بسم الله الرحمن الرحيم عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها
هي الصدّيقة بنت الصدّيق أم عبدالله عائشة بنت أبي بكر بن قُحافة وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر الكِنَانية ولدت في الإسلام بعد البعثة النبوية بأربع أو خمس سنوات
وعندما هاجر والدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعث إليها بعبد الله بن أريقط الليثي ومعه بعيران أو ثلاثة للحاق به ، فانطلقت مهاجرة مع أختها أسماء ووالدتها وأخيها
وقد عقد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة ببضعة عشر شهراً وهي بنت ست سنوات ودخل بها في شوّال من السنة الثانية للهجرة وهي بنت تسع سنوات وقبل الزواج بها رآها النبي صلى الله عليه وسلم - في المنام فقد جاءه جبريل عليه السلام وهو يحمل صورتها إليه ويقول له : ( هذه زوجتك في الدنيا والآخرة ) (1)
ولم يتزوج صلى الله عليه وسلم من النساء بكراً غيرها وهو شرفٌ استأثرت به على سائر نسائه وظلّت تفاخر به طيلة حياتها وتقول للنبي – صلى الله عليه وسلم " يا رسول الله ، أرأيت لو نزلتَ وادياً وفيه شجرةٌ قد أُكِل منها ، ووجدتَ شجراً لم يُؤكل منها في أيها كنت ترتع بعيرك ؟ " قال : ( في التي لم يرتع منها ) وهي تعني أنه لم يتزوج بكراً غيرها(2)
وتقول أيضاً " لقد أُعطيت تسعاً ما أُعطيتها امرأة بعد مريم بنت عمران ثم قالت - لقد تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم - بكراً ، وما تزوج بكراً غيري "(3)
وكان لعائشة رضي الله عنها منزلة خاصة في قلب رسول الله – صلى الله عليه وسلم لم تكن لسواها ، حتى إنّه لم يكن يخفي حبّها عن أحد وبلغ من حبّه لها أنه كان يشرب من الموضع الذي تشرب منه ويأكل من المكان الذي تأكل منه وعندما سأله عمرو بن العاص رضي الله عنه " أي الناس أحب إليك يا رسول الله ؟ " قال له : عائشة )(4) وكان النبي – صلى الله عليه وسلم يداعبها ويمازحها ، وربّما سابقها في بعض الغزوات
وقد روت عائشة رضي الله عنها ما يدلّ على ملاطفة النبي – صلى الله عليه وسلم -لها فقالت ( والله لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم يقوم على باب حجرتي ، والحبشة يلعبون بالحراب ورسول الله - صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه لأنظر إلى لعبهم من بين أذنه وعاتقه ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف ) (5)
ولعلم الناس بمكانة عائشة من رسول الله – صلى الله عليه وسلم كانوا يتحرّون اليوم الذي يكون فيه النبي – صلى الله عليه وسلم عندها دون سائر الأيّام ليقدّموا هداياهم وعطاياهم كما جاء في الصحيحين
ومن محبتّه – صلى الله عليه وسلم لها استئذانه لنساءه في أن يبقى عندها في مرضه الذي تُوفّي فيه لتقوم برعايته
ومما اشتهرت به عائشة رضي الله عنها غيرتها الشديدة على النبي – صلى الله عليه وسلم التي كانت دليلاً صادقاً وبرهاناً ساطعاً على شدّة محبّتها له وقد عبّرت عن ذلك بقولها له " وما لي لا يغار مثلي على مثلك ؟ " (6)
وفي يومٍ من الأيّام كان النبي صلى الله عليه وسلم - عندها فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بوعاء فيه طعام فقامت عائشة رضي الله عنها إلى الوعاء فكسرته فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم يجمع الطعام وهو يقول : ( غارت أمكم )(7)
وكلما تزوّج النبي - صلى الله عليه وسلم بامرأة كانت تسارع بالنظر إليها لترى إن كانت ستنافسها في مكانتها من رسول الله عليه الصلاة والسلام وكان النصيب الأعظم من هذه الغيرة لخديجة رضي الله عنها بسبب ذكر رسول الله لها كثيراً وعندما خرج النبي – صلى الله عليه وسلم في إحدى الليالي إلى البقيع ظنّت أنّه سيذهب إلى بعض نسائه ، فأصابتها الغيرة فانطلقت خلفه تريد أن تعرف وجهته فعاتبها النبي – صلى الله عليه وسلم وقال لها ( أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله ؟ )(8)
والحديث عن فضائلها لا يُملّ ولا ينتهي فقد كانت رضي الله عنها صوّامة قوّامة تُكثر من أفعال البرّ ووجوه الخير وقلّما كان يبقى عندها شيءٌ من المال لكثرة بذلها وعطائها حتى إنها تصدّقت ذات مرّة بمائة ألف درهم لم تُبق منها شيئاً
وقد شهد لها النبي – صلى الله عليه وسلم بالفضل ،فقال ( فضلُ عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام )(9)
ومن فضائلها قوله صلى الله عليه وسلم - لها ( يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام فقالت : وعليه السلام ورحمة الله ) (11)
