أبِي مُعَيْطٍ، وعُمَارَةَ بنِ الوَلِيدِ. قَالَ عبدُ اللَّهِ: فَوَاللَّهِ لقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَومَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إلى القَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: وأُتْبِعَ أصْحَابُ القَلِيبِ لَعْنَةً."الراوي : عبدالله بن مسعود - صحيح البخاري. " وأُتْبِعَ أصْحَابُ القَلِيبِ لَعْنَةً"يَعني: أنَّ اللهَ أتبَعَهم لَعنةً، فكما أنَّهم مَقتولونَ في الدُّنيا، هم مَطرودونَ في الآخِرةِ مِن رَحمةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.فنجزم لهؤلاء أنهم من أهل النار لورود النص الصريح في حقهم.لأنه يلزم من طردهم من رحمة الله أنهم من أهل النار. فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة لا يشهدون للمعين بجنة ولا نار- إلا ما ورد فيه نص-، لكن يرجون للمحسن ويخافون على المسيء، من رأيناه مستقيمًا على طاعة الله، وعمل الطاعات نرجو له الجنة لكن ما نشهد له بالجنة بعينه جزمًا، ومن رأيناه يعمل المعاصي والمخالفات نخاف عليه من النار، ولكن لا نشهد له بالنار بعينه، ولكن نشهد بالعموم.الراجحي. ولكن نشهد بالعموم: أي نشهد بأن المتن - وَمَنْ لَقِيَ اَللَّهَ بِذَنْبٍ يَجِبُ لَهُ بِهِ اَلنَّارُ تَائِبًا غَيْرَ مُصِرٍّ عَلَيْهِ فَإِنَّ اَللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ، وَيَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُو عَنْ اَلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْ لَقِيَهُ وَقَدْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ اَلذَّنْبِ فِي اَلدُّنْيَا، فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، كَمَا جَاءَ فِي اَلْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ لَقِيَهُ مُصِرًّا غَيْرَ تَائِبٍ مِنْ اَلذُّنُوبِ اَلَّتِي قَدْ اِسْتَوْجَبَ بِهَا اَلْعُقُوبَةَ فَأَمْرُهُ إِلَى اَللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَمِنْ لَقِيَهُ وَهُوَ كَافِرٌ عَذَّبَهُ وَلَمْ يَغْفِرْ لَهُ. الشرح: *وَمَنْ لَقِيَ اَللَّهَ بِذَنْبٍ يَجِبُ لَهُ بِهِ اَلنَّارُ تَائِبًا غَيْرَ مُصِرٍّ عَلَيْهِ فَإِنَّ اَللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ، وَيَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُو عَنْ اَلسَّيِّئَاتِ: قال تعالى "وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ"الشورى:25. هذا بيان لكمال كرم الله تعالى وسعة جوده وتمام لطفه، بقبول التوبة الصادرة من عباده حين يقلعون عن ذنوبهم ويندمون عليها، ويعزمون على أن لا يعاودوها، إذا قصدوا بذلك وجه ربهم، فإن الله يقبلها بعد ما انعقدت سببًا للهلاك، ووقوع العقوبات الدنيوية والدينية. " وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ " ويمحوها، ويمحو أثرها من العيوب، وما اقتضته من العقوبات، ويعود التائب عنده كريما، كأنه ما عمل سوءا قط، ويحبه ويوفقه لما يقر به إليه. ولما كانت التوبة من الأعمال العظيمة، التي قد تكون كاملة بسبب تمام الإخلاص والصدق فيها، وقد تكون ناقصة عند نقصهما، وقد تكون فاسدة إذا كان القصد منها بلوغ غرض من الأغراض الدنيوية، وكان محل ذلك القلب الذي لا يعلمه إلا الله، ختم هذه الآية بقوله" وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ".تفسير السعدي. بِذَنْبٍ يَجِبُ لَهُ بِهِ اَلنَّارُ: وهي الكبائر. جمع كبيرة . وأصح ما قيل في تعريف الكبيرة من الأقوال الكثيرة، أن الكبيرة: كل ذنب وجب فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، كل ذنب ترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة بالنار، أو اللعن، أو الغضب مثل الذنب الذي وجب فيه حد في الدنيا مثل الزنا فيها الرجم أو الجلد، مثل السرقة فيها قطع اليد، مثل شرب الخمر فيه الجلد. أو وعيد في الآخرة بالنار، مثل من أكل مال اليتيم توعد عليه بالنار " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا "النساء:10. ومثل القتل توعد عليه بالنار واللعنة