- 1 - كتاب الطهارة من "المختصر من الممتع" (كاملة الكواري)
تَقْـــــــــدِيـم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد. فإن علم الفقه بحر لا ساحل له، وبستان لا ينقطع ثمره، وواحة فَيْحَاء يستظل بِظِلِّها الغادي والرائح، به قِوَام أمور الدين، ومن خلاله يتَّضِح الحلال من الحرام ويستبين. وقد أنعم الله تعالى على الأمة الإسلامية بأن قيَّض لها ومنها رجالًا تفقّهوا في الدين، فأثْرَوْا تراث الأمة الإسلامية بذاك الكم الهائل من المصنفات في الفقه وغيره، ووُجِد عبر تاريخ الأمة تلك المذاهب الأربعة التي خَدَمَتِ الفقه الإسلامي بكل أمانة وإخلاص. فصنّفوا المتون والمنظومات، وتوالت عليها الشروح والحواشي والتعليقات، فخرج لنا ذلك التسلسل المحمود من الكتب. ومن المصنفات الفقهية التي عكف عليها الفقهاء في مذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة رحمه الله: متن (زاد المستقنع) للإمام الحجاوي، حيث يُعْتَبَر من أهم متون الحنابلة، وهو كتاب- على صغر حجمه، ووجازة لفظه- قد جمع فقه الإمام أحمد في عبارات دقيقة وافية، وقد استحق بذلك شيئان: أولهما: ثناء العلماء عليه، كقول عبد الرحمن بن قاسم النجدي عنه: هو كتاب صغر حجمه، وكثر علمه، وجمع فأوعى، وَفَاقَ أَضْرَابَهُ جِنْسًا وَنَوعًا، لم تسمح قريحـة بمثالـه، ولم ينسـج ناسـج على منواله([1]). وثانيهما: عكوف العلماء عليه بالشرح والدراسة، مثل شرح الروض المربع. وقد قام علامة القصيم الشيخ محمد الصالح العُثَيْمِين -رحمه الله- بشرحه شرحًا مطولًا لم يقتصر فيه على المذهب، بل كان معتمدًا فيه على الدليل، يسير معه حيث سار، مع عرض أدلة المخالفين أحيانًا، والترجيح بينها، حتى وصل إلى رُبْعِ الكتاب في ثمانية مجلدات كبار. وقد بلغ شرح الشيخ العثيمين من الشهرة مبلغًا طيبًا، وتلقّاه الناس بالقبول، ونال رضا بين أوساط طلاب العلم. ونظرًا لكون المتون الفقهية عند المتأخرين لها طريقة خاصة في الشرح؛ حيث يقتصرون فيها على المذهب دون ذكر الخلاف والدليل، فقد استَخَرْتُ الله تعالى في خوض غمار هذا العمل بالاختصار والتلخيص؛ لأقدِّمَه لطلاب العلم في صورة مبسَّطَة، تخلو من التطويل، وقد وفّقَنِي الله تعالى لذلك، ووجدت ارتياحًا في إنجاز هذا العمل.
وكان منهجي فيه على النحو التالي: أولًا: اجتهدت في اختصار الكتاب وتلخيصه، وحذف الأدلة والأقوال، مقتصرة فيه على المتن فقط، ومشيرة لشرح الشيخ بكلمة: قوله... ثانيًا: قطعت المتن إلى مسائل وضعتها أعلى الصفحة بعدها فاصل، ثم وضعت شرح الشيخ، فإن وافق المذهب اقتصرت عليه، وإن كان له اختيار غير المذهب عزوت المذهب إلى الكتب المعتمدة، وعزوت اختيار الشيخ إن كان رواية أو وجهًا أو قولًا أو تخريجًا أو احتمالًا في المذهب؛ وقد أزيد قيودًا لا بد من ذكرها ومسائل يُحْتَاج إليها، وعبارات لا يصح الكلام بدونها، كل ذلك بحسب الطاقة والإمكان، ومواضع العزو والزيادات والحاشية. ثالثًا: أضفت تعليقات وفوائد وحواشي مفيدة في الحاشية توضيحًا وتعليقًا على بعض المواضع التي رأيت أنها تحتاج إلى ذلك. رابعًا: راعيت تقسيم متن الكتاب إلى فقرات وجزئيات يحسن السكوت عليها، طويلة أو قصيرة حسب الموضوع الذي تتناوله. خامسًا: السبب في حذفي للأدلة من الكتاب أن الأدلة تؤخذ من مظانها، وما أكثرها! وكتاب السلسبيل للبليهي -رحمه الله- قد اقتصر فيه على الأدلة لمن أراد أن يعرفها. سادساً: لما كنت بصدد اختصار الكتاب، ولا علاقة لي بضبط نص متن (زاد المستقنع) أو تحقيقه؛ اعتمادًا على الثقة في النسخة التي اعتمدها الشيخ، فلم أقم بالتعرض لذلك، حيث لَفَتَ نظري أثناء مراجعة النص ومطابقته لبعض نسخ المطبوع اختلاف في بعض الجمل والألفاظ بين نسخة الشيخ ابن العثيمين، وبين نسخ أخرى، وأذكر منها على سبيل التنبيه: أ- نسخة مكتبة المدني بالقاهرة التي حققها الشيخ/عبد الله بن مانع. ب- نسخة مكتبة دار الوطن بالرياض، والتي حققها الشيخ/ عبد الرحمن بن علي بن محمد العسكر. وقد تم مطابقة نسخة الزاد في شرح الشيخ، مع هاتين النسختين، وتغاضيت عن تلك الفروق، معتمدة في الأعم الأغلب على نسخة الشيخ؛ حيث إن هذا باب واسع، يخرج بي عن مقصود الكتاب وهو (الاختصار). وجدير بالذكر أن أقول: إنه قد صدر الجزء الأول من هذا الكتاب (حتى كتاب البيوع) منذ عدة سنوات، والحمد لله تلقاه طلاب العلم والعلماء بالقبول، وطالبوا بإتمامه، وهأنذا أخرج الكتاب كاملًا، مضافًا إليه تعليقات وفوائد مهمة رأيت أنها تزيده وضوحًا، وقد خلى منها الإصدار الأول. كما أنني في الإصدار الأول كنت أجعل اختيارات الشيخ التي خالف فيها المذهب في الحاشية، وتقرير المذهب في صلب الكتاب، لكن رأيت في هذه الطبعة أن الأَوْلى أن أجعل اختيارات الشيخ في الصلب، وأُحشِّي عليها بتقرير المذهب؛ وذلك لأن أصل الكتاب هو الشرح الممتع للشيخ؛ فناسبه أن نلتزم ما قاله واختاره في الصلب، ونجعل تقرير المذهب في الحاشية.
وأخيرًا فهذا جهدي أقدِّمُه بين يَدِي القراء الكرام من طلاب العلم، وغيرهم، راجية به وجه الله تعالى، سائلة المولى جل وعلا الصفْحَ عن الزَّلَل، وغفران التقصير، إنه نعم المولى ونعم النصير، وبالإجابة جدير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وكتبته
كاملة الكواري
الجمعة 20/3/1431
________________________________________________
([1]) حاشية ابن قاسم النجدي على الروض المربع (1/51)، الطبعة الأولى، 1397هـ.
-------------------- «الحمد» وصف المحمود بالكمال، سواء كان ذلك كمالًا بالعظمة أو بالإحسان والنعمة، والله تعالى محمود على أوصافه كلها وأفعالـه كلها، واللام في قوله: «لله» للاستحقاق؛ فالمستحِق للحمد المطلق هو الله، وهي أيضًا للاختصاص؛ فالذي يختص بالحمد المطلق الكامل هو الله، و«حمدًا» مصدر والعامل فيه المصدر قبله. قوله: «أفضل ما ينبغي» أي أفضل حمد يستحق أن يحمده؛ فالحمد وُصف بوصفين: الاستمرارية بقوله: «لا ينفد» وكمال النوعية بقوله: «أفضل ما ينبغي أن يُحمد». قوله: «وصلى الله»الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين الدعاء، «وسلم» جملة خبرية لفظًا إنشائية معنى؛ أي أدعو الله تعالى بأن يسلم على محمد صلى الله عليه وسلم، والسلام هو السلامة من النقائص والآفات.
و«المصطفين» من الصفوة وهي خلاصة الشيء، و«محمد» عطف بيان. قوله: «آله» إذا ذكر الآل وحده، فالمراد جميع أتباعه على دينه، ويدخل بالأولوية من على دينه من قرابته و«أصحابه» جمع صحب، والصحب اسم جمع. قوله: «أما بعد» كلمة يؤتى بها عند الدخول في الموضوع الذي يقصد. قوله: «مختصر» هو ما قَلّ لفظه وكَثر معناه، «في الفقه» وهو معرفة الأحكام العملية بأدلتها التفصيلية.
والمقنع: كتاب متوسط يُذكر فيه القولان والروايتان والوجهان في المذهب. قوله: «على قول واحد» بمعنى أنه لا يأتي بأكثر من قول لأجل الاختصار «وهو الراجح» يعني من القولين، وقد لا يكون في المسألة إلا قول واحد «في مذهب أحمد» المذهب في الاصطلاح: ما قاله المجتهد بدليل ومات قائلًا به، فلو تغير قوله فمذهبه الأخير. قوله: «وربما حذفت منه» أي من المقنع «مسائل نادرة الوقوع»؛ لأن المسائل النادرة لا ينبغي للإنسان أن يُشْغِل بها نفسه، «وزدت ما على مثله يعتمد؛ إذ الهمم قد قصرت والأسباب المثبطة» أي: المفترة للهمم «عن نيل المراد قد كثرت». قوله: «ومع صغر حجمه حوى»أي جَمَعَ «ما يُغْنِي عن التَّطويل» وهو أجمع من كتاب «دليل الطالب» ودليل الطالب أحسن من هذا ترتيبًا؛ لأنه يذكر الشروط والواجبات والمستحبات على وجه مفصل. قوله: «ولا حول ولا قوة إلا بالله»فكأن المؤلف استعان بالله تعالى أن ييسِّرَ له الأمر. قوله: «وهو حسبنا» الضمير عائد إلى الله، والحسب بمعنى الكافي «ونعم الوكيل» الوكيل هو الذي فوِّض إليه الأمر.