وعلى الرغم من صغر سنّها ، إلا أنها كانت ذكيّةً سريعة التعلّم ولذلك استوعبت الكثير من علوم النبي - صلى الله عليه وسلم حتى أصبحت من أكثر النساء روايةً للحديث ولا يوجد في نساء أمة محمد - صلى الله عليه وسلم امرأة أعلم منها بدين الإسلام
ومما يشهد لها بالعلم قول أبي موسى رضي الله عنه " ما أشكل علينا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم حديثٌ قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علماً "(12)
وإلى جانب علمها بالحديث والفقه ، كان لها حظٌٌّ وافرٌ من الشعر وعلوم الطبّ وأنساب العرب واستقت تلك العلوم من زوجها ووالدها ومن وفود العرب التي كانت تقدم على رسول الله – صلى الله عليه وسلم
ومن بركتها رضي الله عنها أنها كانت السبب في نزول بعض آيات القرآن ، ومنها آية التيمم وذلك عندما استعارت من أسماء رضي الله عنها قلادة ، فضاعت منها ، فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه ليبحثوا عنها فأدركتهم الصلاة ولم يكن عندهم ماءٌ فصلّوا بغير وضوء فلما أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم شكوا إليه فنزلت آية التيمم ، فقال أسيد بن حضير لعائشة " جزاكِ الله خيراً ، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لكِ منه مخرجاً وجعل للمسلمين فيه بركة " (13)
وعندما ابتليت رضي الله عنها بحادث الإفك أنزل الله براءتها من السماء قرآناً يتلى إلى يوم الدين قال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ،لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ }(14)
وقد توفّيت سنة سبع وخمسين عن عمر يزيد على ثلاث وستين سنة وصلّى عليها أبو هريرة ، ثم دفنت بالبقيع ولم تُدفن في حجرتها بجانب رسول الله – صلى الله عليه وسلم فقد آثرت بمكانها عمر بن الخطاب فرضي الله عنهما وعن جميع أمهات المؤمنين
هنا يتبــــــــــــــــع --- (1)الراوي: عائشة المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم: 3880
خلاصة حكم المحدث: صحيح --- (2)الراوي: عائشة المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 5077
خلاصة حكم المحدث: [صحيح] --- (3)الراوي: عائشة المحدث: الذهبي - المصدر: سير أعلام النبلاء الصفحة أو الرقم: 2/141
خلاصة حكم المحدث: إسناده جيد --- (4) الراوي: عمرو بن العاص المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترمذي الصفحة أو الرقم: 3885
خلاصة حكم المحدث: صحيح --- (5) الراوي: عائشة المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 892
خلاصة حكم المحدث: صحيح --- (6)الراوي: عائشة المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 2815
خلاصة حكم المحدث: صحيح --- (7) الراوي: أنس بن مالك المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 5225
خلاصة حكم المحدث: [صحيح] --- (8) الراوي: عائشة المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 974
خلاصة حكم المحدث: صحيح --- (9)الراوي: أبو موسى الأشعري المحدث: البخاري المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 3433
خلاصة حكم المحدث: [صحيح] --- (11) الراوي: عائشة المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 3217
خلاصة حكم المحدث: [صحيح] --- (12) ما أشكل علينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما الراوي: أبو موسى المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترمذي الصفحة أو الرقم: 3883
خلاصة حكم المحدث: صحيح --- (13)الراوي: عائشة المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 5164
خلاصة حكم المحدث: [صحيح] --- (14) (النور: 11-12)
ما دفعها إلى نقل هذه الصورة الدقيقة من أخلاقه وآدابه
سواءٌ ما تعلّق منها بهديه وسمته
ومنطقه وألفاظه ، أو أحوال عبادته
فنجدها تقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من الشهر
الإثنين والخميس ، والإثنين من الجمعة الأخرى(7)
وتقول :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا أوى إلى فراشه وضع يده اليمنى تحت خده
وقال ( رب قني عذابك يوم تبعث عبادك )
ثلاث مرات "(8)
وقد شهد لها جبريل بصلاحها وتقواها
وذلك حينما طلب من النّبي صلى الله عليه وسلم
أن يراجعها بعد أن طلّقها تطليقةً
وقال له
( إنها صوّامة ، قوّامة ، وهي زوجتك في الجنة ) (9)
أما أعظم مناقبها رضي الله عنها
فهو اختيارها لتحفظ نسخة المصحف الأولى
والتي جمعها أبوبكر رضي الله عنه من أيدي الناس
بعد أن مات أكثر القرّاء
وظلت معها حتى خلافة عثمان رضي الله عنه .
