صفحة طالبة العلم (أم عبد الفتاح الجزائرية) لدارسة مقرر الدورة


تغسيل الميت, وتكفينه, والصَّلاة عليه, ودفنه*
(6-1)

يُسَنّ لمن يُدْخِل الميت أن يقول: بسم الله، وعلى مِلَّة رسول الله.
باتفاق الأئمة الأربعة، رحمهم الله.
ويدلّ على ذلك:
حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «إِذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي الْقَبْرِ فَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»(1)، وأعلَّه الدارقطني(2)، وأيضاً البيهقي(3)، بأنَّ الحديث موقوف على ابن عمر، وتفرَّد برفع الحديث: (همَّام بن يحيى)، وهو ثِقَّة، لكن من هو أوثق:كشعبة، وهشام الدستوائي، روياه موقوفًا على ابن عمر -رضي الله عنهما-، ولو كان موقوفًا، فالأظهر -والله أعلم- أن له حكم الرفع؛ لأنّ مثله لا يقال بالرأي، وعليه كما هو مذهب الأئمة الأربعة -رحمهم الله- يُسَنَّ لمن يُدخِل الميت قبره أن يقول عند ذلك: "بسم الله، وعلى مِلَّة رسول الله، أو على سُنَّة رسول الله" - أي: على شريعته، وطريقته.


يُسَنّ أن يُسجَّى قبر المرأة عند إنزالها.
فيُسَنّ أن يغطى قبر المرأة عند إدخالها القبر.
ويدلّ على ذلك:
أ- إجماع العلماء على ذلك.
قال ابن قدامة -رحمه الله-: "لا نعلم في استحباب تغطية القبر خلافًا بين أهل العلم"(4).
ب- لأنَّ ذلك أسترُ لها؛ ولأن المرأة عورة، فقد يبدو شيئًا أثناء إنزالها القبر.
وأمَّا الرجل فلا يُسَنّ أن يغطى قبره عند إنزاله.


يوضع الميت على شِقّه الأيمن، مستقبل القِبلَة.
من الأفضل وضعه على شِقّه الأيمن مستقبل القِبلَة، ولا دليل صحيح مخصِّص لذلك، لكنه (أمر)؛ كما ذكر ذلك ابن حزم -رحمه الله-، جرى عليه عمل المسلمين من عهد النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى يومنا هذا، ولازال العمل عليه مستمرًا إلى عصرنا هذا (5).



-------
(1) رواه أحمد برقم (4812)، رواه أبو داود برقم (3213)، رواه النَّسائي في عمل اليوم والليلة (ص586)، وابن حبان (367/7)، وصححه الألباني في الإرواء، ولفظ أبي داود، وابن حبان: "وعلى سنة رسول الله".
(2) انظر: العلل (409/12).
(3) انظر: السنن الكبرى (55/4).
(4) انظر: المغني (431/3).
(5) انظر: المحلَّى (173/5).




#960387
*من كتاب: ( فقه الانتقال من دار الفرار إلى القرار)
للشيخ د. عبد الله بن حمود الفريح

#960387

سؤال الدرس:
إن كان لديك سؤال أو استشكال فيما سبق دراسته،
فأرجو أن تضعيه لنرسله للشيخ
 
سؤال في الدورة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:أولابارك الله في الشيخ وفي والديه ومشايخه ونفعنا بعلمه وتقبل منه و في هذا الصرح وكل القائمين عليه حيث من خلاله نتعلم مالم نكن نعلم ويارب يعلمنا ما ينفعنا ويجعلنا من العاملين بما علمنا انه ولي ذلك والقادر عليه.من فضلكم شيخي الكريم هل اذا وجدت للميتة اظافر طويلة على غير العادة وان عليها شعر تحت الابط وغيره فهل اقوم بازالته وهل يكون ذلك قبل البدأ في الغسل ام بعد الانتهاءمنه وهل ما يسقط من الشعر او ينتزع من الجلد او الظفر يجب ان اضعه مع الميتة ام يجوز لي التخلص منه خارجا وشكرا لكم سعيكم
 