-------------------- قوله: «كتاب» فِعَال بمعنى مكتوب؛ يعني هذا مكتوب في الطهارة. قوله: «وهي ارتفاع الحدث» أي زوال الوصف المانع من الصلاة ونحوها، والحدث: وصف قائم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما تُشْتَرط له الطهارة. قوله: «وما في معناه»؛ أي وما في معنى ارتفاع الحدث؛ كغسل اليدين بعد القيام من نوم الليل؛ فإنه واجب، ويسمى طهارة وليس من حدث. قوله: «وزوال الخبث»فزوال الخبث طهارة، سواء زال بنفسه أو زال بمزيـل آخر([1])، والخبث هو النجاسة، وهي كل عين يحرم تناولها، لا لضررها ولا لاستقذارها ولا لحرمتها؛ فقولنا: يحرم تَنَاوُلها خرج به المباح تناوله، وقولنا: لا لضررها خرج به السم وشبهه، فإنه حرام لضرره، وليس بنجس، وقولنا: ولا لاستقذارها، خرج به المخاط وشبهه، فليس بنجس، وقولنا: ولا لحرمتها، خرج به الصيد في حال الإحرام والصيد داخل الحرم. قوله: «المياه» جمع ماء، وهي ثلاثة أنواع: الأول: الطَّهور، وسيأتي تعريفه، وهذا «لا يرفع الحدث» غيره؛ أي: لا يرفع الحدث إلا الماء الطهور، والتراب في التيمم على المذهب لا يرفع الحدث، وكذلك «لا يزيل النجس الطارئ»أي الذي ورد على محل طاهر-أما النجاسة العينية كالكلب فهذه لا تطهر أبدًا- «غيره». قوله: «وهو الباقي على خِلْقَتِهِ» هذا تعريف الماء الطهور، فهو الباقي على خلقته حقيقة، بحيث لم يتغير شيء من أوصافه، أو حكمًا بحيث تغير بما لا يسلبه الطهورية ويأتي مثاله. «فإن تغير»الماء «بغير ممازج»؛أي: بشيء لا يخالطه «كقطع كافور» وهو نوع من الطيب يكون قطعًا ودقيقًا ناعمًا غير قطع؛ فالقِطَع إذا وُضِعَتْ في الماء غَيَّرت طَعْمَه ورائحته، ولكنها لا تمازجه؛ أي: لا تذوب فيه؛ فإذا تَغَيَّر بهذا فإنه طهور مكروه؛ لأنه تغير عن مجاورة لا ممازجة، وكذا لو تغَيَّر بـ «دهن أو بِمِلْح مَائِيٍّ» وهو الذي يتكَوَّن من الماء، فلو تغير بملح معدني يُستخرج من الأرض فإنه يسلبه الطهورية على المذهب، فيكون طاهرًا غير مطهر([2])، وكذا لو «سُخِّن بنجس»تغير أو لم يتغير فإنه يُكْرَه، وإن كان مغطّى ومحكم الغطاء. والصواب في هذه المسائل كلها: أنه لا يكره؛ لأن الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل ([3]). قوله: «وإن تغير بِمُكْثِهِ» أي: بطول إقامته «أو بما يشق صون الماء عنه من نابت فيه» مثل: غدير نبت فيه عشب أو طحلب، فتغير بها، فإنه طهور غير مكروه، ولو تغيَّر لونه وطعمه وريحه؛ لأنه يشق التحرُّز منه، وكذا لو تغير «بمجاورة ميتة» كغدير عنده عشرون شاة ميتة من كل جانب، فصار له رائحة كريهة جدًّا؛ فهو طهور غير مكروه أيضًا؛ لأن التغيير عن مجاورة لا عن ممازجة([4]). وكذا لو «سخن بالشمس»؛ أي وضع في الشمس ليُسَخّن «أو بطاهر» يعني أو سخن بطاهر مثل الحطب أو الغاز أو الكهرباء، فإنه لا يكره، وكذا «إن استعمل» أي الماء الطهور «في طهارة مستحبَّة»بأن يمر على العضو ويتساقط منه «كتجديد وضوءوغسلة ثانية وثالثة»في الوضوء، فإنها ليست بواجبة. قوله: «وإن بلغ»الماء الطهور«قُلّتين» تثنية قُلة، والقلتان في اصطلاح الفقهاء «هو الكثير» واليسير ما دون القُلّتَين، «وهما خمسمائة رطل عراقي تقريبًا» مائة الرّطل العراقي يَزِنُ قِرْبة ماء تقريبًا، وعلى هذا يكون خمس قِرَب تقريبًا، وبالوزن 191.25 كيلو جرامًا، والمسألة ليست على سبيل التحديد فلا يضر النقص اليسير؛ كرطل ورطلين. فإن بلغ قُلّتين «فخالطته نجاسة» أي امتزجت به، ولكنها «لم تغيره» طعمًا أو لونًا أو رائحة، ففيه قولان في المذهب: الأول: وهو المذهب عند المتقدمين: أنه إذا خالطته نجاسة، وهو دون القلتين نجس مطلقًا، تَغَيَّر أو لم يتَغَيَّر، أما إذا بلغ القُلّتين فإن خالطه بول آدمي أو عذرته المائعة نجس، وإن لم يتغير إلا أن يشق نزْحه ولم يتغير فطهور، أما بقية النجاسات فالمعتبر قلتان، فإذا بلغ قلتين ولم يتغير فطهور، وإن لم يبلغ القلتين فنجس بمجرد الملاقاة. القول الثاني: وهو المذهب عند المتأخرين: أنه لا فرق بين بول الآدمي وعذرته المائعة وبين غيرهما من النجاسات؛ فإذا بلغ الماء قُلّتين لم ينجس إلا بالتغير، وما دُون القُلّتين ينجس بمجرد الملاقاة. قوله: «كمصانع طريق مكة» مصانع جمع مصنع، وهي عبارة عن مجابي المياه في طريق مكة من العراق، وهذه المجابي يكون فيها مياه كثيرة، فإذا سقط فيها بول آدمي أو عذرته المائعة ولم تغيِّرْه فطهور، حتى على ما ذهب إليه المؤلف؛ لأنه يشق نزحه.
-------------------- ([1]) إنما عبر في جانب الحدث بالارتفاع وفي جانب الخبث بالزوال؛ لأن المراد بالحدث الأمر، والإزالة لا تكون إلا في الأجرام غالبًا، ولأن الخبث قد يكون جرمًا ناسب التعبير معه زوالًا، ولما كان الحدث أمرًا معنويًّا عبر عنه بما يناسب وإن ناسب غيره أيضًا. انظر: حاشية أبي بطين على الروض المربع (1/15).
([2]) وإنما كره للاختلاف في سلبه الطهورية، وذكر غير واحد استحباب الخروج من الخلاف في مسائل الاجتهاد، لكن إذا كان الخلاف مخالفًا سنة صحيحة فلا حرمة له، ولا يستحب الخروج منه؛ لأن صاحبه لم تبلغه، وإن بلغته وخالفها فمحجوج بها. انظر: حاشية ابن قاسم النجدي على الروض المربع (1/62).
([3]) ما ذكره المصنف هو المذهب، كما في شرح منتهى الإرادات (1/16)، وما صوبه الشيخ أحد وجهين، كما في الإنصاف (1/23).
([4]) وكذا ما تغير بمَمَرِّه أو بمَقرِّه أو مجردًا ونحوه مما لا نفس له سائلة، وبآنية أدم ونحاس. انظر: حاشية أبي بطين (1/17). __________________
-------------------- قوله: «ولا يرفع حدث رجل...» مثال ذلك امرأة عندها قِدْر من الماء يسع قُلّة ونصف – وهو يسير في الاصطلاح – خلت به في الحمام، فتوضأت منه وضوءًا كاملًا ثم خرجت، فجاء الرجل بعدها ليتوضأ به، فلا يرفع حدثه، هذا هو مراده، والصواب أن طهارته صحيحة ويرتفع حدثه([1]). قوله: «حدث رجل»يفهم منه أنه لو أراد أن يزيل به نجاسة عن بدنه أو ثوبه فإنها تطهر، وقوله: «يسير» يفهم منه أنه لو كان كثيرًا فإنه يرفع الحدث، وقوله: «خلت به»([2]) الخلوة على المذهب: أن تخلو به عن مشاهدة مميز، فإن شاهدها مميز زالت الخلوة([3])، وقوله: «لطهارة كاملة» يفهم منه أنه لو خلت به في أثناء الطهارة في أولها أو آخرها، بأن شاهدها أحد في أول الطهارة ثم ذهب، فإنه يرفع الحدث؛ لأنها لم تخل به لطهارة كاملة، وقوله: «عن حدث» أي: تطهَّرَت عن حدث، بخلاف ما لو تطهرت تجديدًا للوضوء أو نحو ذلك. قوله: «وإن تغير لونه أو طعمه أو ريحه بطبخ» أي: طُبِخَ فيه شيء طاهر كاللحم فتغير طعمه، بحيث لا يُذَاق معه طعم الماء أو لونه أو ريحه، تغيرًا كثيرًا بيِّنًا، فإنه يكون طاهرًا غير مطهر، وكذا لو تغير بـ«ساقط فيه» أي: سقط فيه شيء طاهر فَغَيَّر أوصافَهُ، ويُسْتثنى ما يشق صون الماء عنه وما لا يمازجه. والتعليل لكون هذا طاهرًا غير مطهر أنه ليس بماء مطلق، وإنما يقال ماء كذا فيضاف (نحويًّا معنويًّا محضًا) كما يقال: ماء ورد. وكذا يكون طاهرًا غير مطهر لو «رُفع بقليله» أي: بقليل الماء، وهو ما دون القلتين «حدثٌ» سواء كان لكل الأعضاء أو بعضها «أو غمس فيه» أي في الماء القليل، «يد قائم...» المراد باليد هنا إلى الكوع «أو كان آخر غسلة...»المعروف عند أهل المذهب أنه لا بد لطهارة المحل المتنجس أن يغسل سبع مرات، فالغسلة الأولى إلى السادسة كل المنفصل من هذه الغسلات نجس؛ لأنه انفصل عن محل نجس، أما المنفصل في الغسلة السابعة فيكون طاهرًا غير مطهر، وهذا إذا كانت عين النجاسة قـد زالـت، وإذا فُرِضَ أن النجاسة لم تزل بسبع غسلات، فإن ما انفصل قبل زوال عين النجاسة نجس؛ لأنه لاقى النجاسة وهو يسير، أما الثامنة فطهور – إذا كانت عين النجاسة قد زالت – لأنه لم يؤثر شيئًا ولم يلاق نجاسة. والصواب أن الماء الذي غُمِسَ فيه يد رجل قائم من نوم ليل طهور، لكن يأثم من أجل مخالفته النهي؛ حيث غمسها قبل غسلها ثلاثًا([4]).
