العودة   ملتقى طالبات العلم > . ~ . أقسام العلوم الشرعية . ~ . > روضة العلوم الشرعية العامة > روضة القرآن وعلومه

الملاحظات


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-04-23, 03:14 AM   #1
أم أبي تراب
نفع الله بك الأمة
Pencel تفسير سورة البقرة

تفسير سورة البقرة
فهرس تفسير سورة البقرة بمدونة منبر الدعوة

هنا





توقيع أم أبي تراب
أم أبي تراب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-04-23, 03:15 AM   #2
أم أبي تراب
نفع الله بك الأمة
Mmm

تفسير سورة البقرة

فضل سورة البقرة
لسورة البقرة فضائل كثيرة :
فيها أعظم آية في القرآن:
سورة البقرة فيها أعظم آية في القرآن وهي آية الكرسي قال تعالى:
"
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ "البقرة: 255.
وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" يا أبا المُنْذِرِ، أتَدْرِي أيُّ آيَةٍ مِن كِتابِ اللهِ معكَ أعْظَمُ؟ قالَ: قُلتُ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ. قالَ: يا أبا المُنْذِرِ أتَدْرِي أيُّ آيَةٍ مِن كِتابِ اللهِ معكَ أعْظَمُ؟ قالَ: قُلتُ"اللَّهُ لا إلَهَ إلَّا هو الحَيُّ القَيُّومُ"البقرة:255. قالَ: فَضَرَبَ في صَدْرِي، وقالَ: واللَّهِ لِيَهْنِكَ العِلْمُ أبا المُنْذِرِ."الراوي: أبي بن كعب - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم.
لِيَهْنِكَ العِلمُ أبا المُنذرِ، أيْ:لِيَكُنِ العلمُ هنيئًا لك تَهنَّأ به، والقَصدُ الدُّعاءُ لَه بتَيسيرِ العِلمِ والرُّسوخِ فيهِ.
في الحَديثِ: مَنقُبَةٌ عَظيمَةٌ لأُبيِّ بنِ كَعبٍ رَضي اللهُ عنه.
وفيه: مَشروعيَّةُ مَدحِ الإنسانِ في وَجهِهِ إذا كان فيه مصلحةٌ، ولم يُخَفْ عليه إعجابٌ ونحوُه.
وَفيهِ أيضًا: تَبجيلُ العالِمِ فُضلاءَ أصحابِهِ.الدرر.

"
مَنْ قرأَ آيةً الكُرسِيِّ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ ، لمْ يمنعْهُ من دُخُولِ الجنةَ إلَّا أنْ يمُوتَ"الراوي : أبو أمامة الباهلي - المحدث : الألباني - المصدر :صحيح الجامع.

وهي حافظة وكافية من الشياطينحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال "وَكَّلَنِي رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بحِفْظِ زَكاةِ رَمَضانَ، فأتانِي آتٍ، فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعامِ فأخَذْتُهُ، فَقُلتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقَصَّ الحَدِيثَ، فقالَ: إذا أوَيْتَ إلى فِراشِكَ فاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، لَنْ يَزالَ معكَ مِنَ اللَّهِ حافِظٌ، ولا يَقْرَبُكَ شيطانٌ حتَّى تُصْبِحَ، وقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: صَدَقَكَ وهو كَذُوبٌ، ذاكَ شيطانٌ.الراوي : أبو هريرة - المحدث : البخاري- المصدر : صحيح البخاري.
وحديث ‏ ‏أبي مسعود ‏- ‏رضي الله عنه- ‏ ‏قال:‏ ‏قال النبي‏ ‏صلى الله عليه وسلم"مَن قَرَأَ بالآيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتاهُ."الراوي : أبو مسعود عقبة بن عمرو - صحيح البخاري."كَفَتاه"، أي: حَفِظَتاه مِنَ الشَّرِّ ووقَتَاه مِنَ المكروهِ ."إنَّ اللَّهَ كتبَ كتابًا قبلَ أن يخلُقَ السَّماواتِ والأرضَ بألفي عامٍ أنزلَ منهُ آيتينِ ختمَ بِهما سورةَ البقرةِ ولا يقرآنِ في دارٍ ثلاثَ ليالٍ فيقربُها شيطانٌ"الراوي : النعمان بن بشير - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي .حديث ‏‏أبي هريرة ‏ رضي الله عنه"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ" لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ".صحيح مسلم." لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ"فليسَ فيها أحياءٌ يَذكُرُونَ اللهَ ويَقرَؤُون القُرآنَ، بلْ هي خاويةٌ ساكِنةٌ
تشفع للعبد يوم لا ينفع مال ولابنون:
حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ"اقْرَؤُوا القُرْآنَ فإنَّه يَأْتي يَومَ القِيامَةِ شَفِيعًا لأَصْحابِهِ، اقْرَؤُوا الزَّهْراوَيْنِ البَقَرَةَ، وسُورَةَ آلِ عِمْرانَ، فإنَّهُما تَأْتِيانِ يَومَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ، أوْ كَأنَّهُما غَيايَتانِ، أوْ كَأنَّهُما فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوافَّ، تُحاجَّانِ عن أصْحابِهِما، اقْرَؤُوا سُورَةَ البَقَرَةِ، فإنَّ أخْذَها بَرَكَةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا تَسْتَطِيعُها البَطَلَةُ. قالَ مُعاوِيَةُ: بَلَغَنِي أنَّ البَطَلَةَ: السَّحَرَةُ"صحيح مسلم.
الشرح:
قِراءَةُ القُرآنِ فيها الخَيرُ والبَرَكةُ لمَنْ يَقرَأ؛ فهو حبْلُ اللهِ المَوصولُ، وفيه النَّجاةُ يومَ القيامةِ، والحَصانةُ من كَيْدِ السَّحرةِ في الدُّنيا، وخاصَّةً سُورَةَ البقَرةِ وآلِ عِمرانَ.