استفسار

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بارك الله في علم الشيخ وزاده من فضله ونفعنا به وبوركت اخيتي المشرفة على سعيك في ايصال المفيد لنا وما علينا تعلمه بالضرورة حقيقة ممنونة لكم بعد الله كثيرا من فضلك اخيتي هل لي بسؤال اخر يشغلني ام هذا غير وارد في المقرر ومعذرة لاني اقوم بهذا الامر واحب ان اكون ملم بكل تفاصيله ولقد استفدت ايما فائدة من هذه الدورة فلله الحمد والمنة المهم اذا كان الرد بالقبول فسؤالي هل تغسيل المحروقة يكون على نفس طريقة الميت العادي وكذلك المدهوس بالشاحنة فكل ما فيه ينزف حتى بعد الموت فهل نضمد جرحه ونفيض الماء ام كيف وهل نكتفي بالغسل دون غسلة التطهير لهشاشة اجساد هؤلاء المصابين وشكرا ومعذرة وان لم نوفق في الرد من عند الشيخ نرجو ان توجهونا الى من يرد علي لانه قد عرضت حالات كهذه واريد ان اصيب السنة في التغسيل
 
تغسيل الميت, وتكفينه, والصَّلاة عليه, ودفنه*
(7-1)

من الذي يتولَّى دفن الميت؟

إن كان له وصي فإنه هو الأولى بذلك,كأن يوصي الميت بأن يدفنه فلان فيُقدَّم الوصي, ثم الأقارب إن كانوا يُحسِنون الدفن, فإن لم يكونوا كذلك أو لا يريدون النزول للقبر, فيدفنه أي واحد من الناس, وإذا كان الميت امرأة فلا يُشترط أن يدخلها القبر أحد محارمها, بل يجوز أن ينزلها أي شخص, ولو كان أجنبيًا.
ويدل على ذلك: حديث أنس -رضي الله عنه- قال: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ, فَقَالَ: «هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفْ اللَّيْلَةَ؟», فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ:أَنَـا. قَالَ: «فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا» فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا(1).

وقلنا بتقديم الأقارب في الدفن على غيرهم إن لم يكن هناك وصيٌّ؛ لأن الذين تولوا دفن النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أقاربه العباس, وعلي, والفضل, وصالح مولى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-, -رضي الله عنهم-؛ ولأنَّ الأقارب أولى به, وأستر لأحواله.

ثمَّ ينصب على الميِّت اللَّبن؛ وهو: المضروب من طين, فإذا وُضع الميت نُصب عليه اللَّبن, ويُسد بالطين حتى لا يقع عليه التراب؛ لحديث سعد -رضي الله عنه- الذي تقدّم: "الْحَدُوا لِي لَحْدًا, وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا, كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-"(2).

* فـائدة: جاء في استحباب المشاركة في دفن الميت بأن يحثوا المسلم على القبر حثيات, آثار كثيرة عن الصحابة -رضي الله عنهم– والتابعين -رحمهم الله- فيُسَن أن يشارك المسلم في ذلك من غير مزاحمة ومضايقة, فالأظهر سنية الحثو مطلقًا، وأمَّا تقييده بثلاث ففيه خلاف في صحته, ولا يصحُّ أي ذكر أثناء حثو التراب, وكل ما ورد فهو ضعيف.


يُسَنّ أن يرفع القبر قدر شِبْر مسنَّمًا.
والشِّبْر: هو ما بين طرفي الأصبعين: الخنصر, والإبهام, عند التفريج المعتاد(3).
ومسنَّمًا: أن يُجْعَل كالسنام, بحيث يكون وسطه بارزًا على أطرافه، وضد المسنَّم: المسطَّح, وهو المبسوط في أعلاه كالسطح.

وفي هذه المسألة ثلاث سُنَن:
1- سنية رفع القبر كيلا يساوي الأرض, حتى يعرف أنه قبر, فيُترَّحم على صاحبه, ولا يهان, وسيأتي دليل رفع القبر، منها: رفع قبر النَّبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- مسنَّمًا، ولمجيء آثار كثيرة عن الصحابة -رضي الله عنهم- تبيِّن أنَّ العمل عندهم رفع القبر.
2- سنيَّة أن يكون هذا الرفع مقدار شبر تقريبًا.
ويستدل لذلك؛ بالنَّهي عن أن يكون القبر مرتفعًا ارتفاعًا ظاهرًا, بحديث علي -رضي الله عنه- أنه قال لأبي الهياج الأسدي: "أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ -وفي رواية: وَلَا صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا- وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ"(4).
3- سنية أن يكون القبر مُسَنَّماً .
ويدلّ على ذلك: ما رواه سفيان التمَّار: "أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسَنَّمًا"(5).