-------------------- ([1]) المذهب أنه لا يرتفع، كما في كشاف القناع (1/28)، وما صوبه الشيخ رواية، كما في الإنصاف (1/47).
([2]) قال أبو بطين في حاشيته على الروض المربع (1/19): «فإن حضرها امرأة أخرى جاز للرجل إن لم تشاركها فيه».
([3]) قال ابن قاسم النجدي في حاشيته على الروض (1/80): «وليس المراد المشاهدة بالبصر؛ لأن الأعمى تثبت الخلوة بحضوره، ولا يؤثر الصبي أو كافر أو امرأة».
([4]) المذهب أنه غير طهور، كما في كشاف القناع (1/33)، وما صوبه الشيخ رواية، كما في الإنصاف (1/38).
__________________
-------------------- قوله: «والنجس ما تغيَّر بنجاسة»أي تغير طعمه أو لونه أو ريحه بالنجاسة، ويُسْتَثْنَى من المتغير بالريح ما إذا تَغَيَّرَ بمجاورة ميتة «أو لاقاها»أي النجاسة([1])«وهو يسير» أي دون القلّتين، «أو انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها» أي قبل زوال حكمها؛ كماء نُطَهِّر به ثوبًا نجسًا، والنجاسة زالت في الغسلة الأولى، وزال أثرها نهائيًّا في الغسلة الثانية، فغسلناه الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة، فالماء المنفصل من هذه الغسلات نجس؛ لأنه انفصل عن محل النجاسة قبل زوال حكمها. يطهر الماء النجس بطرق: أولًا:«إن أضيف إلى الماء النجس طهور كثير غير تراب»؛ لأن تطهير التراب ليس حِسِّيًّا، بل معنوي، فالإنسان عند التيمم لا يتطهر طهارة حسية بل معنوية، «ونحوه»؛كالصابون وما شابهه؛ لأنه لا يطهر إلا الماء.. ثانيًا:إن«زال تغير النجس الكثير بنفسه» الكثير: هو ما بلغ قلتين. ثالثًا:إن «نزح منه»أي من الماء الكثير«فبقي بعده» أي ينـزح منه حتى يبقى بعد النـزح ماء طهور كثير، والنـزح: هو إخراج بعض الماء النجس، فلا بد أن يكون الماء المتنجس أكثر من قلتين؛ لأن المؤلف اشترط أن يبقى بعد النـزح كثير؛ أي: قلتان فأكثر. وعُلِم مما سبق أن الماء إن كان أقل من قلّتين، فليس هناك إلا طريق واحد لتطهيره، وهو إضافة ماء طهور كثير إليه. والصحيح أنه إذا زال تغيُّر الماء بالنجاسة بأي طريق كان، فإنه يكون طهورًا؛ لأن الحكم متى ثبت لعلةٍ زال بزوالها([2]). قوله: «وإن شك في نجاسة ماء...»أي في نجاسته إذا كان أصله طاهرًا، وفي طهارته إذا كان أصله نجسًا، «بنى على اليقين» وهو ما لا شك فيه. قوله: «وإن اشتبه طهور بنجس...» يعني: إن اشتبه ماء طهور بماء نجس حرم استعمالهما؛ «ولم يتحر»؛ أي لا ينظر أيهما الطهور من النجس، وعلى هذا فيتجنبهما حتى ولو مع وجود قرائن. والصواب أنه يتحرى([3]). قوله: «ولا يشترط للتيمُّمِ إراقتهما ولا خلطهما»؛ لأنه غير قادر على استعمال الطهور. قوله: «وإن اشتبه بطاهر…» يعني اشتبه ماء طهور بطاهر؛ كماء غمس فيه يد قائم من نوم الليل، وماء طهور اشتبه أحدهما بالآخر، فلا يتحرى ولا يتيمم؛ لأن استعمال الطاهر هنا لا يضر، بخلاف المسألة السابقة، فيتوضأ وضوءًا واحدًا من هذا غرفة ومن هذا غرفة. قوله: «وإن اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة...»هذا من باب الاستطراد؛ لأن الثياب لا دخل لها في الماء، ومثالها: رجل له ثوبان أحدهما تيَقّن نجاسته، والثاني: طاهر، ثم أراد أن يلبسهما فشك في الطاهر من النجس، فيصلي بعدد النجس ويزيد صلاة. والصحيح أنه يتحرى، ويصلي بما يغلب على ظنِّه أنه الثوب المباح([4]). قوله: «أو بمحرمة...»أي: إذا اشتبهت ثياب محرمة -لحق الله كالحرير، أو لحق آدمي كمغصوبة- بمباحة فيصلي بعدد المغصوب ويزيد صلاة.
-------------------- ([1]) فينجس بمجرد الملاقاة، ولو جاريًا؛ بحيث لو ركد لأمكن سريان النجاسة فيه، ولا يقال بتنجيس الأعلى إذا كان الجاري نازلًا من أعلى إلى أسفل، فإنه إذا تَنَجَّسَ الأسفل لا يحكم بنجاسة الأعلى، لعدم إمكان سريان النجاسة إليه، والجرية ما أحاط بالنجاسة من الماء يمنة ويسرة وعلوًا وسفلًا، وقال الشيخ: ما انتشرت إليه عادة أمامها ووراءها، وقال هو والإمام أحمد وغيرهما: ماء الحمام بمنزلة الجاري إذا كان يفيض من الحوض. انظر: الروض المربع بحاشية ابن قاسم النجدي (1/89).
([2]) التفصيل الذي ذكره المصنف هو المذهب، كما في شرح منتهى الإرادات (1/22).
([3]) عدم التحري هو المذهب، كما في كشاف القناع (1/47)، والرواية الأخرى: أنه يتحرى إذا كثر عدد الطاهرات، كما في الإنصاف (1/71)، قال في الإنصاف: «قوله: لم يتحر فيهما على الصحيح من المذهب. يشعر أن له أن يتحرى في غير الصحيح من المذهب، سواء كثر عدد النجس والطاهر أو تساويا، ولا قائل به من الأصحاب، لكن في مجمع البحرين أجراه على ظاهره، وقال: أطلق المصنف وفاقًا لداود وأبي ثور والمزني وسحنون من أصحاب مالك، قلت: والذي يظهر أن المصنف لم يرد هذا، وأنه لم ينفرد بهذا القول؛ والدليل عليه قوله: في الصحيح من المذهب. فدل أن في المذهب خلافًا موجودًا قبله غير ذلك، وإنما الخلاف فيما إذا كثر عدد الطاهر على ما تقدم، أما إذا تساويا أو كان عدد النجس أكثر فلا خلاف في عدم التحري».
([4]) عدم التحري هو المذهب، كما في شرح منتهى الإرادات (1/27)، وما صححه الشيخ قول اختاره الشيخ تقي الدين، كما في الإنصاف (1/77).
__________________
-------------------- قوله: «الآنية» جمع إناء، وهو الوعاء. قوله: «كل إناء طاهر» احتراز من النجس، فإنه لا يجوز استعماله، وفيه نظر؛ لأن النجس يباح استعماله إذا كان على وجه لا يتعدَّى كأن يتَّخذ «زِنْبِيلًا» نجسًا يحمل به التُّراب ونحوه ([1]). قوله: «ولو ثمينًا» أي مثل الجواهر والزمرُّد والماس، فإنه مباح «اتخاذه واستعماله» الاتخاذ: أن يقتنيه فقط؛ إما للزينة أو لاستعماله في حالة الضرورة، أو للبيع والشراء وما أشبه ذلك، أما الاستعمال: فهو التلبُّس بالانتفاع به. قوله: «إلا آنية ذهب وفضة» يشمل الصغير والكبير، حتى الملعقة والسكين. قوله: «مضببًا بهما» الضبة: حديدة تجمع بين طرفي المنكسر([2]). قوله: «ولو على أنثى» فلا يجوز للمرأة اتخاذ أواني الذهب والفضة واستعمالها. وذكر الأصحاب استثناءً آخر، وهو: عَظْم آدمي وجلده، فلا يباح اتخاذه واستعماله آنية. والصحيح: أن اتخاذ آنية الذهب والفضة واستعمالها في غير الأكل والشرب ليس بحرام([3]). قوله: «وتصح الطهارة منها»فلو جعل إنسان لوضوئه آنية من ذهب فالطهارة صحيحة، والاستعمال محرم. قوله: «إلا ضبة يسيرة من فضة لحاجة» هذا مستثنى من قوله: «ومضببًا بهما». قوله: «لحاجة» قال أهل العلم: الحاجة أن يتعلق بها غرض غير الزينة، وليس المعنى: ألا يجد ما يجبر به الكسر سواها؛ لأن هذه ليست حاجة، بل ضرورة. قوله: «وتكره مباشرتها لغير حاجة» أي تكره مباشرة الضبة اليسيرة، بأنه إذا أراد أن يشرب من هذا الإناء المضبَّب شرب من عند الفضة، فيُكره لغير حاجة، والصواب أنه ليس بمكروه وله مباشرتها([4]).
-------------------- ([1]) وقد قيد بالطهورية صاحب الإقناع، كما في كشاف القناع (1/50).