وفي هذا الحَديثِ يَقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "اقرؤوا القرآنَ"، أي: اغتنِموا قِراءتَه، وداوموا عليها؛ "فإنَّه يأتي يومَ القيامةِ"، أي: يتمثَّل يومَ القيامةِ بصورةٍ يراها النَّاسُ، كما يجعل اللهُ لأعمالِ العِبادِ صورةً ووزنًا؛ لِتُوضَعَ في المِيزَانِ، "شافعًا لأصحابِهِ"، أي: يَشْفَعُ لِقَارِئِيهِ، الَّذين يَقرؤونه مُتَدَبِّرِينَ له، عامِلين بما فيه، وكرَّرَ "اقرؤوا"؛ حثًّا على قراءةِ سُوَرٍ مُعَيَّنَةٍ، وتأكيدًا لِخُصُوصِيَّتِهَا في الشَّفاعةِ،"الزَّهْرَاوَيْنِ"، أي:المُنِيرَتَيْنِ،....، "البقرةَ، وآلَ عِمرانَ"، أي:خُصوصًا البقرةَ، وآلَ عِمرانَ؛ "فإنَّهما تَأْتِيَانِ"، أي: تَحْضُرانِ، أو تتصوَّرانِ بثَوابِهما الَّذي اسْتَحَقَّهُ التَّالي والقارئُ العاملُ بهما، والإتيانُ هنا مَحمولٌ على الحَقيقةِ ولكن كيفَ يشاءُ اللهُ تعالى"، "كأنَّهما "غَمامتانِ"، أي: سَحابتانِ، تُظِلَّانِ صاحبَهما عن حَرِّ الموقِفِ، وإنَّما سُمِّيَ غَمامًا لأنَّه يَغُمُّ السَّماءَ، أي: يَستُرُها، "أو غَيايتان"، الغَيايةُ: كُلُّ ما أَظَلَّ الإنسانَ فَوْقَ رأسِهِ، من سحابةٍ، وغيرِها، "أو كأنَّهما فِرْقانِ"، أي: طائفتان، وجماعتان، "مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ" وهي جماعةُ الطَّيرِ الباسِطةُ أجنحَتَهَا، والمرادُ أنَّهما يَقيانِ قارِئَهما من حَرِّ الموقِفِ، وكَرْبِ يومِ القيامةِ، "تُحاجَّانِ عن أصحابِهِمَا"، أي: تُدافِعانِ الجحيمَ والزَّبانيَةَ، أو تُخاصمانِ الرَّبَّ، أو تُجادلان عنهم بالشَّفاعةِ، أو عِنْدَ السُّؤالِ، إذا لم يَنْطِقِ اللِّسانُ، وأَطْبَقَتِ الشَّفَتَانِ، وضاعتِ الحُجَجُ.
وقولُهُ "اقْرَؤُوا سورةَ البقرةِ"، تخصيصٌ بَعْدَ تخصيصٍ؛ فإنَّه عمَّم أولًا بالقُرآنِ كلِّه، ثم خصَّصَ الزَّهراوين، ثم خصَّ البقرةَ؛ دَلالةً على عِظَمِ شأنِها، وكبيرِ فضلِها؛"فإنَّ أَخْذَها"، أي: المواظَبَةَ على تِلاوتِها، والتَّدبُّرَ في معانيها، والعَمَلَ بما فيها، "بَرَكَةٌ"، أي:زِيادةٌ، ونَماءٌ، وَمَنْفَعَةٌ عظيمةٌ لِقارئِهَا، "وَتَرْكَهَا حَسْرةٌ"، أي: تلهُّفٌ وتأسُّفٌ على ما فاتَ مِنَ الثَّوابِ، "ولا يَسْتَطِيعُهَا"، أي: لا يَقْدِرُ على تَحْصِيلِهَا، وَعَدَمُ الاستِطاعةِ عِبارةٌ عَنِ الخِذْلانِ، وعدمِ التَّوفيقِ لِتِلاوتِها،"البَطَلَةُ"، أي: أنَّهم لا يستطيعون دَفْعَها، واختراقَ تَحْصِينِهَا لِمَنْ قَرَأَهَا، أو حَفِظَهَا؛ فهي حِصْنٌ لقارئها وحافِظِهَا مِنَ السِّحْرِ.
وفي الحَديثِ:الحثُّ على قِراءَةِ القُرآنِ، وفَضيلةُ سُورَةِ البقَرةِ وآلِ عِمرانَ، وعظم سورة البقرة خُصوصًا.الدرر السنية.
"لكلِّ شيءٍ سِنَامٌ ، إنَّ سِنَامَ القرآنِ سورةُ البقرةِ . . ."الراوي : أبو هريرة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترغيب- الصفحة أو الرقم: 1461 -خلاصة حكم المحدث : حسن لغيره.