والغضب. قال تعالى "وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا"النساء:93. * وَمَنْ لَقِيَهُ وَقَدْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ اَلذَّنْبِ فِي اَلدُّنْيَا، فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، كَمَا جَاءَ فِي اَلْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم: الشرح:يقول عُبادةُ بنُ الصَّامِتِ رضي الله عنه " بَايَعْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في رَهْطٍ، فَقالَ:أُبَايِعُكُمْ علَى أنْ لا تُشْرِكُوا باللَّهِ شيئًا، ولَا تَسْرِقُوا، ولَا تَزْنُوا، ولَا تَقْتُلُوا أوْلَادَكُمْ، ولَا تَأْتُوا ببُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بيْنَ أيْدِيكُمْ وأَرْجُلِكُمْ، ولَا تَعْصُونِي في مَعروفٍ، فمَن وفَى مِنكُم فأجْرُهُ علَى اللَّهِ، ومَن أصَابَ مِن ذلكَ شيئًا فَأُخِذَ به في الدُّنْيَا، فَهو له كَفَّارَةٌ وطَهُورٌ، ومَن سَتَرَهُ اللَّهُ، فَذلكَ إلى اللَّهِ: إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وإنْ شَاءَ غَفَرَله."الراوي : عبادة بن الصامت -صحيح البخاري. قال الحافظ في الفتح :1/6" ويستفاد من الحديث أن إقامة الحدّ كفارة للذنب ولو لم يتب المحدود وهو قول الجمهور وقيل لا بدّ من التوبة وبذلك جزم بعض التابعين .ا.هـ. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأُحِبُّ لِمَنْ أَصَابَ ذَنْبًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ وَيَتُوبَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَنَّهُمَا أَمَرَا رَجُلا أَنْ يَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ . سنن الترمذي 1439 . فلا يحتاج إذن من أصاب حدّا أن يذهب إلى القاضي ويعترف ويطلب إقامة الحدّ عليه وإنما يُندب له أن يستر نفسه ويتوب فيما بينه وبين الله عزّ وجلّ ، ويُكثر من عمل الصّالحات ، والحسنات يُذهبن السيئات والتائب من الذّنب كمن لا ذنب له . نسأل الله العافية والمغفرة.الإسلام سؤال وجواب. قال صلى الله عليه وسلم"كُلُّ أُمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المُجاهَرَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ باللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وقدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عليه، فَيَقُولَ: يا فُلانُ، عَمِلْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وقدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، ويُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عنْه"الراوي : أبو هريرة /صحيح البخاري. وفي الحَديثِ: أنَّ على مَن ابتُليَ بمَعصيةٍ أنْ يَستُرَ على نفْسِه. وفيه: أنَّ ارتِكابَ المعصيةِ مع سَتْرِها أهونُ وأخفُّ مِن المجاهَرةِ بها.الدرر. "أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم قام بعد أنْ رجَم الأسْلَميَّ فقال: اجتنِبوا هذه القاذوراتِ التي نهى اللهُ تعالى عنها ، فمن ألَمَّ بشيءٍ منها فلْيستَتِرْ بسِترِ اللهِ ، و لْيَتُبْ إلى اللهِ ، فإنه من يُبدِ لنا صفحتَه ، نُقِمْ عليه كتابَ اللهِ"الراوي : عبدالله بن عمر - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم : 149 - خلاصة حكم المحدث : صحيح. في هذا الحَديثِ يُخبِرُ عبدُ اللهِ بن عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما "أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قام بعد أن رَجَمَ الأسْلَميَّ"، وهو ماعِزُ بنُ مالكٍ الأسْلَميُّ، وكان رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أقامَ عليه حَدَّ الزاني المُحْصَنِ وهو الرَّجْمُ، وكان ماعزٌ قد أقرَّ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالزِّنا كما جاء في الرِّواياتِ الأُخرَى، ثم قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "اجْتَنِبوا هذه القاذوراتِ التي نَهى اللهُ تعالى عنها"، والمُرادُ بالقاذوراتِ: الأفعالُ القَبيحةُ والسيِّئةُ التي نَهى عنها الشَّرْعُ، ومنها الزنا؛ "فمَن ألمَّ بشَيءٍ منها"، أي: وَقَعَ فيها وفَعَلَها، "فلْيَسْتَتِرْ بسِتْرِ اللهِ"، أي: يَمْتنعْ أنْ يَتحدَّثَ أو يُخبِرَ أحدًا، "ولْيَتُبْ إلى اللهِ"، أي: ولْيُسارِعْ في التَّوبَةِ من ذَنْبِهِ الذي أذْنَبَهُ؛ "فإنَّه مَن يُبْدِ لنا صَفْحَتَه"، بأنْ أظْهَرَ لنا وأَطْلَعَنا على فَعْلتِهِ وذَنْبِهِ، "نُقِمْ عليه كِتابَ اللهِ"، أي: نَحكُمْ عليه بحُكْمِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ونقم عليه الحَدَّ الذي ذَكرَه اللهُ تعالى في كِتابِه. وفي الحديثِ: أنَّ العبْدَ يُؤاخذُ في الدُّنْيا بما يُظهِرُه، وأمَّا ما خَفِيَ فأمْرُهُ إلى اللهِ تعالى.الدرر. المتن:وَمَنْ لَقِيَهُ مُصِرًّا غَيْرَ تَائِبٍ مِنْ اَلذُّنُوبِ اَلَّتِي قَدْ اِسْتَوْجَبَ بِهَا اَلْعُقُوبَةَ فَأَمْرُهُ إِلَى اَللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَمِنْ لَقِيَهُ وَهُوَ كَافِرٌ عَذَّبَهُ وَلَمْ يَغْفِرْ لَهُ. الشرح: من مات على الإسلام ولكنه عاصٍ ولم يتب من ذنبه، فَذَلِكَ مُفَوَّض إلى اللهِ، إنْ شاءَ عَذَّبَه بِعَدْلِه، وإنْ شاءَ غَفَرَ لَه بِفَضلِه.
فالخلق إذن دائرون بين عدل الله وفضله، وما أحسن ما نسب إلىالشافعيرحمه الله من قوله: إنْ ُعذِّبُوا فبعدلِهِ أو نُعِّمُوا فبفضلِهِ وهو الكريمُ الواسعُ والله تعالى لا يحب أن يعذب عباده كما قال"مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا"النساء:147، فهو إذن يحب منهم الإيمان والطاعة ليدخلوا الجنة، فإذا عتى الإنسان وتمرد وأبى إلا الكُفْر والمعاصي فلا يلومنَّ إلا نفسه.
يقول التَّابعيُّ صَفوانُ بنُ مُحرِزٍ المازِنيُّ "بيْنَما أنَا أمْشِي مع ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنْهما آخِذٌ بيَدِهِ، إذْ عَرَضَ رَجُلٌ، فَقالَ: كيفَ سَمِعْتَ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ في النَّجْوَى؟ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: إنَّ اللَّهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عليه كَنَفَهُ ويَسْتُرُهُ، فيَقولُ: أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فيَقولُ: نَعَمْ أيْ رَبِّ، حتَّى إذَا قَرَّرَهُ بذُنُوبِهِ، ورَأَى في نَفْسِهِ أنَّه هَلَكَ، قالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيَا، وأَنَا أغْفِرُهَا لكَ اليَومَ، فيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وأَمَّا الكَافِرُ والمُنَافِقُونَ، فيَقولُ الأشْهَادُ"هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ"هود: 18.الراوي : عبدالله بن عمر -المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم 2441 -خلاصة حكم المحدث : صحيح
يَذكُرُ التَّابعيُّ صَفوانُ بنُ مُحرِزٍ المازِنيُّ أنَّه كان يَسيرُ مع عبْدِ اللهِ بنِ عمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما آخِذًا بيَدَيْه، إذ ظَهَرَ له رجُلٌ، وسَأَلَه عن النَّجْوَى، والنَّجوى هي إسرارُ الواحدِ بالكلامِ مع آخَرَ على انفرادٍ، والمرادُ بها هنا: ما يقَعُ بيْن اللهِ تعالَى وبيْن عبْدِه المؤمنِ يومَ القيامةِ،وهو فضْلٌ مِن اللهِ تعالَى، حيث يَذكُرُ المَعاصيَ للعبْدِ سِرًّا. فذَكَرَ ابنُ عمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أخبَرَ أنَّ اللهَ تعالَى يُدْني المؤمنَ، أي: يُقرِّبه إليه يومَ القيامةِ؛ ليُكلِّمَه ويَعرِضَ عليه ذُنوبَه فيما بيْنه وبيْنه، فيَضَعُ عليه كنَفَه، والكَنَفُ في اللُّغةِ: السَّتْرُ والحِرزُ والنَّاحيةُ، ويَستُرُه، أي: يَستُرُ عبْدَه عن رُؤيةِ الخَلْق له؛ لئلَّا يَفتضِحَ أمامَهم فيُخْزى، ويُكلِّمُه فيها سِرًّا فيَقولُ له: أتَعرِفُ ذنْبَ كذا؟ أتَعرِفُ ذنْبَ كذا؟ فيُذكِّرُه بما فعَلَه في الدُّنيا في لُطفٍ وخَفاءٍ، حتَّى إذا قَرَّره بذلك واعتَرَف بذُنوبِه، وتَيقَّن أنَّه داخلٌ النَّارَ لا مَحالةَ إلَّا أنْ يَتَدارَكَه عفْوُ اللهِ؛ يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ له: سَتَرتُها عليك في الدُّنيا وأنا أغفِرُها لك اليومَ. أمَّا الكافرُ والمنافقُ في عَقيدتِه، فيَقولُ الأشهادُ -وهم الحاضِرون مِن الملائكةِ والنَّبيِّين والجنِّ والإنسِ"هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ"هود: 18، أي: هؤلاء الَّذين كَفَروا ونَسَبوا إلى اللهِ ما لا يَليقُ به مِن الشَّريكِ والولدِ والزَّوجةِ، وغيرِ ذلك، "أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ" أي: ألَا سَخَطُ اللهِ الدَّائمُ وإبعادُه مِن رَحمتِه، على المُعتَدينَ الذين وَضَعوا العبادةَ في غيرِ مَوضِعِها. وفي الحديثِ: إثباتُ صِفةِ الكلامِ للهِ عزَّ وجلَّ على ما يَليقُ بجَلالِه.الدرر السنية. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " عصاة المسلمين ثلاثة أقسام : قسم يغفر الله له ولا يدخل النار أصلاً ، وقسم آخر يدخل النار ويعذب بقدر ذنوبه ثم يخرج ، وقسم ثالث يدخل النار ويعذب ، ولكن يكون له الشفاعة ، فيخرج من النار قبل أن يستكمل ما يستحقه من العذاب" .فتاوى نور على الدرب" 4/ 2: بترقيم الشاملة. فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة - أن أهل المعاصي من الموحدين الذين تغلب سيئاتهم حسناتهم، واستوجبوا النار بأعمالهم، لا يخلدون في النار كباقي المشركين؛ ولكنهم يمكثون فيها بقدر معاصيهم، ثم يأمر الله تعالى الملائكة بإخراجهم من النار وإدخالهم الجنة، وذلك للأدلة التالية: "............فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وقُلْ يُسْمَعْ، وسَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأقُولُ: يا رَبِّ ائْذَنْ لي فِيمَن قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فيَقولُ: وعِزَّتي وجَلَالِي، وكِبْرِيَائِي وعَظَمَتي لَأُخْرِجَنَّ منها مَن قالَ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ."الراوي : أنس بن مالك - صحيح البخاري. وفيه: دليلٌ على أنَّ أهلَ المَعاصي من أُمَّةِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا يُخلَّدونَ في النَّارِ.الدرر السنية. "يَدْخُلُ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يقولُ اللَّهُ تَعَالَى:أخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن إيمَانٍ. فيُخْرَجُونَ منها قَدِ اسْوَدُّوا، فيُلْقَوْنَ في نَهَرِ الحَيَا، أوِ الحَيَاةِ - شَكَّ مَالِكٌ - فَيَنْبُتُونَ كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ في جَانِبِ السَّيْلِ، ألَمْ تَرَ أنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً." الراوي : أبو سعيد الخدري- صحيح البخاري. وهذا الحَديثُ نصٌّ في أنَّ الإيمانَ في القُلوبِ يَتفاضَلُ، وأنَّ أهلَ الإيمانِ يَتفاضَلون في درَجاتِ إيمانِهم. وفيه أيضًا: أنَّ مُرتكِبَ المعاصي مُعرَّضٌ للعُقوبةِ في الدَّارِ الآخِرةِ، ودُخولِ النَّارِ، إلَّا أنْ يَعفُوَ اللهُ عنه.الدرر السنية.
إقامة العدل بين العباد، إنما يتحقق كاملا في الآخرة عندما توضع موازين القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئا. وأما في الدنيا فقد يموت المظلوم بمظلمته، ويموت الظالم بظلمه، دون أن يقام العدل بينهما، حتى تُقتَصَّ بينهم المظالم يوم القيامة. وكذلك فإن المحسنين في الدنيا يموت بعضهم دون أن يرى جزاء إحسانه فيها، حتى يُجزَى بذلك يوم القيامة! وذلك أن الدنيا ليست بدار جزاء، وإنما هي دار عمل، بعكس الآخرة فهي دار جزاء وليست دار عمل. وهذا لا يتعارض مع اتصاف الله تعالى بالعدل مطلقًا، فهو سبحانه متصف بذلك أزلا وأبدًا، وإن كان ظهور آثاره للعباد في الدنيا يتفاوت، حتى يظهر جليا للجميع، ويرى حق اليقين، في الآخرة، حيث"تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ "البقرة:281، آل عمران:161، وذلك يوم القيامة، كما قال تعالى" الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ"غافر: 17.