-------------------- قوله: «وتباح آنية الكفار» يشمل الكافر الأصلي والمرتد واليهود والنصارى([1]). قوله: «ولا يطهر جلد ميتة بدباغ» الدبغ: تنظيف الأذى والقذر الذي كان في الجلد بواسطة مواد تضاف إلى الماء. والميتة إن كانت طاهرة فإن جلدها طاهر كالسمك، وإن كانت نجسة فجلدها نجس، وما ينجس بالموت، فإن جلده ينجس بالموت، ولا يطهر بالدباغ على المذهب. قوله: «ويباح استعماله»يباح استعمال جلد الميتة بعد الدبغ «في يابس» أما استعماله قبل الدبغ، فلا يجوز في يابس ولا غيره، ولا يجوز أن نجعل فيه ماءً أو لبنًا، ولا أي شيء رطب ولو بعد الدبغ. قوله: «من حيوان طاهر» فالذي يباح استعماله بعد الدبغ في اليابس ما كان من حيوان طاهر في الحياة، وهو كل مأكول كالإبل والبقر ونحو ذلك، وكل حيوان من الهر فأقل خلقة، فإنه طاهر في الحياة، وكل شيء ليس له نفس سائلة؛ يعني إذا ذبح فليس له دم يسيل فإنه طاهر، والآدمي، ولكنه هنا غير وارد؛ لأن استعمال جلده محرم، لا لنجاسته ولكن لحرمته. قوله: «ولبنها» أي لبن الميتة نجس، وإن لم يتغير بها، وكذا «كل أجزائها نجسة» كاليد والرجل والرأس... إلخ، «غير شعر ونحوه» كالصوف للغنم، والوَبَرِ للإبل، والريش للطيور طاهر في الحياة، فلا ينجس بموت، فيجوز استعماله، واشترطوا في الشعر ونحوه أن يُجَزَّ جزًّا لا أن يقلع قلعًا؛ لأنه إذا قلع فإن أصوله محتقَنٌ فيها شيء من الميتة. وذكر أهل المذهب أن جعل المصران والكرش وترًا -أي: حبالًا- دباغ؛ أي: بمنـزلة الدباغ، وبناء عليه يكون طاهرًا، ويجوز استعماله في اليابسات على المذهب. والمختار قول صاحب الفروع: «يتوجه: لا»([2]) والمعنى أنه يرى أن الأوجه بناء على المذهب، أو على القول الراجح عنده ليس دباغًا، وما قاله متوجه؛ لأن المصران والكرش من صلب الميتة([3]). قوله: «وما أُبِين»أي فُصِلَ «من»حيوان «حي فهو كميتته»يعني طهارةً ونجاسةً، حلًّا وحرمة، وهذه قاعدة فقهية؛ فما أبين من الآدمي فهو طاهر حرام لحرمته لا لنجاسته، وما أبين من السمك فهو طاهر حلال، وهكذا، واستثنى العلماء مسألتين: الأولى: الطريدة: وهي الصيد يطرده الجماعة، فلا يدركونه فيذبحونه، لكنهم يضربونه بأسيافهم، فهذا يقص رجله وهذا يقص يده، قال أحمد: فإن بقيت، أي: قطعنا رجلها، ولكن هربت ولم ندركها، فإن رجلها حينئذ تكون نجسة وحرام؛ لأنها لم تكن صيدًا. الثانية: المسك وفأرته، وذلك أنه يقال: إنهم إذا أرادوا استخراج المسك فإنهم يركضون غزالًا معينًا فينـزل منه دم من عند سرته، ثم يأتون بخيط شديد قوي، فيربطون هذا الدم النازل ربطًا قويًّا من أجل أن لا يتصل بالبدن فيتغذى بالدم، فإذا أخذ مدة فإنه يسقط، ثم يجدونه من أطيب المسك رائحة، وهذا الوعاء: يسمى فأرة المسك، والمسك هو الذي في جوفه، فهذا انفصل من حي وهو طاهر.
-------------------- ([1]) وإنما تباح إذا لم تُعْلَم نجاستها؛ فإن عُلِمَتْ غسلت؛ لخبر «فاغسلوها»، وكغيرها من أواني المسلمين إذا تنجَّسَت. انظر: الروض المربع مع حاشية ابن قاسم النجدي (1/107).
([2]) الفروع (1/105).
([3]) وما ذكره المصنف هو المذهب، كما في شرح منتهى الإرادات (1/31).
__________________
-------------------- قوله: «الاستنجاء»: استفعال من النَّجْو، وهو في اللغة القطع، وهو إزالة الخارج من السبيلَيْن بماء، أو إزالة حكمه، وفي ذلك قطع لهذا النجس، وفي الاصطلاح: إزالة خارج من سبيل بماء أو حجر ونحوهما. قوله: «يستحب» عند دخول الخلاء «قول»أي: بلسانه إلا من أخرس فَبِنِيَّةِ القلب: «بسم الله، أعوذ بالله»أي: أعتصم وألتجئ بالله عز وجل «من الخبث»بالتسكين: الشر، وبالضم: جمع خبيث والمراد به ذكران الشياطين، «والخبائث»على الأول: النفوس الشريرة، وعلى الثاني: جمع خبيثة، والمراد إناث الشياطين، والعندية في كلام المؤلف قبل الدخول، فإن كان في البر مثلًا استعاذ عند الجلوس. قوله: «وعند الخروج منه»أي: يُسَنُّ أن يقول بعد الخروج منه: «غفرانك»([1]). ويسن أن يقدِّم «رجله اليسرى»عند دخول الخلاء، ويقدم اليمنى إذا خرج. قوله: «واعتماده على رجله اليسرى»يعني يُسن أن يعتمد على رجله اليسرى عند قضاء الحاجة، وبقاء الإنسان على طبيعته معتمدًا على الرِّجلين كلتيهما هو الأولى والأيسر، وعلى كل حال يُرْجَعُ فيه إلى الطب([2]). قوله: «وبُعْدُه»أي قاضي الحاجة «في فضاء» حتى لا يُرَى جسمه، وذلك إذا كان في مكان ليس فيه جدران أو أشجار ساترة. قوله: «واستتاره» أي يُسْتَحب استتار بدنه كله، وأما استتاره بالنسبة للعورة فهو أمر واجب. قوله: «وارتياده»أي: طلبه«لبوله»يعني: دون غائطه«مكانًا رخوًا» مثلث الراء، ومعناه المكان اللين الذي لا يُخشى منه رشاش البول. قوله: «ومسحه بيده اليسرى» أي: يُسْتَحب أن يمسح إذا فرغ من البول «من أصل ذكره»وهو عند حلقة الدبر «إلى رأسه» ثلاث مرات؛ لأجل أن يخرج ما تبقى في القناة من بول. قوله: «ونـتره ثلاثًا» النّتْر معناه: أن يجذب ذكره ليستخرج بقية بوله عند الاستنجاء. قوله: «وتحوله من موضعه...»يعني انتقاله من موضع قضاء الحاجة ليستنجي بالماء إن خاف تلوثًا؛ أما إذا لم يخف كما يوجد في الحمامات الآن فإنه لا ينتقل.
-------------------- ([1]) قيل في مناسبة سؤال المغفرة في هذا الموضع أنه دخل ثقيلًا وخرج خفيفًا؛ فذكر ثقل الذنوب يوم القيامة فسأل الله المغفرة. من حاشية أبي بطين (1/29).
([2]) والاعتماد على رجله اليسرى هو السنة على المذهب، كما في كشاف القناع (1/60).
__________________
وَيُكْرَهُ دُخُولُهُ بِشَيْءٍ فِيهِ ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى إَلَّا لِحَاجَةٍ، وَرَفْعُ ثَوْبِهِ قَبْلَ دُنُوِّهِ مِنَ الْأَرْضِ، وَكَلامُهُ فِيهِ، وَبَوْلُهُ فِي شَقٍّ، وَنَحْوِهِ، وَمَسُّ فَرْجِهِ بِيَمِينِهِ، وَاسْتِنْجَاؤُهُ، وَاسْتِجْمَارُهُ بِهَا، وَاسْتِقْبَالُ النَّيِّرَيْنِ، وَيَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ، وَاسْتِدْبَارُهَا فِي غَيْرِ بُنْيَانٍ، وَلُبْثُهُ فَوْقَ حَاجَتِهِ، وَبَوْلُهُ فِي طَرِيقٍ، وَظِلٍّ نَافِعٍ، وَتَحْتَ شَجَرَةٍ عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ، وَيَسْتَجْمِرُ بِحَجَرٍ، ثُمَّ يَسْتَنْجِي بِالمَاءِ. وَيُجْزِئُهُ الاسْتِجْمَارُ إِنْ لَمْ يَعْدُ الخَارِجُ مَوْضِعَ الْعَادَةِ. -------------------- قوله: «ويكره دخوله»أي قاضي الحاجة، ويحتمل عود الضمير إلى الخلاء، والمراد بذكر الله هو اسم الله؛ فكل ما فيه اسم الله يكره دخول الخلاء به، واستثنى أهل المذهب المصحف، فقالوا: يحرم أن يدخل به الخلاء سواء كان ظاهرًا أو خفيًّا. قوله: «إلا لحاجة» يعني إذا احتاج إلى ذلك؛ كالأوراق النقدية التي فيها اسم الله، والمصحف إن خاف أن يُسرق. ويكره لقاضي الحاجة «رفع ثوبه»قبل أن يدنو من الأرض، «وكلامه فيه» أي: في الخلاء،«وبوله في شق»-الشّق: هو الفتحة في الأرض، وهو الجُحْرُ للهوام والدواب- «ونحوه» مَثّل بَعضُهم بفم البالوعة، وهي مجتمع الماء غير النظيف، وكذا يكره «مس فرجه بيمينه» يشمل كلا الفرجين: القُبُلِ والدّبُرِ «واستنجاؤه» أي بالماء«واستجماره» أي بالحجر ونحوه؛ فيكره كلاهما بيمينه. وكذا يكره «استقبال النيرين» الشمس والقمر حال قضاء الحاجة، كذا نصه، والصحيح عدم الكراهة؛ لعدم الدليل، بل ولثبوت الدليل الدال على الجواز([1]). قوله: «ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في غير البنيان»فإذا كان في بنيان، فيجوز الاستقبال والاستدبار. قوله: «ولبثه فوق حاجته» أي يحرم، ويجب عليه أن يخرج من حين انتهائه، وكذا يحرم «بوله في طريق» والغائط من باب أولى، وكذا في «ظل نافع» أي يستظل به الناس ومثله: مشمس الناس في أيام الشتاء، فلا يجوز، وكذا يحرم «تحت شجرة عليها ثمرة»أي قريبًا منها وليس بعيدًا، ويجب أن تُقَيد الثمرة بالمقصودة -أي التي يقصدها الناس ولو كان ثمرها غير مطعوم- وكذلك تُقَيَّد بالمحترمة كثمرة النخل، ولو كانت في مكان لا يقصده أحدٌ، فلا يبول ولا يتغوط تحتها ما دامت مثمرة. قوله: «إن لم يعْدُ الخارج موضع العادة» من شروط الاستجمار([2]) ألّا يعدو الخارج موضع العادة بأن لا ينتشر البول إليه من رأس الذّكر، وبأن لا ينتشر الغائط إليه من داخل الفخذين، فإن تعدى موضع العادة فلا يجزئ إلا الماء.