وعاشت رضي الله عنها
تحيي ليلها بالعبادة وتلاوة القرآن والذكر
حتى أدركتها المنيّة سنة إحدى وأربعين بالمدينة
عام الجماعة
فرضي الله عنها وعن أمهات المؤمنين
يتــــــــــــــــبع ---
(1) الراوي: عبدالله بن عمر المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4005 خلاصة حكم المحدث: [صحيح] --- (2)مسند أحمد باقي مسند الأنصار (3) مريم -71 - (4) مريم - 72
--- (5) الراوي: حفصة المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابن ماجه الصفحة أو الرقم: 3473 خلاصة حكم المحدث: صحيح ---
(6) الراوي: حفصة بنت عمر المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم
الصفحة أو الرقم: 1229 خلاصة حكم المحدث: صحيح --- (7) الراوي: حفصة المحدث: الألباني - المصدر: صحيح أبي داود الصفحة أو الرقم: 2451 خلاصة حكم المحدث: حسن --- (8) الراوي: حفصة بنت عمر المحدث: ابن حجر العسقلاني المصدر: نتائج الأفكار - الصفحة أو الرقم: 3/49 خلاصة حكم المحدث: حسن --- (9) الراوي: أنس بن مالك و قيس بن زيد و عمار بن ياسر المحدث: الألباني المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 4351 خلاصة حكم المحدث: حسن
هي زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو الهلالية العامرية ذات النسب الأصيل والمنزلة العظيمة فأمها هي هند بنت عوف بن الحارث بن حماطة الحميرية وأخواتها لأبيها وأمها : أم الفضل – أم بني العباس بن عبد المطلب - ولبابة - أم خالد بن الوليد - وأختها لأمها : ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين
وقد اختلفوا فيمن كان زوجها قبل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل إنها كانت عند الطفيل بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف رضي الله عنه ثم طلقها وقيل : إنها كانت عند ابن عمّها جهم بن عمرو بن الحارث الهلالي ثم عند عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله عنه والذي استشهد في بدر وأقرب الأقوال في زواجها أنها كانت تحت عبد الله بن جحش رضي الله عنه ثم تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة زوجها يوم أحد .
والذي يهمّنا أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوّجها مواساة لها فيما أصابها من فقدها لأزواجها ومكافأة لها على صلاحها وتقواها وكان زواجه صلى الله عليه وسلم بها في رمضان من السنة الثالثة للهجرة بعد زواجه بحفصة رضي الله عنها وقبل زواجه بميمونة بنت الحارث
وذُكر أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبها إلى نفسها فجعلت أمرها إليه فتزوجها وأصدقها أربعمائة درهم ، وأَوْلَمَ عليها جزوراً وقيل إن عمّها قبيصة بن عمرو الهلالي هو الذي تولّى زواجها
ولم تذكر المصادر التي ترجمت سيرتها إلا القليل من أخبارها خصوصاً ما يتناول علاقاتها ببقية زوجاته عليه الصلاة والسلام ولعل مردّ ذلك إلى قصر مدة إقامتها في بيت النبوة .