المتن -وَالرَّجْمُ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَا وَقَدْ أُحْصِنَ إِذَا اعْتَرَفَ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ،وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-،وَقَدْ رَجَمَتْ الأَئِمَّةُ الرَّاشِدُونَ. الشرح: الزاني المحصن:هو الذي قد تزوج ثم زنا بعدما تزوج زواجًاشرعيًّا ودخل بامرأته . ولا يلزم في إقامة حد الرجم أن يكون - الرجل أو المرأة - متزوجًا حال فعل الزنا ، فمن طلق أو ماتت زوجته بعد الدخول بها ، فإنه محصن إذا توفرت فيه بقية الشروط ، وكذا من طلقت أو مات زوجها ، فإنها محصنة . جاء في الموسوعة الفقهية :2/227" وَمِمَّا تَجْدُرُ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بَقَاءُ النِّكَاحِ لِبَقَاءِ الْإِحْصَانِ , فَلَوْ نَكَحَ فِي عُمُرِهِ مَرَّةً ثُمَّ طَلَّقَ وَبَقِيَ مُجَرَّدًا , وَزَنَى رُجِمَ " انتهى . فتوى اللجنة الدائمة:من تزوج بزوجة ثم زنا أقيم عليه حدالرجم، سواء كانت زوجته باقية في عصمته، أم ماتت؛ لأنه صار بوطئه زوجته محصنًا، وكذا الحكم في المرأة. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.المصدر:اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:22/38: عبد الله بن قعود ... عضو عبد الله بن غديان ... عضو عبد الرزاق عفيفي ... نائب الرئيس عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الرئيس. حد الرجم للزاني للمحصن ثابت بالكتاب والسنَّة والإجماع. فالمحصن من السنة أن يرجم حتى يموت إذا قامت عليه البيِّنة، أو اعترف بالزنا أربع مرات وبقي على اعترافه إلى أن يقام عليه الحد. حكم الزاني المحصن فإن حكمه الرجم بالحجارة حتى الموت ، وقد ذُكر في آية قرآنية نزلت وتليت وعمل بها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ثم نسخت تلاوتها وبقي حكمها ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال "إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ " رواه البخاري : 6442- ومسلم : 1691 . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ " أَبِكَ جُنُونٌ ؟ " قَالَ : لَا قَالَ "فَهَلْ أَحْصَنْتَ " قَالَ : نَعَمْ .فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ " .رواه البخاري : 6430 - ومسلم : 1691 . وفي رواية: عن جَابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ الأنْصَارِيِّ قَالَ: كُنْتُ فِيمَن رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بالمُصَلَّى بالمَدِينَةِ، فَلَمَّا أذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ جَمَزَ حتَّى أدْرَكْنَاهُ بالحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ حتَّى مَاتَ."الراوي : أبو هريرة وجابر-المحدث : البخاري -المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم: 5271. "أَذْلَقَتْه الحِجارةُ" أي: أقْلَقتْه وأَوجَعَتْه، "جَمَزَ" أي: أسرَعَ هارِبًا مِن القَتلِ، فأدْرَكوه بالحَرَّةِ فَرَجَمْوه حَتَّى ماتَ، والحَرَّةُ: مَكانٌ مَعروفٌ بالمَدينةِ مِن الجانِبِ الشَّماليِّ مِنه.الدرر السنية.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَما إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ أحَدُهُمَا: اقْضِ بيْنَنَا بكِتَابِ اللَّهِ، وقالَ الآخَرُ -وهو أفْقَهُهُمَا-: أجَلْ يا رَسولَ اللَّهِ، فَاقْضِ بيْنَنَا بكِتَابِ اللَّهِ، وأْذَنْ لي أنْ أتَكَلَّمَ، قالَ: تَكَلَّمْ، قالَ: إنَّ ابْنِي كانَ عَسِيفًا علَى هذا -قالَ مَالِكٌ: والعَسِيفُ الأجِيرُ - زَنَى بامْرَأَتِهِ، فأخْبَرُونِي أنَّ علَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ منه بمِائَةِ شَاةٍ وجَارِيَةٍ لِي، ثُمَّ إنِّي سَأَلْتُ أهْلَ العِلْمِ، فأخْبَرُونِي أنَّ ما علَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ، وإنَّما الرَّجْمُ علَى امْرَأَتِهِ،فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أمَا والَّذي نَفْسِي بيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بيْنَكُما بكِتَابِ اللَّهِ، أمَّا غَنَمُكَ وجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وغَرَّبَهُ عَامًا، وأُمِرَ أُنَيْسٌ الأسْلَمِيُّ أنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الآخَرِ، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا، فَاعْتَرَفَتْفَرَجَمَهَا."