-------------------- ([1]) والمذهب الكراهة، كما في كشاف القناع (1/61)، وما صححه الشيخ قول ذكره في الإنصاف (1/100).
([2]) قال في الرعاية: «ويجزئ الاستجمار بكل طاهر جامد خشن منقّ حلال، وإن كان أرضًا أو جدارًا أو خشبًا أو خزفًا ثمينًا ونحو ذلك، ولا يجزئ ما له حرمة؛ كطعام آدمي أو بهيمة حتى التبر، وفي الحشيش وجهان». من حاشية أبي بطين (1/31).
__________________
-------------------- قوله: «ويشترط للاستجمار بأحجار ونحوها»مثل: المدَرَ، وهو: الطين اليابس المتجمد، والتراب، والخرق والورق، وما أشبه ذلك؛ كالخشب «أن يكون طاهرًا» يعني لا نجسًا [font="]–أي بعينه- ولا متنجسًا -أي بغيره، يعني طرأت عليه النجاسة- «مُنقيًا» يعني يحصل به الإنقاء، فإن كان غير منقٍّ لم يجزئ «غير عظم وروث وطعام» يعني طعام بني آدم وطعام بهائمهم، «ومحترم» أي ككتب العلم الشرعي، «ومتصل بحيوان» كذيل بقرة، فلا يجوز الاستجمار به؛ لأن للحيوان حرمة.[/font] قوله: «ويشترط ثلاث مسحات منقية» الإنقاء: أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء، أما الإنقاء بالماء فهو عود خشونة المحل كما كان، ويُشترط في الاستنجاء بالماء سبع غسلات على المشهور من المذهب، والصحيح أنه متى حصل الإنقاء طهر المحل، سواء كان بثلاث أو بأكثر([1]). قوله: «ولو بحجر ذي شعب» إن أنقت. قوله: «ويُسَن قطعه»يعني قطع الاستجمار، والمراد عدده «على وتر» فإذا أنقى بأربع زاد خامسة، وإذا أنقى بست زاد سابعة، وهكذا. قوله: «يجب الاستنجاء لكل خارج»أي: من السبيلين«إلا الريح»؛ لأنها لا تحدث أثرًا، فهي هواء فقط، وسواء كان له صوت أو لا فهي طاهرة، وإن كانت رائحتها خبيثة، ويُستثنى من ذلك أيضًا المنيُّ وغير الملوث ليبوسته. قوله: «ولا يصح قبله وضوء ولا تيمم» يعني: يُشْتَرَطُ لصحة الوضوء والتيمم تقدم الاستنجاء أو الاستجمار.
-------------------- ([1]) وهو المذهب، كما في كشاف القناع (1/70).
__________________
--------------------- السِّواك: فِعَالٌ، مِنْ سَاكَ يَسُوكُ، أو مِنْ تَسَوَّك يتسَوَّك؛ يطلق على الآلة التي هي العود، ويطلق على الفعل، فيقال: السواك سُنَّةٌ. قوله: «باب السواك وسنن الوضوء»لما كان السواك من سنن الوضوء قرن بقية السنن بالسواك. قوله: «بعود» دخل فيه كل أجناس العيدان، سواء كانت من جريد النخل أو من عراجينها أو من أغصان العنب، وما بعد ذلك من القُيود فُصولٌ تُخْرِج أجْناسًا من الأعواد. وخرج بقوله: «عود» التسوك بخرقة أو الأصابع، فليس بسنة على المذهب([1])، فإن لم يكن عند الإنسان في حال الوضوء شيء من العيدان يستاك به، فيجزئ بالإصبع([2]). وخرج بقوله:«لين» الأعواد القاسية، وبقوله: «منق» الذي لا شعر له، ويكون رطبًا رطوبة قوية فإنه لا ينقي لكثرة مائه وقلة شعره التي تؤثر في إزالة الوسخ، وبقوله: «غير مضر» ما يضر كالريحان، وكل ما له رائحة طيبة؛ لأنه يؤثر على رائحة الفم؛ لأن هذه الريح الطيبة تنقلب إلى ريح خبيثة. وقوله: «لا يتفتت» أي لا يتساقط؛ لأنه إذا تساقط في الفم ملأه أذى. قوله: «لا بأصبع» التسوك بالأصبع ليس بسنة، ولا تحصل به السنة، سواء كان ذلك عند الوضوء أو لم يكن، واختار بعض الأصحاب حصول السنِّيَّة بقدر ما يحصل من الإنقاء. قوله: «أو خرقة» بأن يجعل الخرقة على الأصبع ملفوفة ويتسوك بها. قوله: «مسنون كل وقت» أي بالليل والنهار «لغير صائم بعد الزوال» أي زوال الشمس، فيعم صيام الفرض والنفل، والراجح أنه سنة حتى للصائم([3]). قوله: «متأكد عند صلاة»أي قربها، وكلما قرب منها فهو أفضل، ويشمل الفرض والنَّفْل، وكذا متأكد عند «انتباه»يعني من نوم ليل أو نهار،«وتغير فم» أي يتأكد عند تغير الفم([4]). قوله: «ويستاك عرضًا»أي عرضًا بالنسبة للأسنان وطولًا بالنسبة للفم «مبتدئًا بجانب فمه الأيمن ويدهن» بأن يستعمل الدهن في شعره وبدنه «غبًّا» يعني: يفعل يومًا ولا يفعل يومًا، أو يومًا ويتركه يومين، ونحو ذلك. قوله: «ويكتحل وترًا» أي بجعْلِ الكحل ثلاثة في كل عين، قالوا: وينبغي أن يكتحل بالإثمد كل ليلة، وهو نوع من الكحل مفيد جدًّا للعين. قوله: «وتجب التسمية في الوضوء»أي يقول: بسم الله، ويكون عند ابتدائه «مع الذكر» فتسقط بالنسيان وهو المذهب؛ فإن نسيها في أوله وذكرها في أثنائه يبتدئ كما في المنتهى؛ لأنه المذهب، ولا يستمر كما في الإقناع؛ لأن المتأخرين يرون أنه إذا اختلف الإقناع والمنتهى، فالمذهب المنتهى. قوله: «ويجب الختان» وهو بالنسبة للذَّكَر قَطْعُ الجِلْدَة التي فوق الحَشَفَة، وبالنسبة للأنثى قطع لحْمَةٍ زائدة فوق محل الإيلاج، والوجوب على الذَّكر والأُنْثَى هو المذهب([5])، وأقوى الأقوال في حق المرأة أنه سنة([6]). قوله: «ويكره القزع» هو حلق بعض الرأس وترك بعض.
--------------------- ([1]) انظر: شرح منتهى الإرادات (1/ 42).
([2]) وهو قول كما في الفروع (1/128).
([3]) وكراهته للصائم بعد الزوال هو المذهب، كما في كشاف القناع (1/72)، والإباحة رواية كما في الإنصاف (1/118).
([4]) ونظمها بعضهم فقال:
وهو مؤكد لدى انتباه ثم قراءة كتاب الله كذا الصلاة مَعْ تَغيُّرِ الفَمِثم الوضوء والدخول واعْلَمِ
انظر: حاشية أبي بطين (1/34).
([5]) انظر: كشاف القناع (1/80).
([6]) في الإنصاف (1/124) أن الوجوب على الرجال دون النساء رواية.
__________________
-------------------- قوله: «ويجب»غسل الكفين ثلاثًا، وهذا إذا أراد أن يغمسهما في الإناء «من نوم ليل» خرج به نوم النهار، فلا يجب غسل الكفين منه «ناقض لوضوء» احترازًا مما لو لم يكن ناقضًا، والنوم الناقض على المذهب: كل نوم، إلا يسير نوم من قائم أو قاعد غير مستند فيهما. قوله: «والبداءة بمضمضة»بإدارة الماء في الفم«ثم استنشاق» بجذب الماء بالنّفس من الأنف، وهذا بعد غسل الكفين، والأفضل أن يكون ثلاث مرات بثلاث غرفات، والبدء بهما قبل غسل الوجه أفضل، وإن أَخَّرَهما بعد غسل الوجه جاز، ولا تكمل السنة إلا بالاستنثار بعد الاستنشاق والمج بعد المضمضة. قوله: «والمبالغة فيهما»أي في المضمضة بأن تُحرِّك الماء بقوة وتَجْعَلَه يصل إلى كل الفم، وفي الاستنشاق بأن يجذبه بنَفَسٍ قوي«لغير الصائم» أما المبالغة للصائم فهي مكروهة؛ لأنها قد تؤدي إلى ابتلاع الماء. قوله: «وتخليل اللحية الكثيفة» اللحية الخفيفة هي التي لا تستر البشرة، وهذه يجب غسلها وما تحتها؛ واللحية الكثيفة [font="]–وهي ما تستر البشرة- لا يجب إلا غسل ظاهرها فقط، وعلى المشهور من المذهب يجب غسل المسترسل منها، وقيل: لا يجب، كما أنه لا يجب غسل ما استرسل من الرأس. والتخليل له صفتان: الأولى: أن يأخذ كفّا من ماء، ويجعله تحتها حتى تتخلل به، والثانية: أن يأخذ كفّا من ماء، ويخللها بأصابعه كالمشط. [/font] قوله: «الأصابع» أي تخليل أصابع اليدين -بأن يدخل بعضهما ببعض- والرِّجلين [font="]– بأن يخللهما بخنصر يده اليسرى مبتدئًا بخنصر رجله اليمنى من الأسفل إلى الإبهام، ثم الرِّجل اليسرى يبدأ بها من الإبهام لأجل التيامن- وهو في الرِّجْلَين آكد. [/font] قوله: «والتَّيَامُنُ» أي: من سنن الوضوء، وهو خاصٌّ بالأعضاء الأربعة فقط، وهما اليدان والرجلان، أما الوجه فالنصوص تدل على أنه يُغْسل مرة واحدة، والرأس والأذنان يمسحان مرة واحدة، ولو فرض أن الإنسان لا يستطيع أن يمسح رأسه إلا بيد واحدة، فإنه يبدأ باليمين، وبالأذن اليمنى. قوله: «وأخْذُ ماء جديد للأذنين» أي يُسَنّ إذا مسح رأسه أن يأخذ ماء جديدًا، ومن السنن«الغسلة الثانية والثالثة»([1]).