والقدر المهم الذي حفظته لنا كتب السير والتاريخ هو ذكر ما حباها الله من نفس مؤمنة امتلأت شغفاً وحبّاً بما عند الله من نعيم الآخرة فكان من الطبيعي أن تصرف اهتماماتها عن الدنيا لتعمر آخرتها بأعمال البر والصدقة حيث لم تألُ جهداً في رعاية الأيتام والأرامل وتعهّدهم وتفقّد شؤونهم والإحسان إليهم وغيرها من ألوان التراحم والتكافل فاستطاعت بذلك أن تزرع محبتها في قلوب الضعفاء والمحتاجين وخير شاهد على ذلك وصفها بـ" أم المساكين " حتى أصبح هذا الوصف ملازما لها إلى يوم الدين
ولم تلبث زينب رضي الله عنها طويلاً في بيت النبوة فقد توفيت في ربيع الآخر سنة أربع للهجرة عن عمر جاوز الثلاثين عاماً بعد أن قضت ثمانية أشهر مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد صلى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنها بالبقيع وبذلك تكون ثاني زوجاته به لحوقاً بعد خديجة بنت خويلد فرضي الله عنها وعن جميع أمهات المؤمنين هنا
بسم الله الرحمن الرحيم أم سلمة المخزومية رضي الله عنها
هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية حذيفة بن المغيرة المخزومية القرشية المشهورة بكنيتها أم سلمة والدها سيّد من سادات قريشٍ المعدودين وكان بين الناس مشهوراً بالكرم وشدّة السخاء حتى لُقّب بـ : " زادُ الراكب " إذ كان يمنع من يرافقه في سفره أن يتزوّد لرحلته ويكفيه مؤونة ذلك وهي بنت عم خالد بن الوليد رضي الله عنه وبنت عم أبي جهل بن هشام
كانت أم سلمة رضي الله عنها من الجيل الأوّل الذي أسلم مبكّرا في مكة ونالت في ذلك ما ناله المؤمنون من صنوف الأذى وألوان العذاب حتى أذن الله للمؤمنين بالهجرة الأولى إلى الحبشة لتنطلق هي وزوجها عبد الله بن عبد الأسد المخزومي مهاجريْن في سبيل الله فارّين بدينهم من أذى قريشٍ واضطهادها محتمين بحمى النجاشي الملك العادل
ولما أرادت تلك الأسرة أن تهاجر إلى المدينة واجهت الكثير من المصاعب والابتلاءات فقد تسامع قومها بنو المغيرة بتأهّبها وزوجها للرحيل فقالوا لزوجها : " هذه نفسك غلبْتنا عليها فعلام نتركك تأخذ أم سلمة وتسافر بها ؟ " فنزعوا خطام البعير من يده وأخذوها منه فغضب لذلك بنو عبد الأسد قوم زوجها وقالوا : " والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا " فتجاذبوا الولد بينهم حتى خلعوا يده وانطلق به بنو عبد الأسد وظلّت أم سلمة عند بني المغيرة وانطلق الزوج مهاجراً لوحده
وهكذا تفرّق شمل الأسرة وابتليت بلاءً عظيماً ، فالزوج هاجر إلى المدينة والزوجة عند أهلها في مكة ، والولد مع أهل أبيه مما كان له عظيم الأثر على نفس أم سلمة رضي الله عنها فكانت تخرج كل يوم إلى بطحاء مكة تبكي وتتألم لما أصابها وظلّت على حالها قرابة سنة حتى مرّ بها رجل من قومها وهي تبكي فرحمها ورقّ لحالها ، فانطلق إلى قومه قائلاً لهم : " ألا تطلقون سبيل هذه المسكينة ؟ فإنكم فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها " فأجابوه لذلك وقالوا لها : " الحقي بزوجك إن شئت " .
ولما سمع بنو عبد الأسد ذلك ردّوا عليها ولدها فانطلقت من فورها إلى مكة
تقول أم سلمة رضي الله عنها واصفةً رحلتها : " فجهّزت راحلتي ، ووضعت ابني في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة ، وما معي أحد من خلق الله حتى إذا كنت بالتنعيم – موضع من مكة لقيت عثمان بن طلحة - وكان يومئذٍ مشركاً فقال لي : إلى أين ؟ قلت : أريد زوجي بالمدينة فقال : هل معك أحد ؟ فقلت : لا والله ، ما معي إلا الله وابني هذا فأخذته النخوة فقال : والله لا أتركك فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يقودني فوالله ما صحبت رجلاً من العرب أكرم منه كان إذا نزل المنزل أناخ بي ثم تنحّى إلى شجرة فاضطجع تحتها فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فجهّزه ثم استأخر عني وقال : اركبي ، فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقادني فلم يزل يصنع ذلك حتى أقدمني المدينة "
وفي غزوة أحد أُصيب زوجها بجرح عميق وبعد شهور تُوفي رضي الله عنه متأثراً بجرحه وهذا ابتلاء آخر يصيب أم سلمة بعد رحيل زوجها من الدنيا تاركاً وراءه أربعة من الأولاد هم: برة وسلمة ، وعمر، ودرة فأشفق عليها صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكرالصديق - رضي الله عنه- فخطبها إلا أنها لم تقبل ، وصبرت مع أبنائها
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفكر في أمر تلك المرأة الكريمة ، المؤمنة الصادقة ، الوفية الصابرة فتقدم لها وتزوجها مكافأة ومواساة لها ورعاية لأبنائها
تقول أم سلمة رضي الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله) { إنا لله وإنا إليه راجعون } اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا أخلف الله له خيراً منها فلما مات أبو سلمة قلت : أي المسلمين خير من أبي سلمة ؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إني قلتها ، فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " قالت: أرسل إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له فقلت: إني كبيرة السنّ وأنا غيور-أي تغار من ضرائرها من النساء - وذات عيال فقال صلى الله عليه وسلم : أنا أكبر منك وأما الغيرة فيذهبها الله عز وجل وأما العيال فإلى الله ورسوله ) (1) فتزوّجها النبي صلى الله عليه وسلم في شوال سنة أربع من الهجرة.