الراوي : أبو هريرة وزيد بن خالد الجهني - المحدث : البخاري- المصدر : صحيح البخاري -الصفحة أو الرقم: 6633. وفيه: أنَّ الرَّجُل إذا كانَ مُحصَنًا فحَدُّه الرَّجمُ، وإنْ لَم يكُن مُحصَنًا وَزَنى فإنَّه يُجلَدُ مائةَ جَلدةٍ ويُغَرَّبُ عامًا. وفيه: أنَّ من أقَرَّ بالحدِّ وجب على الإمامِ إقامتُه عليه، ولو لم يعتَرِفْ مُشارِكُه في ذلك.الدرر السنية. " أنَّ امرأةً يعني من غامدٍ أتت النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالت إنِّي قد فجرتُ فقال ارجِعي . فرجعت ، فلمَّا كان الغدُ أتته ، فقالت : لعلَّك أن ترُدَّني كما رددتَ ماعزَ بنَ مالكٍ ! فواللهِ إنِّي لحُبلَى . فقال لها : ارجِعي فرجعت ، فلمَّا كان الغدُ أتته ، فقال لها : ارجِعي حتَّى تلِدي . فرجعت ، فلمَّا ولدت أتته بالصَّبيِّ فقالت : هذا قد ولدتُه ، فقال لها : ارجِعي فأرضعيه حتَّى تَفطميه . فجاءت به وقد فطمته وفي يدِه شيءٌ يأكلُه ، فأمر بالصَّبيِّ فدُفِع إلى رجلٍ من المسلمين ، وأمر بها فحُفِر لها ؛ وأمر بها فرُجِمَت . وكان خالدٌ فيمن يرجمُها فرجمها بحجرٍ فوقعت قطرةٌ من دمِها على وجنتِه ، فسبَّها . فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : مهلًا يا خالدُ فوالَّذي نفسي بيدِه ! لقد تابت توبةً لو تابها صاحبُ مُكسٍ لغُفِر له . وأمر بها فصلَّى عليها ودُفِنت "الراوي : بريدة بن الحصيب الأسلمي- المحدث : الألباني - المصدر : صحيح أبي داود-الصفحة أو الرقم : 4442- خلاصة حكم المحدث : صحيح. صاحبُ مُكسٍ: والْمُكْسُ: الْجبايَةُ،الذي يفرض على الناس ضرائب بغير حق. وغَلَبَ استعمالُه فيما يَأخُذه أعوانُ الظَّلمةِ عِند البيعِ والشِّراءِ. في الحديثِ: أنَّ الحدودَ تُكفِّرُ الذُّنوبَ. وفيه: أنَّ توبةَ الزَّاني لا تُسقِطُ عنه حدّ الزِّنا. وفيه: بيانُ عِظمِ التَّوبةِ، وأنَّها تَجُبُّ الذَّنبَ وإنْ عَظُمَ. وفيه: بيانُ حدِّ الزَّاني إذا كان مُحْصَنًا. وفيه: أنَّ مِن هدْيِه صلَّى الله عليه وسلَّمُ التَّثَبُّتَ مِنَ الأمرِ قدْرَ المستطاعِ خصوصًا فيالحدودِ.الدرر السنية. "............جَاءَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وَهُمْ جُلُوسٌ، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، فَقالَ: اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بنِ مَالِكٍ، قالَ: فَقالوا: غَفَرَ اللَّهُ لِمَاعِزِ بنِ مَالِكٍ،قالَ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: لقَدْ تَابَ تَوْبَةً لو قُسِمَتْ بيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ."الراوي : بريدة بن الحصيب الأسلمي-صحيح مسلم. *هل تطبيق الحد مُكَفِّر للذنب : عن عبادة بن الصامت قال:كُنَّا مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ في مَجْلِسٍ، فَقالَ" تُبَايِعُونِي علَى أَنْ لا تُشْرِكُوا باللَّهِ شيئًا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بالحَقِّ، فمَن وَفَى مِنكُم فأجْرُهُ علَى اللهِ، وَمَن أَصَابَ شيئًا مِن ذلكَ فَعُوقِبَ به فَهو كَفَّارَةٌ له، وَمَن أَصَابَ شيئًا مِن ذلكَ فَسَتَرَهُ اللَّهُ عليه، فأمْرُهُ إلى اللهِ، إنْ شَاءَ عَفَا عنْه، وإنْ شَاءَ عَذَّبَهُ".صحيح مسلم " فَعُوقِبَ به فَهو كَفَّارَةٌ له "فَعُوقِبَ بِه في الدُّنْيا بِأَنْ أُقيمَ عليه الحَدُّ، فَهو، أي: العِقابُ كَفارَّة لَه فَلا يُعاقَبُ عليه في الآخِرةِ وطَهور يُطَهِّره اللهُ به مِن دَنَسِ المَعصيةِ. ومَن سَتَرَه اللهُ فَذَلِكَ مُفَوَّض إلى اللهِ، إنْ شاءَ عَذَّبَه بِعَدْلِه، وإنْ شاءَ غَفَرَ لَه بِفَضلِه.الدرر السنية. *هل يُغفر للزاني التائب ولو لم يُقم عليه الحد ؟ إن صدق في التوبة ، وأكثر من الاستغفار فلا يلزمه أن يعترف ليقام عليه الحد ، بل التوبة كافية إن شاء الله تعالى . قال تعالى"وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا*إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا"الفرقان: 68 :70. يَرْوي بُرَيْدةُ بنُ الحُصَيْبِ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ ماعِزَ بنَ مالِكٍ الأسْلَمِيَّ رَضيَ اللهُ عنه :جَاءَ مَاعِزُ بنُ مَالِكٍ إلى النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقالَ: وَيْحَكَ! ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَتُبْ إلَيْهِ، قالَ: فَرَجَعَ غيرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ:وَيْحَكَ! ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَتُبْ إلَيْهِ.............."صحيح مسلم. فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: اذهبوا به، فارجموه. قال النووي : وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى سُقُوط إِثْم الْمَعَاصِي الْكَبَائِر بِالتَّوْبَةِ , وَهُوَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ .اهـ . وقال الحافظ ابن حجر : ويؤخذ من قضيته – أي : ماعز عندما أقرَّ بالزنى - أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحدٍ . . . وبهذا جزم الشافعي رضي الله عنه فقال : أُحبُّ لمن أصاب ذنباً فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب اهـ ." فتح الباري " 12 / 124 ، 125 . *ولي الأمر أو من ينوبة فقط هو الذي له حق إقامة الحد : من وقع في الزنا وجب عليه أن يتوب إلى الله توبة نصوحًا، وينبغي أن يستر نفسه بستر الله- عز وجل- ولا يُطالب بإقامة الحد عليه،ولا يقيم الحدود إلا الحاكم المسلم، أو من يقوم مقام الحاكم، ولا يجوز لأفراد المسلمين أن يقيموا الحدود؛ لما يلزم على ذلك من الفوضى والفتنة. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء/الرئيس: عبد/العزيز بن عبد الله بن باز/ عضو: عبد الله بن غديان/عضو: صالح الفوزان/عضو: عبد العزيز آل الشيخ.
المتن وَمَنِ انْتَقَصَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-،أَوْأَبْغَضَهُ لِحَدَثٍ كَانَ مِنْهُ،أَوْ ذَكَرَ مَسَاوِئَهُ،كَانَ مُبْتَدِعًا حَتَّى يَتَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا،وَيَكُونُ قَلْبُهُ لَهُمْ سَلِيمًا. الشرح: من عقيدة أهل السنة والجماعة وأصولهم حب أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- والذب عنهم، واعتقاد ما ثَبتَ لهم من الفضل والأجر، فإن حبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. والصحابي هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا، ومات على الإسلام، هذا أصح ما قيل في تعريف الصحابي. من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا ولو لحظة، ثم مات على الإسلام هذا هو الصحابي،وهذا أولى من قول "من رأى النبي صلى الله عليه وسلم" ليشمل العميان، كعبد الله ابن أم مكتوم، فإنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه لم يرهلأنه أعمى، ولكنه لم يره، فهو صحابي،كل الصحابة عدول لا تبحث عنهم. أما من بَعْدَهم لا بدأن يُبْحَث عنهم هل هو عدل أو ليس بعدل، هل هو ثقة أو ليس بثقة، هل هو ضابط أو ليس بضابط، كل واحد من رواة الحديث يبحث عنه .ويشمل ذلك صغار الصحابة وأطفالهم الذين حنكهم النبي صلى الله عليه وسلم فهم صحابة، ولكنهم يتفاوتون؛ يختلفون في الصحبةيختلفون كما سبق وفصلنا.فكانوا رضي الله عنهم وأرضاهم خيرَ صَحْبٍ لخيرِ مَن مشى على وجهِ الأرضِ -رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فإن الصحابة الكرام هم الذين نقلوا إلينا الإسلام، وقد أثنى الله عليهم في القرآن ورضي عنهم ورضوا عنه، وحثنا على الاستغفار لهم والترحم عليهم"وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ"الحشر:10. وَمَنِ انْتَقَصَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَيعني: عابهم أو ذكر مثالبهم أو مساوئهم أو نحو ذلك، فإنه يعتبر بذلك قد ابتدع وتعدى على حرمة الصحابة رضي الله عنهم. قال صلى الله عليه وسلم" لا تَسُبُّوا أصْحابِي؛ فلوْ أنَّ أحَدَكُمْ أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ".الراوي : أبو سعيد الخدري - صحيح البخاري. وفي الحَديثِ: تَفْضيلُ الصَّحابةِ كلِّهم على جَميعِ مَن بعْدَهم.الدرر السنية. "سُئِلَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ...."