تفسير سورة البقرة


الم (1)
"الم" هذه الحروف المقطعة:قال الشعبي وجماعة :الم وسائر حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه وهي سر القرآن . تفسير البغوي. فلم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان لمعانيها وبناء على ذلك اختلفت أقوال العلماء في بيان معانيها،القول الراجح:أنه لا يمكن القطع بمعانيها لعدم ورود نص يبين معنى هذه الحروف المقطعة لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية، وإنها من قبيل المتشابه قال تعالى"هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا"آل عمران :7. فهي سر الله في القرآن وهي من المتشابه، الذي انفرد الله بعلمه ولا يجوز أن يُتَكلم فيه، ولكن نؤمن بها ونقرأها كما جاءت. ثم إن العلم بمعانيها لا يفيدنا بشيء ولا يتوقف على العلم بها إقامة العبادة لله وإنها اختبار وامتحان للخلف، فالأولى السكوت عن معانيها كما هو صنيع السلف الصالح .طريق الإسلام.
"ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ "
"ذلك الكتاب" أَي: هذا الكتاب يعنى: القرآن.
"
لَا رَيْبَ فِيهِ"والمعنى - إن هذا الكتاب لا يعتريه ريب في كونه من عند الله، ولا في هدايته وإرشاده، ولا في أسلوبه وبلاغته، فلا يستطيع أحد أن يأتي بكلام يقرب منه بلاغة وفصاحة - وإلى هذا أشار بقوله"وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ"وارتياب كثير من الناس فيه، إنما نشأ عن جهل بحقيقته، أو عن عمى بصيرتهم، أو عن التعنت عنادا واستكبارا واتباعا للهوى أو تقليدًا لسواهم. "هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ"وَهُوَ هُدًى وَنُورٌ يَهتَدِي بِهِ المُتَّقُونَ، الذِينَ يَجتَهِدُونَ في العَمَلِ بِطَاعَةِ اللهِ، وَيَتَّقُونَ الشِّرْكَ وَأَسْبَابَ العِقَابِ.فالمتقى هو الذي يقي نفسه مما يضرها، وهو الذي يتقي عذاب الله بطاعته، وجماع التقوى أن يمتثل العبد الأوامر، ويجتنب النواهي.
وفى تخصيصه كتابه بالهدى للمتقين دلالةٌ على أنَّه ليس بهدىً لغيرهم وقد قال " وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى"فصلت: 44.
"الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"هذه الأوصاف تتضمن ثلاثة أعمال، الأول: عمل قلبي وهو الإيمان- بالغيب-، والثاني: عمل بدني، وهو الصلاة والمراد بإقامتها إتقان شروطها وأركانها وخشوعها، والثالث: عمل مالي، وهو الإنفاق في سبيل الله،واجبًا أو مندوبًا.يؤتون ما ألزمهم الشرع من زكاة امتثالًا واحتسابًا ،وما ندبهم إليه من غير ذلك احتسابًا. وهذه الأعمال هي أساس التقوى التي تدور عليها.
"الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ "الغيب ما غاب عن الحواس، وكل شيء مستور فهو غيب، كالجنة، والنار، والحشر والنشروَهؤلاءِ المُتَّقُونَ هُمُ الذينَ يُصَدِّقُونَ بِحَزمٍ وَإيمانٍ وإِذعَانٍ بما لا يَقَعُ تَحْتَ حَواسِّهِمْ"الغَيْبِ" فَيُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَبِمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَجَنَّتِهِ وَلِقَائِهِ، وَبِالحَيَاةِ بَعْدَ المَوْتِ. لو أشرق نور اليقين في قلب المؤمن لرأى الآخرة أقرب من أن يرحل إليها، ولرأى بهجة الدنيا وكسوة الفناء ظاهرة عليها.من لم يُرد الحقَّ حُرِمه، تأمَّل"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ"البقرة: 6... فبعدما كفَروه حُرموا هدايته.
"ما مِن يَومٍ يُصْبِحُ العِبادُ فِيهِ، إلَّا مَلَكانِ يَنْزِلانِ، فيَقولُ أحَدُهُما:اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا."الراوي : أبو هريرة -صحيح البخاري.كلُّ امرِئٍ في ظلِّ صَدقتِهِ، حتَّى يُفصَلَ بينَ النَّاسِ أو قالَ يُحكَمَ بينَ النَّاسِ ."الراوي : عقبة بن عامر -المحدث : الوادعي - المصدر : الصحيح المسند-الصفحة أو الرقم: 943- خلاصة حكم المحدث : صحيح.
"كلُّ امرئٍ في ظِلِّ صَدَقَتِه حتى يُقْضَى بين الناسِ . قال يزيد . فكَانَ أبُو مرثدٍ لا يُخْطِئُهُ يَوْمٌ إلَّا تَصَدَّقَ فيهِ بِشيءٍ ، و لَوْ كَعْكَةً أوْ بَصَلَةً"الراوي : عقبة بن عامر - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترغيب-الصفحة أو الرقم: 872- خلاصة حكم المحدث : صحيح.
"إنَّ الصَّدقةَ لتُطفيءُ عَن أهلِها حرَّ القبورِ ، وإنَّما يَستَظلُّ المؤمِنُ يومَ القيامةِ في ظلِّ صدقتِهِ"الراوي : عقبة بن عامر - المحدث : الألباني - المصدر: صحيح الترغيب-الصفحة أو الرقم: 873 - خلاصة حكم المحدث : حسن.أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: قالَ اللَّهُ: أنْفِقْ يا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ"الراوي : أبو هريرة - المصدر : صحيح البخاري .

"مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن يَسَّرَ علَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عليه في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ، ...."الراوي : أبو هريرة- صحيح مسلم.
والصدقة لا تنقص المال، بل تزيده وتبارك فيه؛ فعن أبي هريرة –صلى الله عليه وسلم- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال"مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَال"رواه مسلم.
عن أبي هُرَيْرةَ ، أنَّهُ قالَ : يا رسولَ اللَّهِ ، أيُّ الصَّدَقةِ أفضلُ ؟ قالَ" جُهْدُ المقلِّ ، وابدأ بِمن تعولُ"الراوي : أبو هريرة - المحدث : الألباني -المصدر : صحيح أبي داود."جُهْدُ المُقِلِّ"، والجُهدُ الوُسْعُ والطَّاقةُ، أو المشقَّةُ والغايةُ، والمُقِلُّ: الفقيرُ الَّذي معَه شيءٌ قليلٌ مِن المالِ، أي: إنَّ أفضَلَ الصَّدقةِ هو الَّذي يتَصدَّقُ به الفقيرُ قليلُ المالِ على قدْرِ طاقتِه ووُسْعِه مع مَشقَّةِ ذلك عليه، وإنَّما كانت صدَقةُ المقِلِّ أفضلَ مِن صدَقةِ الغنيِّ؛ لأنَّ الفقيرَ يتصدَّقُ بما هو مُحتاجٌ إليه، بخِلافِ الغنيِّ؛ فإنَّه يتَصدَّق بفُضولِ مالِه."وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ" "وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ"يعني القرآن، "وَمَآ أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ" يعني به التوراة والإنجيل، وما تقدم من كتب الأنبياء، بخلاف ما فعلته اليهود والنصارى، في إيمانهم ببعضها دون جميعها."وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ" الدار الآخرة هي دار الجزاء على الأعمال - والإيمان بها يتضمن الإيمان بكل ما ورد فيها بالنصوص المتواترة كالحساب والميزان والصراط، والجنة والنار. واليقين: هو التصديق الجازم الذي لا شبهة فيه ولا تردد، ويعرف اليقين بالله واليوم الآخر بآثاره في الأعمال، فمن يشهد الزور أو يشرب الخمر أو يأكل حقوق الناس يكن إيمانه بهما خيالا يلوح في الذهن لا إيمانا يقوم على اليقين، إذ لم تظهر آثاره في الجوارح واللسان، وهو لا يكون إيمانا حقا إلا إذا كان مالكا لزمام النفس مصرفا لها في أعمالها. "أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ""وَأُولَئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ""والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، حصر الفلاح فيهم؛ لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم, وما عدا تلك السبيل, فهي سبل الشقاء والهلاك والخسار التي تفضي بسالكها إلى الهلاك.
أم أبي تراب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-04-23, 03:16 AM   #3
أم أبي تراب
نفع الله بك الأمة
Hr

تفسير سورة البقرة

من آية 6 إلى آية 16
"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ""6.بعد أن بيَّنَ سبحانه حال المتقين الذين يؤمنون بالغيب، وبما أُنزِلَ إلى الرسولِ صلى الله عليه وسلم، وما أُنْزِلَ إلى مَنْ قَبْلَه، وبيَّن ما آل إليه أمرهم من الهداية والفلاح، أعقب هذا بشرح طائفة ثانيةوهم الكفرة الفجرة، وأبان أنه قد بلغ من أمرِهم في الغواية والضلال ألا يجدي فيهم الإنذار والتبشير، وألا تؤثّر فيهم العِظة والتذكير، فهم عن الصراط السوي ناكبون - أي مائلون-، وعن الحق معرضون، فالإنذار وعدمه سيان، فماذا ينفع النور مهما سطع، والضوء مهما ارتفع، مع من أغمض عينيه حتى لا يراه؛ بغضًا له، وعداوة لمن دعا إليه، لأن الجهل أفسد وجدانه، فأصبح لا يميز بين نور وظلمة، ولا بين نافع وضارّ.
خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ".7.هؤلاء قد تمكن الكفر منهم حتى كأن قلوبَهم مختومٌ عليها بحجاب لا يدخلها غير ما فيها، وكأن أسماعَهم مختومٌ عليها كذلك، فلا تسمع وعده الحق، وكأن أبصارَهم قد غشيها غطاء فهى لا تدرك آيات الله الدالة على الإيمان،ومن ثم لا يرجى تغيير حالهم ولا أن يدخل الإيمان في قلوبهم. ولذلك استحقوا أن ينالهم العذاب الشديد العظيم،وهو عذاب النار، وسخط الجبار المستمر الدائم..