-------------------- ([1]) قال في الفروع (1/152) في صفة الوضوء: «وظاهر ما ذكره بعضهم: يستقبل القبلة، ولا تصريح بخلافه، وهو متجه في كل طاعة إلا لدليل».
__________________
فُرُوضُهُ سِتَّةٌ: غَسْلُ الْوَجْهِ، وَالْفَمِ وَالْأَنْفِ مِنْهُ، وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ وَمِنْهُ الْأُذُنَانِ، وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، وَالتَّرْتِيبُ، وَالمُوَالَاةُ، وَهِيَ: أَلّا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ الَّذِي قَبْلَهُ. -------------------- قوله: «وصفته» يعني: باب فروض الوضوء وباب صفة الوضوء، والصفة هي الكيفية التي يكون عليها. قوله: «غسل» بأن يجري الماء على العضو، فخرج به المسح. قوله: «الوجه» هو ما تحصل به المواجهة، وحدّه طولًا: من منحنى الجبهة [font="]- أي منابت الشعر المعتاد- إلى أسفل اللحية، وعرضًا من الأذن إلى الأذن، وعلى المذهب: يجب غسل ما استرسل من اللحية وقد سبق.[/font] قوله: «والفم والأنف منه» لوجودهما فيه، وداخلان في حَدِّه، وعلى هذا فالمضمضة والاستنشاق من فروض الوضوء([1]). قوله: «وغسل اليدين» ويجب أن يقيد ذلك إلى المرفقين، والمرفق: المفصل الذي بين العضد والذراع. قوله: «ومسح الرأس» الفرق بين المسح والغسل: أن المسح لا يحتاج إلى جريان، بل يكفي أن يغمس يده في الماء ثم يمسح بها رأسه مبلولة بالماء، «ومنه الأذنان» أي من الرأس. قوله: «وغسل الرِّجْلَين» ولا بد أن يُقَال: إلى الكَعْبَيْنِ، والكعبان هما العَظْمَان الناتِئَان اللذان بأسفل الساق من جانب القدم. قوله: «والترتيب» فلا يسقط سهوًا ولا جهلًا، ولو فُرِضَ أن رجلًا جاهلًا في بادية، ومنذ نشأته وهو يتوضأ فيغسل الوجه واليدين والرِّجْلين ثم يمسح الرأس، فهنا قد يتوجه القول بأنه يُعْذَر بجهله. قوله: «والموالاة»كون الشيء مواليًا للشيء أي عقبه بدون تأخير، وتفسيرها: «ألا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله» أي: الذي قبل العضو المغسول مباشرة على الولاء، وليس كل الأعضاء السابقة، وذلك بشرط أن يكون ذلك بزمن معتدل -كزمن الشتاء والرطوبة الذي يتأخر فيه النشاف- خال من الريح، أو شدة الحر الذي يسرع فيه النشاف. ويستثنى من ذلك ما إذا فاتت الموالاة لأمر يتعلق بالطهارة، مثل: أن يكون بأحد أعضائه حائل يمنع وصول الماء فاشتغل بإزالته، فإنه لا يضر، أما إذا فاتت الموالاة لأمر لا يتعلق بالطهارة، كأن وجد على ثوبه دمًا فاشتغل بإزالته حتى نشفت أعضاؤه، فيجب عليه إعادة الوضوء، وظاهرُ كلام المؤلّف رحمه الله أنّ الموالاة ليست شرطًا في الغُسل، والأَوْلَى القول بأن الموالاة شرط؛ لأنها عبادة واحدة لا يمكن تجزئتها([2]).
-------------------- ([1]) قال ابن عطوة: يكفي في المضمضة والاستنشاق البعض دون سائر الأعضاء، وقال الشيخ سليمان بن علي: المغيا لا يدخل في الغاية إلا في ثلاث: غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والأرجل إلى الكعبين يجب إدخال المرافق والكعبين في الغسل، والتكبير المقيد يدخل فيه عصر أيام التشريق. من حاشية أبي بطين (1/41).
([2]) وهو المذهب، كما في كشاف القناع (1/84).
__________________
-------------------- قوله: «والنية» بمعنى القصد، وخرج بقوله: «طهارة الأحداث»طهارة الأنجاس، فلا يشترط لها نية. قوله: «فينوي رفع الحدث» فإذا توضأ بنية رفع الحدث الذي حصل له بسبب البول مثلًا صح وضوؤه، «أو الطهارة لما لا يباح إلا بها» أي: ينوي الطهارة لشيء لا يباح إلا بالطهارة؛ كالصلاة، والطواف، ومس المصحف، فيرتفع حدثه. قوله: «فإن نوى ما تُسَن له الطهارة» كقراءة القرآن ارتفع حدثه؛ لأنه إذا نوى الطهارة لما تسن له فمعنى ذلك أنه نوى رفع الحدث لأجل أن يقرأ. قوله: «أو تجديدًا مسنونًا ناسيًا حدثه ارتفع» أي: تجديدًا لوضوء سابق عن غير حدث، بشرط أن يكون ذلك التجديد مسنونًا؛ لأنه إذا لم يكن مسنونًا لم يكن مشروعًا، فإذا نوى التجديد وهو غير مسنون، فقد نوى طهارة غير شرعية، فلا يرتفع حدثه بذلك، وتجديد الوضوء يكون مسنونًا إذا صلى بالوضوء الذي قبله، فإذا صلى بالوضوء الذي قبله، فإنه يستحب أن يتوضأ للصلاة الجديدة. وبشرط أن ينسى حدثه، فإن كان ذاكرًا لحدثه فإنه لا يرتفع؛ لأنه حينئذ يكون متلاعبًا. قوله: «وإن نوى غسلًا مسنونًا أجزأه عن واجب»مثاله: أن يغتسل من تغسيل الميت. قوله: «وكذا عكسه» أي إذا نوى غسلًا واجبًا أجزأ عن المسنون لدخوله فيه، وإذا نوى الغسلين: الواجب، والمستحب أجزأ من باب أولى. قوله: «وإن اجتمعت أحداث توجب وضوءًا» أي بأن فعل من نواقض الوضوء أشياء متعددة، كما لو بال وتغوَّط ونام ونوى الطهارة عن البول فإنه يجزئ عن الجميع، ولكن لو نوى عن البول فقط، ونوى ألا يرتفع غيره فلا يرتفع غيره. والصحيح أنه إذا نوى رفع حدث عن واحد منها ارتفع عن الجميع، حتى وإن نوى ألا يرتفع غيره([1]). قوله: «أو غسلًا» أي: اجتمعت أحداث توجب غسلًا؛ كالجماع، والإنزال، والحيض بالنسبة للمرأة، فإذا اجتمعت ونوى بغسله واحدًا منها فإن جميع الأحداث ترتفع. قوله: «ويجب الإتيان بها»أي النية «عند أول واجبات الطهارة وهو التسمية» ولم يقل عند أول فروض الطهارة؛ لأن الواجب مقدم على الفروض في الطهارة، والواجب هو التسمية. قوله: «وتسن عند أول مسنوناتها إن وجد قبل واجب»أول مسنونات الطهارة غَسْلُ الكفين ثلاثًا، فإذا غسلهما ثلاثًا قبل أن يسمي صار الإتيان بالنية حينئذ سنة. وقوله: «إن وجد» أي أول المسنونات «قبل واجب» أي: التسمية، بأن غسل كفيه ثلاثًا قبل أن يسمي؛ فإن تقدم النية قبل غسل اليدين سنة. قوله: «واستصحاب ذكرها في جميعها» أي يسن استصحاب ذكرها بالقلب في جميع الطهارة. قوله: «ويجب استصحاب حكمها» معناه: ألا ينوي قطعها.
-------------------- ([1]) وما ذكره المصنف هو المذهب على ما في شرح منتهى الإرادات (1/55)، وما صححه الشيخ وجه، كما في الإنصاف (1/149).
__________________
-------------------- قوله: «وصفة الوضوء» أي المشتملة على الواجب وغير الواجب: «أن ينوي»والنية شرط، «ثم يسمي» والتسمية واجبة، «ويغسل كفيه ثلاثًا»؛ لأن الكفين آلة الوضوء، والواو هنا لا تفيد أن النية مقارنة للتسمية، ولكنها في محل «ثم» يعني ثم بعد التسمية يغسل كفيه ثلاثًا، «ثم يتمضمض» وسبق الكلام عليها، «ويستنشق»وسبق شرحه([1]). «ويغسل وجهه من منابت شعر الرأس» المراد مكان نبات الشعر المعتاد، بخلاف الأقرع الذي له شعر نازل على الجبهة، والأنزع الذي انحسر شعر رأسه «إلى ما انحدر من اللحيين والذقن» الذقن هو مجمع اللحيين، واللحيان هما العظمان النابت عليهما الأسنان؛ فيغسل إلى ما انحدر من اللّحيين، وكذلك إذا كان في الذقن شعر طويل فإنه يغسل. قوله: «ومن الأذن إلى الأذن عرضًا» والبياض الذي بين العارض والأذن من الوجه، والشعر الذي فوق العظم الناتئ يكون تابعًا للرأس. قوله: «وما فيه من شعر خفيف، والظاهر الكثيف» الخفيف ما نرى من ورائه البشرة فيجب غسله وما تحته، والكثيف لا نرى، ويجب غسل ظاهره دون باطنه، وكذلك يجب غسل ما في الوجه من شعر؛ كالشارب، والعنفقة، والأهداب، والحاجبين، والعارضين. قوله: «مع ما استرسل منه»؛ أي نزل منه «ثم يديه» أي: اليمنى ثم اليسرى«مع المرفقين» التعبير بـ«مع» مع مخالفة الآية من باب التفسير والتوضيح. قوله: «ثم يمسح كل رأسه مع الأذنين مرة واحدة»أي: لا يغسله وإنما يمسحه، ومسح الأذنين فرض، «ثم يغسل رجليه مع الكعبين»كالكلام على قوله: «مع المرفقين». قوله: «ويغسل الأقطع»أي أقطع اليدين «بقية المفروض»، ولا يأخذ ما زاد على الفرض في مقابل المقطوع؛ فلو قدر أنه قطع من نصف الذراع، فلا يرتفع إلى العضد بمقدار نصف الذراع؛ لأن العضد ليس محلّا للغسل، وإنما يغسل بقية المفروض. قوله: «فإن قطع من المفصل»إذا قطع من مفصل المرفق غسل رأس العضد؛ لأن رأس العضد مع المرفق في موازنة واحدة، وإن قطع من فوق المفصل لا يجب غسله، وهكذا بالنسبة للرِّجل والأذن. قوله: «ثم يَرْفع بصره إلى السماء ويقول ما ورد»وهو حديث عمر رضي الله عنه: «أشهد ألّا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التَّوَّابين واجعلني من المتطهرين». قوله: «وتباح معونَتُهُ» كتقريب الماء إليه وصبه عليه وهو يتوضأ، «وتنشيف أعضائه»أي تجفيفها.