....." الراوي : عبدالله بن مسعود -صحيح البخاري. فاضَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بين المُسلِمين على أساسِ قُوَّةِ التدَيُّنِ وقوَّةِ الإيمانِ، كما فاضَلَ في أحاديثَ مُتعَدِّدةٍ بين أصحابِه رَضِيَ اللهُ عنهم وغيرِهم، وفي هذا الحديثُ بَيانٌ جَلِيٌّ لفَضلِ الصَّحابةِ رضِيَ اللهُ عنهم وفَضْلِ التَّابعين وتابِعيهم.فالصَّحابةُ همْ أفضلُ المسلمينَ؛ لأنَّهم عاصَروا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ووضَّح لهمْ أُمورَ الدِّينِ وأخَذُوه عنه مُباشرةً، فهمْ أفضلُ النَّاسِ عِلمًا بسُنَّةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومَقاصدِ التَّشْريعِ، وعلى أَيديهمْ تمَّ نَشْرُ الدِّينِ في الفُتوحاتِ والغَزواتِ، ثمَّ أخَذَ التَّابِعونَ العِلمَ مِنهمْ وتابَعوا مَسيرةَ الجِهادِ، وهكذا إلى أنْ يَتباعدَ الزَّمانُ عنْ زَمانِ النُّبوَّةِ، فيَبْعُدونَ عن الهَدْي والسُّنَّةِ وصَحيحِ الدِّينِ شَيئًا فَشيئًا.وفي الحَديثِ: إشارةٌ إلى لُزومِ اتِّباعِ سَبيلِ القُرونِ الثَّلاثةِ الأُولى؛ فإنَّ مَن قَرُبَ زَمنُه مِن زَمنِ النُّبوَّةِ فهو أَوْلَى بالفضْلِ والعِلمِ والتَّأسِّي والاقتداءِ بهَدْيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.الدرر السنية. يقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: "من كان منكم متأسيًا، فليتأسَّ بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإقامة دينه؛ فاعرِفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم"؛جامع بيان العلم وفضله: 2/ 947. قال الطحاوي في عقيدته، عن الصحابة، وحبهم دين وإيمانٌ، وحبهم دين وإيمانٌ وإسلام، وبغضهم كفرٌ ونفاقٌ وطغيان، فبغض الصحابة من علامات النفاق، ومن علامات خبث القلوب، والله تعالى أثنى على المؤمنين في دعائهم لمن سبقهم من المؤمنين، وأنه ليس في قلوبهم غلٌّ لهم، قال الله تعالى" وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ "الحشر: 10 . قال الإمام أبو زُرْعة الرازي - رحمه الله "إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ- فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ, وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ- عِنْدَنَا حَقٌّ, وَالْقُرْآنَ حَقٌّ, وَإِنَّمَا أَدَّى إِلَيْنَا هَذَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ-, وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ يُجَرِّحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ, وَالْجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى وَهُمْ زَنَادِقَةٌ"رواه الخطيب في الكفاية والحافظ ابن حجر في الإصابة..ا.هـ.الإصابة - ابن حجر قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله "مَا يُنْقَلُ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنَ الْمَثَالِبِ فَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا هُوَ كَذِبٌ، إِمَّا كَذِبٌ كُلُّهُ، وَإِمَّا مُحَرَّفٌ قَدْ دَخَلَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ مَا يُخْرِجُهُ إِلَى الذَّمِّ وَالطَّعْنِ، وَأَكْثَرُ الْمَنْقُولِ مِنَ الْمَطَاعِنِ الصَّرِيحَةِ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ يَرْوِيهَا الْكَذَّابُونَ الْمَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ... النَّوْعُ الثَّانِي: مَا هُوَ صِدْقٌ، وَأَكْثَرُ هَذِهِ الأُمُورِ لَهُمْ فِيهَا مَعَاذِيرُ تُخْرِجُهَا عَنْ أَنْ تَكُونَ ذُنُوبًا وَتَجْعَلُهَا مِنْ مَوَارِدِ الاجْتِهَادِ الَّتِي إِنْ أَصَابَ الْمُجْتَهِدُ فِيهَا فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ. وَالصَّحَابَةُ أَحَقُّ بِكُلِّ مَدْحٍ وَنَفْيِ كُلِّ ذَمٍّ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الأُمَّةِ"منهاج السنة النبوية. فيجب الإمساك عما شجر بين الصحابة من فتن، مع اعتقاد عدم عصمتهم وما شجر بينهم من باب الاجتهاد ولا نخوض فيه. اللهم احشرنا مع نبيك وأهل بيته المطهرين، وصحابته الغر الميامين.