وقد أخذت أم سلمة حظّاً وافراً من أنوار النبوّة وعلومها حتى غدت ممن يُشار إليها بالبنان فقها وعلماً بل كان الصحابة يفدون إليها ويستفتونها في العديد من المسائل ويحتكمون إليها عند الاختلاف ومن ذلك أن أبا هريرة وبن عباس اختلفا في عدة المتوفى عنها زوجها إذا وضعت حملها فقال أبو هريرة : لها أن تتزوج وقال ابن عباس : بل تعتدّ أبعد الأجلين فبعثوا إلى أم سلمة فقضت بصحّة رأي أبي هريرة رضي الله عنهم
وكانت- رضي الله عنها من النساء العاقلات الناضجات ، يشهد لهذا ما حدث يوم الحديبية بعد كتابة الصلح حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتحلل من نسكهم وحثّهم على النحر ثم الحلق فشقّ ذلك على الصحابة الكرام ، ولم يفعلوا فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة مغضباً فذكر لها ما كان من أمر المسلمين وإعراضهم عن أمره ففطنت - رضي الله عنها إلى سبب إعراضهم وعدم امتثالهم فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم " يانبي الله ، أتحب ذلك ، اخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك ، وتدعو حالقك فيحلقك
فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك ، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا " (2) قال الإمام ابن حجر " وإشارتها على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية تدل على وفور عقلها وصواب رأيها "
وفي شهر ذي القعدة من العام التاسع والخمسين للهجرة أسلمت روحها الطاهرة إلى خالقها وكانت قد بلغت من العمر أربعاً وثمانين سنة حين بلغها مقتَلُ الحسين ، فوجَمَت لذلك ، وحَزِنَت عليه كثيراً و غُشيَ عليها ، ولم تلَبث بعدهُ إلا يَسيراً فكانت آخر أمهات المؤمنين موتاً فرضي الله عنها ، وعن جميع أمهات المؤمنين هنا ~~~ (1) صحيح مسلم - كتاب الجنائز باب ما يقال عند المصيبة - رقم 918 ~~~ (2)الراوي: المسور بن مخرمة و مروان بن الحكم المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 2731 خلاصة حكم المحدث: [صحيح]
تحدثنا فيما مضى عن كوكبة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وها نحن أولاء نلتقي مع إحدى تلك النسمات العطرة بما جمعته سيرتها من صفاء نفسٍ ونقاوة سريرة تلكم هي أم المؤمنين زينب بنت جحش بن رياب بن يعمر الأسدي وأمها أمية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخوها عبدالله بن جحش أول أمير في الإسلام وُلدت سنة 33ق هـ ، وكان اسمها "برَّة" فسماها النبي صلى الله عليه وسلم زينب وكانت تكنى : أم الحكم وهي إحدى المهاجرات الأول
تزوجها زيد بن حارثة مولى النبي صلى الله عليه وسلم ليعلمها كتاب الله وسنة رسوله ثم زوّجها الله من السماء لنبيه صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث من الهجرة وأنزل الله فيها قوله {وَإِذْتَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا }(1) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيداً ودُعي "زيد بن محمد " فلما نزل قوله تعالى {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَأَقْسَطُ عِنْدَاللَّهِ}(2) تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة زيدٍ بعد أن طلقها زيد وهدم ما كان معروفاً عند الجاهلية من أمر التبني
ومنذ اختارها الله لرسوله وهي تفخرُ بذلك على أمهات المؤمنين وتقول كما ثبت في البخاري (زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ ) (3) وسماها النبي صلى الله عليه وسلم بعد الزواج "زينب" وأطعم عليها يومئذٍ خبزاً ولحماً )
وفي شأنها أنزل الله تعالى الأمر بإدناء الحجاب وبيان ما يجب مراعاته من حقوق نساء النبي عليه الصلاة والسلام