-------
(1) رواه البخاري برقم (1342), "لم يقارف": أي: لم يجامع.
(2) رواه مسلم برقم (966).
(3) انظر: القاموس المحيط (2/631).
(4) رواه مسلم برقم (969).
(5) رواه البخاري برقم (1390).




#960387
*باختصار يسير من كتاب: ( فقه الانتقال من دار الفرار إلى القرار)
للشيخ د. عبد الله بن حمود الفريح

#960387

سؤال الدرس:
مما استفدتيه من الدرس:
يُسن رفع القبر قدر ........، .........
 
تغسيل الميت, وتكفينه, والصَّلاة عليه, ودفنه*
(8-1)


السُّنة عند الفراغ من دفن الميت: أن يستغفر المشيِّعون للميت عند القبر, ويدعوا له بالتثبيت.
فيأمر أحدهم الحاضرين بذلك؛ لحديث عثمان -رضي الله عنهم- قال: "كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ, وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ, وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ, فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ»(1).


ماذا يحدث للميت إذا انصرف عنه دافنوه؟
إذا دُفِن الميِّت, وانصرف عنه أصحابه, سمع قرع نعالهم وهم منصرفون, وهنا مفارقة عظيمة من حالين: بين حال من سيخرج من المقبرة؛ ليكمل مسيرته في حياته الدنيا بعد دفن ميته, فيخالط أهله, والناس كما هو معتاد, وبين ذلك الذي في حفرة القبر, وهو يسمع قرع نعال أولئك الأحياء الذين انصرفوا, وحاله مقبل على حياة أخروية برزخية, فلا أهل يخالطهم, ولا مال, ولا صاحب, ولا أنيس, ولا جليس, وحيدًا فريدا، نسأل الله -تعالى- السلامة من فتنة تلك الحفرة.
ويدلّ على ذلك: حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِـعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ, يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولاَنِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَـذَا الرَّجُلِ؟...»(2).


* فـائدة: (البرزخ) في كلام العرب هو: الحاجز بين الشيئين, قال تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً}[الفرقان: 53], أي: حاجزًا, و(البرزخ) في الشريعة هو: الدار التي بعد الموت, وقبل البعث, قال تعالى: {وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}[المؤمنون: 100 ], قال مجاهد -رحمه الله-: "هو ما بين الموت والبعث".
وقيل للشعبي -رحمه الله-: مات فلان, قال: "ليس هو في دار الدنيا, ولا في الآخرة"(3).



-------
(1) رواه أبو داود برقم (3221), وجوَّد إسناده النووي (في المجموع 292/54).
(2) رواه البخاري برقم (1338), رواه مسلم برقم (2870).
(3) انظر: التذكرة للقرطبي (ص 177).



#960387
*باختصار يسير من كتاب: ( فقه الانتقال من دار الفرار إلى القرار)
للشيخ د. عبد الله بن حمود الفريح

#960387

سؤال الدرس:
ما هو البرزخ؟
 
الجواب على الواجب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :البرزخ هي الدار التي يسكنها العبد بعد الموت قبل الانتقال الى الدار الاخرة واذا كان شرح كلمة البرزخ عند العرب تعني الحاجز بين الشيئين فهي الحاجز بين الدارين الدنيا والاخرة وان صح التعبير فهي نهاية الاولى وبداية الاخرة والله اعلم
 
فصل في: القبر*
(1-1)