-------------------- ([1]) ويكون ثلاثًا ثلاثًا بيمينه، ومن غرفة أفضل، كما في الروض المربع، قال في حاشية ابن قاسم عليه (1/200): «أي بثلاث غرفات، يجمعهما بغرفة واحدة، ولا يفصل بينهما، وحكى ابن رشد الاتفاق عليه، لحديث علي أنه مضمض واستنشق ثلاثًا بثلاث غرفات متفق عليه... قال ابن القيم: ولم يجئ الفصل بينهما في حديث صحيح، وقال النووي: لم يثبت في الفصل حديث أصلًا، بل الصواب تفضيل الجمع، للأحاديث الصحيحة المتظاهرة، وليس لها معارض».
__________________
يَجُوزُ لمُقِيمٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلِمُسَافِرٍ ثَلَاثَةً بِلَيَالِيهَا مِنْ حَدَثٍ َبعْد لُبْسٍ عَلَى طَاهِرٍ مُبَاحٍ سَاتِرٍ لِلْمَفْرُوضِ، يَثْبُتُ بنَفْسِهِ مِنْ خُفٍّ، وَجَوْرَبٍ صَفِيقٍ، وَنَحْوِهِمَا، وَعَلَى عِمَامَةٍ لِرَجُلٍ مُحَنّكَةٍ، أَوَ ذَاتِ ذُؤَابَةٍ، وَخُمُرِ نِسَاءٍ مُدَارَةٍ تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ، فِي حَدَثٍ أَصْغَرَ. -------------------- الخفّان: ما يلبس على الرِّجْل من الجلود، ويلحق بهما ما يُلْبَس عليهما من الكتان والصوف وكل ما يُلْبَسُ على الرجل مما تستفيده منه بالتسخين. قوله: «يجوز لمقيم» يشمل المستوطن والمقيم، والإقامة عند الفقهاء: لكل مسافر أقام إقامة تمنع القصر فإنه مقيم ولا يسمى مستوطنًا، فلا تنعقد به الجمعة، ولا تجب عليه، والمستوطن: الذي اتخذ هذا البلد وطنًا له([1]). قوله: «يومًا وليلة»للمقيم «ولمسافر ثلاثة بلياليها» إذا كان سفرًا يبيح القصر. قوله: «مِنْ حدث» يعني: أن ابتداء المدة سواء كانت يومًا وليلة أو ثلاثة أيام من الحدث بعد اللبس، وهذا هو المذهب([2])، والصواب أن العبرة بالمسح وليس بالحدث([3]). ويشترط أن يكون المسح على طاهر ليس نجس العين -كما لو كانت الخفاف من جلد ميتة مدبوغ- ليصلي به، أما المتنجس - كما لو كانت من جلد بعير لكن أصابتها نجاسة- فيجوز المسح عليه، ولكن لا يصلي به إلا إذا طَهُرَ. قوله: «مباح» احتراز من المحرم لكسبه؛ كالمغصوب، والمحرم لعينه؛ كالحرير للرَّجُل. قوله: «ساتر للمفروض» أي: للمفروض غسله من الرّجل، بألا يتبين شيء من المفروض من ورائه، سواء كان ذلك من أجل صفائه أو خفته، أو من أجل خروق فيه، ولو كان هذا الخرق بمقدار رأس المخراز، والراجح أن ما ظهر فيغسل وما استتر بالخف فيمسح كالجبيرة، وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية([4]). قوله: «يثبت بنفسه» أي لا بد أن يثبت بنفسه أو بنعلين إلى خلعهما؛ فإن كان يثبت بشده فلا يجوز المسح عليه، والصواب أنه يصح، والدليل على ذلك أن النصوص الواردة في المسح مطلقة([5]). قوله: «من خف» مِنْ: بيانية؛ يعني حال كونه من خف، والخف: ما يكون من الجلد، والجورب ما يكون من غير الجلد كالخِرَق وشبهها. قوله: «صفيق» أي لا بد أن يكون ساترًا للمفروض على المذهب. قوله: «ونحوهما» أي: مثلهما من كل ما يُلْبَسُ على الرِّجْل، سواء سُمِّي خفًّا أو غير ذلك، فإنه يجوز المسح عليه؛ لأن العلة واحدة. قوله: «وعلى عمامة»العمامة ما يُعَمَّم به الرأس ويكور عليه «لرجل» أو لصبي؛ أما المرأة فلا يجوز لها المسح على العمامة، ويشترط في العمامة ما يُشْتَرط في الخفِّ؛ من طهارة العين، وأن تكون مباحة. قوله: «محنَّكَة» أي: يدار منها تحت الحنك «أو ذات ذؤابة» أي: يكون أحد أطرافها متدليًا من الخلف، ويشترط أيضًا أن تكون ساترة لما لم تَجْرِ العادة بكشفه كمقدم الرأس والأذنين وجوانب الرأس فيُعْفَى منه؛ لمشقة التحرُّز. ولا يشترط أن يمسح ما ظهر من الرأس، لكن يُسَنُّ أن يمسح معها ما ظهر من الرأس. قوله: «وعلى خمُر النساء» خُمُر: جمع خمار، وهو ما تُغَطِّي به المرأة رأسها «مدارة تحت حلوقهن» أي لا مطلقة مرسلة؛ لأن هذه هي التي يشق نزعها. قوله: «في حدث أصغر»فالعمامة والخف والخمار إنما تُمْسح في الحدث الأصغر دون الأكبر.
-------------------- ([1]) قال ابن عطوة: يجب المسح على الخفين إذا لم يجد من الماء ما يكفيه وهو لابس بالشرائط المعتبرة، وإذا خاف أن يرفع الإمام رأسه في الركعة الثانية من الجمعة، وإذا تعينت عليه الصلاة على الميت وخاف انفجارًا. ذكره الإسنوي، والذي يظهر أن مذهبنا كذلك، وذكر أيضًا ما لو خاف خروج الوقت إذا اشتغل بالطهارة. قال أبو بطين في حاشية الروض (1/44): «واختاره المجد من أصحاب الإمام أحمد، وخالفه الموفق في ذلك».
([2]) انظر: شرح منتهى الإرادات (1/63).
([3]) وهي رواية، كما في الإنصاف (1/177).
([4]) انظر: الإنصاف (1/179).
([5]) وما ذكره المصنف هو المذهب، كما في شرح منتهى الإرادات (1/64-65)، وما صححه قول، كما في الإنصاف (1/179).
__________________
-------------------- قوله: «وجبيرة» هي أعواد توضع على الكسر ليلتئم ثم يربط عليها، والآن بدلها الجبس([1]). قوله: «لم تتجاوز قدر الحاجة» أي تتعدى قدر الكسر، وكل ما قرب منه مما يحتاج إليه في شدها. قوله: «ولو في أكبر» أي يجوز المسح عليها في الحدث الأصغر والأكبر. قوله: «إلى حلها»أي إزالتها، وإذا برئ الجُرح وجب إزالتها. قوله: «إذا لبس ذلك» المشار إليه الأنواع الأربعة: الخف، والعمامة، والخمار، والجبيرة. وقوله: «بعد كمال الطهارة» لم يقل: بعد الطهارة حتى لا يتجوز متجوِّز، فيقول: بعد الطهارة؛ أي: بعد أكثرها. قوله: «ومن مسح في سفر ثم أقام» فإنه يتم مسح مقيم إن بقي من المدة شيء، وإن انتهت المدة خلع، والرواية الثانية عن أحمد أنه يتم مسح مسافر كالعكس؛ لأنه وجد السبب الذي يستبيح به هذه المدة([2]). قوله: «أو عكس» أي: مسح في إقامة ثم سافر، فإنه يتم مسح مقيم؛ تغليبًا لجانب الحضر احتياطًا. قوله: «أو شك في ابتدائه» يعني: هل مسح وهو مسافر أو مسح وهو مقيم؟ فإنه يتم مسح مقيم احتياطًا وهو المذهب. قوله: «وإن أحدث»وهو مقيم «ثم سافر قبل مسحه فمسح مسافر» أي: فإنه يتم مسح مسافر. قوله: «ولا يمسح قلانس» القلانس: نوع من اللباس الذي يُوضَع على الرأس كالطاقية، فمثل هذا النوع لا يجوز المسح عليه. هذا مراده، ولكن نقول: ما دام الشرع أجاز المسح على العمامة فكل ما كان مثلها في مشقة النزع فإنه يعطى حكمها([3]). قوله: «ولا لفافة» أي: في القدم؛ لأنها ليست بخف، فلا يشملها حكمه، واختار شيخ الإسلام رحمه الله جواز المسح على اللفافة وهو الصحيح([4]). قوله: «ولا ما يسقط من القدم» يعني: ولا يمسح ما يسقط من القدم، وهذا بناء على أنه يُشْتَرط لجواز المسح على الخف ثبوته بنفسه أو بنعلين إلى خلعهما. قوله: «أو يُرَى منه بعضه» أي: إذا كان الخف يُرَى منه بعض القدم، فإنه لا يمسح ولو كان قليلًا. قوله: «فإن لبس خفًّا على خف قبل الحدث، فالحكم للفوقاني»كالشراب، فهذا خف على خف، ولا يجوز المسح عليهما إن كانا مخروقين على المذهب؛ ولو سَتَرَا؛ مثاله: لو لَبِسَ خُفّين أحدهما مخروق من فوق والآخر مخروق من أسفل، فالستر الآن حاصل، لكن لو انفرد كل واحد لم يجز المسح عليه، فلا يجوز المسح عليهما، ولو كانا سليمين جاز المسح عليهما، ولو كان أحدهما سليمًا والآخر مخروقًا جاز المسح عليهما؛ لأن أحدهما لو انفرد جاز المسح عليه. وإذا لبس خفًّا على خف على وجه يصح معه المسح، فإن كان قبل الحدث فالحكم للفوقاني، وإن كان بعد الحدث فالحكم للتحتاني. وقوله: «فالحكم للفوقاني» هذا لبيان الجواز؛ فإنه يجوز أن يمسح على التحتاني حتى ولو كان الحكم للفوقاني، وإذا كان في الحال الذي يمسح فيها الأعلى وخلعه بعد مسحه فإنه لا يمسح التحتاني هذا هو المذهب.