كانت رضي الله عنها من سادة النساء ديناً وورعاً ، وجوداً ومعروفاً ، محضن اليتامى ومواسية الأرامل قد فاقت أقرانها خَلْقاً وخُلقاً وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور زينب ويمكث معها ، ويشرب العسل عندها فغارت بعض نسائه ، وأردن أن يصرفنه عن ذلك قال الإمام مسلم في صحيحه وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قال حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يُخْبِرُ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تُخْبِرُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا قَالَتْ فَتَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا مَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْتَقُلْ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ [SIZE=+0]زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍوَلَنْ أَعُودَ لَهُ فَنَزَلَ[/SIZE] ( لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ إِلَى قَوْلِهِ إِنْ تَتُوبَا )( التحريم -1 ) لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا ) ( التحريم - 3) لِقَوْلِهِ بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا "(4)
ومن مناقبها رضي الله عنها أنها أثنت على عائشة أم المؤمنين خيراً عندما استشارها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حادث الإفك ، ففي الحديث قالت عائشة " وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي فَقَالَ يَا [SIZE=+0]زَيْنَبُمَا عَلِمْتِ مَا رَأَيْتِ[/SIZE] فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا خَيْرًا قَالَتْ وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ" (5)
ومن مناقبها أنها كانت ورعةً قوّامة تديم الصيام ، كثيرة التصدق وفعل الخير وكانت من صُنَّاع اليد ، تدبغ و تخرز ، ثم تتصدَّق بثمن ذلك وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على كثرة تصدقها وكنَّى عن ذلك بطول يدها ، فعن عائشة أم المؤمنين قالت : ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا قَالَتْ فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا قَالَتْ فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَصَدَّقُ ) (6)
وقد أحسنت عائشة رضي الله عنها في الثناء على زينب إذ قالت : ولم أر امرأة قط خيراً في الدين من زينب وأتقى لله ، وأصدق حديثاً ، وأوصل للرحم ، وأعظم صدقة وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى
ولقد بلغ من حبّها للعطاء أنها قالت حين حضرتها الوفاة " إني قد أعددت كفني فإن بعث لي عمر بكفن فتصدقوا بأحدهما وإن استطعتم إذ أدليتموني أن تصدقوا بإزاري فافعلوا "
وعن برزة بنت رافع رضي الله عنها قالت " لما خرج العطاء بعث عمر بن الخطاب إلى زينب بنت جحش بعطائها ، فأتيت به ونحن عندها . فقالت : ما هذا ؟ قلت : أرسل به إليك عمر قالت : غفر الله له ، والله لغيري من إخواتي كانت أقوى على قسم هذا مني فقلنا لها : إن هذا لك كله فقالت : سبحان الله . فجعلت تستر بينها وبينه بجلبابها أو بثوبها ثم قامت توزّعه وتقول لنا : اذهب به إلى فلان من أهل رحمها وأيتامها حتى بقيت بقيّة تحت الثوب فأخذنا ما تحت الثوب ، فوجدناه بضعة وثمانين درهماً ثم رفعت يديها ثم قالت : اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا أبداً " فكانت حقاً أول زوجاته صلى الله عليه وسلم لحوقاً به حيث توفيت سنة 20 للهجرة وقد جاوزت الخمسين عاماً وصلى عليها عمر بن الخطاب وصُنع لها نعشٌ وكانت أول امرأة يُفعل معها ذلك ودُفنت بالبقيع ، فرضي الله عنها وعن أمهات المؤمنين هنا يتـــــبع ~~~ (1) ( الأحزاب :37 ) - (2) (الأحزاب:5) ~~~ (3) صحيح البخاري - كتاب التوحيد باب إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار - رقم 6984 ~~~ (4)صحيح مسلم بشرح النووي - كِتَاب الطَّلَاقِ
باب بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له - رقم 1474
~~~
(5) صحيح البخاري - كتاب الشهادات
باب تعديل النساء بعضهن بعضا - رقم 2518
~~~ (6) صحيح مسلم بشرح النووي - كِتَاب فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بَاب مِنْ فَضَائِلِ زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - رقم 2452
هي أم المؤمنين جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن جذيمة الخزاعية المصطلقية كانت تحت ابن عم لها يقال له مسافع بن صفوان المصطلقي وقد قُتل في يوم المريسيع ثم غزا النبي صلى الله عليه وسلم قومها بني المصطلق فكانت من جملة السبي ووقعت في سهم ثابت بن قيس رضي الله عنه
وزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وقع في السنة الخامسة للهجرة وكان عمرها إذ ذاك عشرين سنة ومن ثمار هذا الزواج المبارك فكاك المسلمين لأسراهم من قومها .