للقبر ضغطة.
إذا وضع العبد في القبر ضغطه القبر ضغطة، وهي ضغطة لازمة لابد منها لكل إنسان، لا ينجو منها أحدٌ صغيرًا كان أو كبيرًا، صالحًا كان أو طالحًا، فقد دلَّت الأحاديث أنه لو نجا منها أحد لنجا منها الصحابي الجليل سعد بن معاذ -رضي الله عنه- الذي اهتز لموته عرش الرحمن -سبحانه-، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة.
فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن رسول اللَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنه قال عن سعد بن معاذ -رضي الله عنه-: «هذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبُوَابُ السَّمَاءِ، وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؛ لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ»(1)، وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-: "وسنده صحيح على شرط مسلم"(2).
وفي مسند الإمام أحمد -رحمه الله- من حديث عائشة -رضي الله عنها- عن النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «إنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً لَوْ كانَ أَحَدٌ ناجيًا منها، نَجَا سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ»(3). قال الألباني -رحمه الله-: "إسناده صحيح"(4).


وللقبر ظُلْمَة.
فعن أَبِي هريرة -رضي الله عنه- أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ -أَوْ شَابًّا-، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فَسَأَلَ عَنْهَا -أَوْ عَنْهُ- فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: «أَفَلاَ كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي!»، قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا -أَوْ أَمْرَهُ-. فَقَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِها» فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلاَتِي عَلَيْهِمْ»(5).



-------
(1) رواه النسائي برقم (2057).
(2) انظر: في مشكاة المصابيح (49/1).
(3) رواه أحمد برقم (24663).
(4) انظر: صحيح الجامع (236/2).
(5) رواه مسلم برقم (956).









#960387
*من كتاب: ( فقه الانتقال من دار الفرار إلى القرار)
للشيخ د. عبد الله بن حمود الفريح

#960387


سؤال الدرس:
هل هذه العبارة صحيحة أم فيها خطأ؟
لا ينجو من ضغطة القبر أحد.
 
فصل في: القبر*
(1-2)


فتنة القبر ثابتة بالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع.​


فمِن الكتاب: قول الله -تعالى-: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم:27].
ومن السُّنة:
أ- حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ: يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم:27]»(1)، وهذه الآية الكريمة، والحديث الشريف يدلان على أنه ليس كل إنسان يثبت عند ذلك السؤال، وإنما المؤمن فقط، نسأل الله -تعالى- الثبات، والسداد.



ب- وحديث أسماء بنت أبي بكر-رضي الله عنهما- في حديث صلاة الكسوف، وفيه: قال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ...»(2).




ج- وحديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النَّبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ، وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ...»(3)، والأحاديث في هذا كثيرة، وأجمع السلف -رحمهم الله- على إثبات فتنة القـبر.





ما هي فتنة القبر؟ وكيف تكون؟
فتنة القبر؛ هي: سؤال الملكين، يسألان العبد ثلاثة أسئلة: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟.
ويدلّ على ذلك: حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه- وتقدَّم بعضه، وفيه قال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن العبد المؤمن: « ... فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُك؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَافْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا، وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، قَالَ: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي...».
وقال عن العبد الكافر: « ... وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ، هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ، هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ، هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ فَافْرِشُوهُ لَهُ مِنْ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا، وَسَمُومِهَا وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ، هَذَا يَوْمُك الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمْ السَّاعَةََ». والحديث تقدَّم تخريجه، وسيأتي عند مسألة: إثبات نعيم القبر، وعذابه أدلّة أخرى.




ما اسم الملَكَين الَّذَيْن يسألان الميت؟
روى الترمذي في سننه حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ -أَوْ قَالَ: أَحَدُكُمْ- أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ، يُقَالُ: لِأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَالْآخَرُ النَّكِيرُ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ، فَيَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ، فَيَقُولَانِ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثْلَهُ، لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ، فَيُقَالُ لِلْأَرْضِ: الْتَئِمِي عَلَيْهِ، فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ فَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَضْلَاعُهُ، فَلَا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ»(4).