-------------------- ([1]) الجبيرة تفارق الخف في عشرة أشياء: الطهارة على إحدى الروايتين، وسفر المعصية، وعدم التوقيت، وعدم ستر محل الفرض، واختصاصها بالضرورة، وتستوعب بالمسح، وتجوز من خرق ونحوها، ومن حرير ونحوه، ومن خشب ونحوه على رواية صحة الصلاة في ذلك. من حاشية أبي بطين (1/45).
([2]) انظر: الإنصاف (1/177).
([3]) عدم جواز المسح على القلانس هو المذهب، كما في شرح منتهى الإرادات (1/62)، وفيها وفي غيرها رواية كما في الإنصاف (1/170).
([4]) عدم الجواز هو المذهب كما في شرح منتهى الإرادات (1/62)، وانظر اختيار شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (21/185).
__________________
-------------------- قوله: «ويمسح أكثر العمامة» هذا بيان للموضع والكيفية وهذا وجوبًا، وإن مسح الكل فلا حرج، ويُسْتَحَبّ إذا كانت الناصية بادية أن يمسحها مع العمامة، ويمسح «ظاهر قدم الخف من أصابعه إلى ساقه دون أسفله وعقبه»؛ لأن المسح مختص بالظاهر، ويمسح «على جميع جبيرة،ومتى ظهر بعض محل الفرض»-كالكعب من القدم في فرض الرِّجْل أو جزء من الرأس؛ لأن العمامة ارتفعت- فإنه لا يمسح، بل يلزمه أن يستأنف الطهارة ويغسل رجليه ويمسح على رأسه، ومراد المؤلف: لو ظهر محل الفرض بعد الحدث، أما لو ظهر بعض محل الفرض أو كله قبل الحدث الأول، فإنه لا يضر، «أو تمت مدته استأنف الطهارة» يعني: إذا تمت المدة ولو كان على طهارة فإنه يجب عليه إذا أراد أن يصلي مثلًا أن يستأنف الطهارة؛ والراجح ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا تنتقض الطهارة بانتهاء المدة لعدم الدليل([1]).
-------------------- ([1]) وما ذكره المصنف هو المذهب، كما في شرح منتهى الإرادات (1/68)، ورأي شيخ الإسلام ذكره في الإنصاف (1/190)، وهو في مجموع الفتاوى (21/179).
__________________
-------------------- نواقض الوضوء: مفسداته؛ أي: التي إذا طرأت عليه أفسدته. قوله: «ينقض ما خرج»يشمل كل خارج معتاد؛ كالبول والغائط، أو غير معتاد؛ كالريح من القُبل«من سبيل» مطلق فيتناول القُبُل والدبر، «وخارج من بقية البدن إن كان بولًا أو غائطًا»أي: وينقض خارج من بقية البدن إن كان بولًا أو غائطًا قَلَّ أو كَثُرَ. وقال بعض أهل العلم: إن كان المخرج من فوق المعدة فهو كالقيء، وإن كان من تحتها فهو كالغائط، وهذا اختيار ابن عقيل رحمه الله، وهذا قول جيد([1]). ويستثنى مما سبق: مَنْ حَدَثُهُ دائم، فإنه لا ينتقض وضوؤه بخروجه كمن به سلس بول أو ريح. وظاهر قوله: «إن كان بولًا أو غائطًا» أن الريح لا تنْقُضُ إذا خرجت من هذا المكان الذي فتح عوضًا عن المخرج، ولو كانت ذات رائحة كريهة وهو المذهب. قوله: «أو كثيرًا نجسًا غيرهما» أي: أو كان كثيرًا غير البول والغائط -كالدم والقيء- نجسًا؛ احترازًا من الطاهر، كالعَرَقِ واللّعاب ودَمْعِ العين. قوله: «وزوال العقل» بالكلية كالجنون، أو تغطيته بسبب يُوجِب ذلك لمدة معينة؛ كالنوم، والإغماء. وزوال العقل بالجنون والإغماء والسكر يسيره وكثيره ناقض، بخلاف النوم فإنه قال: «إلا يسير النوم من قاعد وقائم» فخرج ما عدا القاعد والقائم كالمتكئ، ويشترط أن يكون القائم والقاعد غير مستنِدَيْن. واختيار شيخ الإسلام -وهو الصحيح- أن النوم مظنة الحدث، فإذا نام بحيث لو انتقض وضوؤه أحس بنفسه، فإن وضوءه باق([2]). قوله: «ومس» أي بدون حائل «ذَكَرٍ» أي مس ذكر نفسه لا ما حوله، وذكره «متصل»احترازًا من المنفصل، وكذا «قبُل» المرأة؛ وكلاهما يشترط فيه أن يكون «بظهر كفه أو بطنه» أي: لا بد أن يكون المس بالكف، سواء كان بحرْفِهِ أو بطنه أو ظهره. والخلاصة أن الإنسان إذا مس ذكره استحب له الوضوء مطلقًا، سواء بشهوة أو بغير شهوة، وإذا مسه لشهوة فالقول بالوجوب قويًّا جدًّا، لكنه ليس بظاهر، بمعنى أني لا أجزم به، والاحتياط واجب([3]). قوله: «ولمسهما من خُنْثَى مشكل» الضمير يعود على الذّكر والقُبُل، والخنثى المشكل هو: الذي لا يُعْلَم أذكر هو أو أنثى؟ يعني: له ذكر وله فَرْج، ويبول منهما جميعًا، ولم يتبين أمره لا بلحية ولا غيرها، فلا ينتقض الوضوء إلا بمسهما جميعًا. قوله: «ولمس ذكر ذكره...» الضمير في «ذكره» و«قبله» يعود على الخنثى. قوله: «لشهوة فيهما» إذا مسهما جميعًا انتقض الوضوء، فإذا مس أحدهما بدون شهوة فلا ينتقض مطلقًا، وإذا مس أحدهما بشهوة ففيه تفصيل؛ إذا كان الذكر مس الذكر انتقض وضوؤه، وإن مس الفرج لم ينتقض؛ كرجل خنثى ورجل صحيح، هذا الصحيح مس ذكر الخنثى لشهوة فينتقض وضوؤه، وإن كانت الأنثى مست قُبُلَ الخنثى لشهوة فإنه ينتقض الوضوء.
-------------------- ([1]) وكلام المصنف هو المذهب، كما في كشاف القناع (1/124)، وقول ابن عقيل ذكره في الإنصاف (1/197).
([2]) والموجود في المتن هو المذهب، كما في شرح منتهى الإرادات (71)، واختيار شيخ الإسلام ذكره في المجموع (21/391) وما بعدها.
([3]) والنقض بمس الذكر هو المذهب، كما في شرح منتهى الإرادات (1/71)، وعدم النقض مطلقًا رواية كما في الإنصاف (1/202).
__________________
-------------------- قوله: «ومسه امرأة بشهوة» هذا الناقض الخامس؛ أي: مس الرجل امرأة بشهوة، والراجح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا إلا إذا خرج منه شيء([1]). ولم يقيد المؤلف المس بكونه بالكف فيكون عامًّا، والباء في قوله: «بشهوة» للمصاحبة، أي: مصحوبًا بالشهوة. وقوله: «امرأة» يشمل الأنثى، سواء كانت صغيرة مميزة أو كبيرة حرة، أو عبدة من محارمه أو ليست من محارمه. قوله: «أو تمسه بها»أي: أو تمس المرأةُ الرجل بشهوة فينتقض وضوؤها، ولو أن امرأة مست امرأة لشهوة فلا ينتقض وضوؤها كالرجل للرجل. قوله: «ومس حلقة الدبر» فلو مس ما قرب منها كالصفحتين، وهما جانبا الدبر، أو مس العجيزة أو الفخذ أو الأنثيين، فلا يُنْتَقَض الوضوء. قوله: «لامس شعر» أي: لا ينقض مس شعر ممن ينقض مسه كمس المرأة بشهوة على المذهب «وظفر» لو مس ظفر امرأة لشهوة فلا ينتقض وضوؤه،«وأمرد» وهو من اخضرّ شاربه ولم تنبت لحيته إن مسه ولو بشهوة لا ينقض الوضوء، والصواب أن مس الأمرد كمس الأنثى سواء ([2]). قوله: «ولا مع حائل» أي: ولا مس مع حائل؛ لأن حقيقة المس الملامسة بدون حائل. قوله: «ولا ملموس بدنه ولو وجد منه شهوة» يعني: لو أن امرأة عجوزًا باردة الشهوة لا تشتهي، فمسها رجل بشهوة، فلا ينتقض وضوؤها وينتقض وضوء الرجل، والقول الصحيح أن الملموس إذا وجد منه شهوة انتقض وضوؤه على القول بأن اللامس ينتقض وضوؤه وهو القياس([3]). قوله: «غَسْلُ»أي ينقض تغسيل ميت، سواء غسل الميت كله أو بعضه، وقوله: «ميت» يشمل الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد، ولو من وراء حائل؛ فلو وضع على يده خرقة، وأخذ يغسله انتقض وضوؤه مطلقًا, هذا مراده، ولكن الراجح أن تغسيل الميت لا ينقض الوضوء([4]). قوله: «وأكل اللحم خاصة من الجزور» يشمل القليل والكثير، والنيئ والمطبوخ، والجزور الكبيرة والصغيرة ؛ ويخرج به عدم الأكل كما لو مضغه ولم يبلعه، وخرج بكلمة «خاصة» ما عدا اللحم؛ كالكرش والكبد والشحم والكُلْيَة والأمعاء.
-------------------- ([1]) والنقض هو المذهب، كما في كشاف القناع (1/128)، وما رجحه رواية كما في الإنصاف (1/211).
([2]) والمذهب أنه لا ينقض، كما في كشاف القناع (1/129)، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين في المرأة كما مر.
([3]) والمذهب لا ينتقض، كما في كشاف القناع (1/129)، وما صوبه الشيخ رواية، كما في الإنصاف (1/214).
([4]) ونقضه للوضوء هو المذهب، كما في كشاف القناع (1/130)، وما رجحه الشيخ رواية، كما في الإنصاف (1/216).
__________________