ففي الحديث عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت "لما قسم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له وكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه . فأتت رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم تستعينه في كتابتها قالت : فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت فدخلت عليه فقالت : يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار ، سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له . فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي قال : فهل لك في خير من ذلك ؟ قالت : وما هو يا رسول الله ؟ قال : أقضي كتابتك وأتزوجك ؟ قالت : نعم يا رسول الله قال : قد فعلت قالت : وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم تزوج جويرية بنت الحارث فقال الناس : أصهار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأرسلوا ما بأيديهم فقالت : فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها ."(1)
وروى ابن سعد في الطبقات أنه لما وقعت جويرية بنت الحارث في السبي جاء أبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن ابنتي لا يُسبى مثلها ؛ فأنا أكرم من ذاك ، فخل سبيلها فقال : ( أرأيت إن خيّرناها ، أليس قد أحسنّا ؟) قال : بلى ، وأدّيت ما عليك . فأتاها أبوها فقال : إن هذا الرجل قد خيّرك فلا تفضحينا فقالت : فإني قد اخترت رسول الله صلى الله عليه وسلم
وغيَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمها فعن ابن عباس قال
" كان اسم جويرية بنت الحرث زوج النبي صلى الله عليه وسلم برة فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمها فسماها جويرية "(2)
وكانت رضي الله عنها ذات صبرٍ وعبادة كثيرة الذكر لله عزوجل ولعلّنا نستطيع أن نلمس ذلك من خلال الحديث
توفيت أم المؤمنين جُويرية في المدينة سنة خمسين وقيل سنة سبع وخمسين للهجرة وعمرها 65سنة . فرضي الله عنها ، وعن أمهات المؤمنين أجمعين هنا يتـــــــبع ~~~ (1) الراوي: عائشة المحدث: الوادعي - المصدر: الصحيح المسند الصفحة أو الرقم: 1645-خلاصة حكم المحدث: حسن ~~~ (2) الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: أحمد شاكر المصدر: مسند أحمد - الصفحة أو الرقم: 4/323 خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح ~~~ (3)تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي - كِتَاب الدَّعَوَاتِ باب ما زلت على حالك فقالت نعم قال ألا أعلمك كلمات تقولينها سبحان الله عدد خلقه سبحان الله عدد خلقه رقم 3555 - تحقيق الألباني ~~~ (4)صحيح البخاري - كِتَاب الصَّوْمِ رقم 1885 باب لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده
هي أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب بن سعنة أبوها سيد بني النضير من سبط لاوي بن نبي الله إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ثم من ولد هارون بن عمران ، أخي موسى عليه السلام وأمها هي برة بنت سموءل من بني قريظة . كانت مع أبيها وابن عمها بالمدينة فلما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير ساروا إلى خيبر وقُتل أبوها مع من قُتل مِن بني قريظة. تزوجها قبل إسلامها سلام بن مكشوح القرظي – وقيل سلام بن مشكم – فارس قومها ومن كبار شعرائهم ثم تزوّجها كنانة بن أبي الحقيق ، وقتل كنانة يوم خيبر وأُخذت هي مع الأسرى فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه وخيّرها بين الإسلام والبقاء على دينها قائلاً لها : ( اختاري ، فإن اخترت الإسلام أمسكتك لنفسي – أي : تزوّجتك - وإن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقي بقومك ) فقالت : " يا رسول الله لقد هويت الإسلام وصدقت بك قبل أن تدعوني حيث صرت إلى رحلك وما لي في اليهودية أرب وما لي فيها والد ولا أخ ، وخيرتني الكفر والإسلام فالله ورسوله أحب إليّ من العتق وأن أرجع إلى قومي " ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها وتزوّجها وجعل عتقها صداقها وكانت ماشطتها أم سليم التي مشطتها وعطرتها ، وهيّأتها للقاء النبي صلى الله عليه وسلم وأصل هذه القصة ما ورد في الصحيح عن أنس قال : ( قدم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر فلما فتح الله عليه الحصن ذُكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب وقد قتل زوجها وكانت عروسا فأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها حتى إذا كان بالطريق جهّزتها له أم سليم فأهدتها له من الليل فأصبح النبي صلى الله عليه وسلم عروساً فقال : من كان عنده شيء فليأتِ به فجعل الرجل يجيء بالتمر ، وآخر يجيء بالسمن وثالثٌ بالسويق ، فكانت تلك وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية ثم خرجنا إلى المدينة . قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحوِّي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته ، فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب ) رواه البخاري (1) ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخدها لطمة فقال: ( ما هذه ؟ ) فقالت : إني رأيت كأن القمر أقبل من يثرب فسقط في حجري فقصصت المنام على ابن عمي ابن أبي حقيق فلطمني وقال : تتمنين أن يتزوجك ملك يثرب فهذه من لطمته. وكان هدف رسول الله صلى الله عليه وسلم من زواجها إعزازها وإكرامها ورفع مكانتها إلى جانب تعويضها خيراً ممن فقدت من أهلها وقومها ويضاف إلى ذلك إيجاد رابطة المصاهرة بينه وبين اليهود لعله يخفّف عداءهم ويمهد لقبولهم دعوة الحق التي جاء بها . وأدركت صفية رضي الله عنها ذلك الهدف العظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووجدت الدلائل والقرائن عليه في بيت النبوة فأحست بالفرق العظيم بين الجاهلية اليهودية ونور الإسلام ، وذاقت حلاوة الإيمان وتأثّرت بخلق سيد الأنام حتى نافس حبّه حب أبيها وذويها والناس أجمعين ولما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم تأثّرت رضي الله عنها لمرضه وتمنت أن لو كانت هي مكانه فقد أورد ابن حجر في الإصابة وابن سعد في الطبقات عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: " اجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفى فيه، واجتمع إليه نساؤه فقالت صفية بنت حيي : إني والله يا نبي الله لوددتُ أنّ الذي بك بي فتغامزت زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم : والله إنها لصادقة "(2)
كانت رضي الله عنها امرأة شريفة ، عاقلة ذات حسب أصيل ، وجمال ورثته من أسلافها وكان من شأن هذا الجمال أن يؤجّج مشاعر الغيرة في نفوس نساء النبي صلى الله عليه وسلم وقد عبّرت زينب بنت جحش عن ذلك بقولها : " ما أرى هذه الجارية إلا ستغلبنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " وفي ضوء ذلك يمكن أن نفهم التنافس الذي حصل بين صفية رضي الله عنها وبين بقيّة أمهات المؤمنين ، ومحاولاتهن المتكرّرة للتفوّق عليها ولم يَفُتْ ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فكان يسلّيها ويهدئ ما بها .
ومن مواقفها الدالة على حلمها وعقلها ما ذكرته كُتب السير من أن جارية لها أتت عمر بن الخطاب فقالت : إن صفية تحب السبت ، وتصل اليهود ، فبعث عمر يسألها فقالت : أما السبت فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة وأما اليهود فإن لي فيهم رحماً فأنا أصلها ثم قالت للجارية: ماحملكِ على ما صنعت ؟ قالت : الشيطان قالت : اذهبي فأنت حرة . ولم تكن – رضي الله عنها - تدّخر جهداً في النصح وهداية الناس ووعظهم وتذكيرهم بالله عز وجل ومن ذلك أن نفراً اجتمعوا في حجرتها يذكرون الله تعالى ويتلون القرآن حتى تُليت آية كريمة فيها موضع سجدة ، فسجدوا فنادتهم من وراء حجاب قائلة : " هذا السجود وتلاوة القرآن ، فأين البكاء ؟ "
ولقد عايشت رضي الله عنها عهد الخلفاء الراشدين حتى أدركت زمن معاوية رضي الله عنه ثم كان موعدها مع الرفيق الأعلى سنة خمسين للهجرة لتختم حياة قضتها في رحاب العبادة ورياض التألّه دون أن تنسى معاني الأخوة والمحبة التي انعقدت بينها وبين رفيقاتها على الدرب موصيةً بألف دينار لعائشة بنت الصدّيق وقد دفنت بالبقيع فرضي الله عنها وعن سائر أمهات المؤمنين. منقول من إسلام ويب ~~~ (1)الراوي: أنس بن مالك المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 2235 خلاصة حكم المحدث: [صحيح] ~~~ (2)الراوي: زيد بن أسلم المحدث: ابن حجر العسقلاني - المصدر: الإصابة الصفحة أو الرقم: 4/347 خلاصة حكم المحدث: إسناده حسن
المصدر: الإصابة - الصفحة أو الرقم: 4/412 خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح ~~~ (2)الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: مسلم المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 763 خلاصة حكم المحدث: صحيح