*فائدة: من أهل العلم من أنكر تسميتهما بـ (منكَر، ونكير)؛ لأنهما اسمان لا يليقان بالملائكة، الذين وصفهم الله -تعالى- بأوصاف الثناء، فضعَّفوا الحديث السابق، ورُدَّ هذا القول بـ : أنَّ تسميتهما بذلك ليس لأنهما منكران من حيث ذواتهما، وإنما من حيث أن الميت لا يعرفهما فينكِرْهما، كما قال إبراهيم -عليه السلام- لأضيافه الملائكة: {قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} [الذاريات: 25]؛ لأنه لا يعرفهم.
وكلمة (مُنْكَر) بفتح الكاف على الصحيح؛ ولذا يقول السيوطي -رحمه الله-:
وضبط منكَر بفتح الكاف ** فلست أدري فيه من خلافِ
وبعد الفتنة يكون المصير والحال في القبر، إمَّا إلى نعيم، نسأل الله من فضله، وإمَّا إلى عذاب، نسأل الله -سبحانه- السلامة والعافية.



-------
(1) رواه البخاري برقم (4699).
(2) رواه البخاري برقم (922)، رواه مسلم برقم (584).
(3) رواه البخاري برقم (6368)، رواه مسلم برقم (2723).
(4) صححه ابن حِبَّان (386/7)، وحسَّنه الألباني.




#960387
*باختصار يسير من كتاب: ( فقه الانتقال من دار الفرار إلى القرار)
للشيخ د. عبد الله بن حمود الفريح

#960387


سؤال الدرس:
ما هي فتنة القبر؟
 
الجواب على الواجب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:فتنة القبر هي سؤال الملكين منكر ونكير عن ربنا الله ونبينا محمد صلى الله عيه وسلم وديننا الاسلام .اللهم ثبتنا عند السؤال واجعل قبورنا وقبور والدينا روضة من رياض الجنان
 
فصل في: القبر*
(1-3)


عذاب القبر, ونعيمه ثابت بالكتاب, والسُّنَّة, والإجماع.

فمِنْ الكتاب: قوله تعالى: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ{45}النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: ٤٥ – ٤٦ ]، قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "هذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السُّنة على عذاب البرزخ في القبور".
ومن السُّنة أحاديث كثيرة منها حديث البراء -رضي الله عنه- -وقد تقدَّم- ومنهـا:
أ- حديث أنس -رضي الله عنه- أنَّ النَّبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ, وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ», قَالَ:«يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولاَنِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ», قَالَ: «فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ», قَالَ: «فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ». قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا»...، وأما الكافر أو المنافق فيقول: «لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ, فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ, ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ, فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّا الثَّقَلَيـْنِ»(1).

ب- وحديث عائشة -رضي الله عنها- في الصحيحين أنَّ النَّبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال لها: «عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ»(2).

جـ - وأجمع السلف -رحمهم الله- على إثبات عذاب القبر.




عذاب القبر يسمعه كل شيء إلا الجنّ, والإنس.
ويدلّ على ذلك: ما تقدم من حديث أنس -رضي الله عنه- المتفق عليه, وفيه قال النَّبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ, فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّا الثَّقَلَيـْنِ»(3)

فإن قيل: لماذا أخفى الله -عزَّ وجل- عذاب القبر؟
فالجواب -رعاك الله-: أنَّ الله -تعالى- أخفى عذاب القبر؛ لعدة حِكَم منها:
1- رحمته جلَّ وعلا بعباده، إذ لو كشف العذاب لهم؛ لتنكد عيشهم, وتواصلت أحزانهم.
2- أنَّ في كشف العذاب فضيحة للميت.
3- أنَّ في كشف العذاب عدم تَدَاُفن الناس بعضهم لبعض، فلو كُشِفَ العذاب لَمَا دفن أحدٌ ميتًا؛ خوفًا من سوء العاقبة، كما قال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «فَلَوْلاَ أَنْ لاَ تَدَافَنُوا؛ لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»(4).




-------
(1) رواه البخاري برقم (1338), رواه مسلم برقم (2870).
(2) رواه البخاري برقم (1372), رواه مسلم برقم (584)، رواه النسائي برقم (1309).
(3) رواه البخاري برقم (1338), رواه مسلم برقم (2870).
(4) رواه مسلم برقم (2867) من حديث أنس -رضي الله عنه-.


#960387
*باختصار من كتاب: ( فقه الانتقال من دار الفرار إلى القرار)
للشيخ د. عبد الله بن حمود الفريح

#960387

طالبة العلم :
ما معنى: ( لا دريت ولا تليت ) التي قرأتيها في الحديث؟
 
عودة
أعلى