ذكر سبحانه أوّلًا من أخلص دينه لله ووافق سرّه علنه وفعله قوله،ثم ثنى بذكر من محّضوا الكفر ظاهرًا وباطنًا. وهنا ثلث بالمنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم أخبث الكفرة، لأنهم ضموا إلى الكفر استهزاء وخداعًا وتمويهًا وتدليسًا وفيهم نزل قوله"إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ"النساء:142.
وصف الله حال الذين كفروا في آيتين وحال المنافقين في ثلاث عشرة آية، قال تعالى في وصف المنافقين الذين ظاهرهم الإسلام وباطنهم الكفر:"وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ"8.
النفاق: هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي، وهو الذي يخلد صاحبه في النار وهو المقصود في هذه الآيات، وعمليوهو من أكبر الذنوب.
يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، يظهرون الإيمان فيقولون: إننا آمنا بالله وبيوم القيامة، وليسوا بصادقين في قولهم.واليوم الآخر - هو من وقت الحشر إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار."وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ " لأن الإيمان الحقيقي, ما تواطأ عليه القلب واللسان, وإنما هذا مخادعة لله ولعباده المؤمنين.
"يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ"9.
والمخادعة: أن يظهر المخادع لمن يخادعه شيئا، ويبطن خلافه لكي يتمكن من مقصوده ممن يخادع،يظنون بجهلهم وضلالهم أنهم يخادعون الله،أي يخادعونه عند أنفسهم وعلى ظنهم،وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ، إذ يتوهمون أنه غير مطلع على خفاياهم، مع أنه يعلم السر والنجوى، وهم في الواقع يخدعون أنفسهم لأن ضررَ عملِهم لا حقٌ بهم، عاجلًا وآجلًا، ولأن من يخدع غيره ويحسبه جاهلًا- وهو ليس كذلك- إنما يخدع نفسه.
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ".10.والمراد بالمرض هنا: مرض الشك والشبهات والنفاق، لأن القلب يعرض له مرضان يخرجانه عن صحته واعتداله: مرض الشبهات الباطلة، ومرض الشهوات المردية، فالكفر والنفاق والشكوك والبدع, كلها من مرض الشبهات، والزنا، ومحبة الفواحش والمعاصي وفعلها، من مرض الشهوات. والمعافى من عوفي من هذين المرضين، فحصل له اليقين والإيمان، والصبر عن كل معصية.

. فبعد أن جاء النذير البشير ومعه البرهان القاطع، والنور الساطع، وأبوا أن يتبعوه، وزاد تمسكهم بما كانوا عليه، فكان ذلك النور عمى في أعينهم، ومرضًا في قلوبهم، وتحرّقت قلوبهم حسرة على ما فاتهم من الرياسة، وحسدًا على ما يرونه من ثبات أمر الرسول وعلوّ شأنه يومًا بعد يوم. آفة الكافرين في كفرهم موزعة بين أجهزة ثلاثة في كيانهم، هى القلب، والسمع، والبصر.. فقلوبهم مغلقة عن الخير، وأسماعهم نابية عن الحق، وأبصارهم كليلة عن الهدى.
أما المنافقون فإن آفة نفاقهم في القلوب وحدها، حيث قد سمعوا الحق ووعوه، وأبصروا الهدى واستيقنوه، ولكن حين ينفذ هذا كله إلى موطن الإيمان من قلوبهم، يصادف قلوبًا مريضة، لا تقبل الحق والخير، وإن قبلتهما فإنها سرعان ما تلفظهما، كما يلفظ المحموم طيب الطعام.
"
فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا"فزادهم بجانب الحسد والحقد على أهل الإيمان مع فساد العقيدة ،زادهم ضعفًا عن الانتصار للحق، وعجزًا عن الاقتدار على الاستقامة والامتثال.فعقوبة المعصية, المعصية بعدها, كما أن من ثواب الحسنة, الحسنة بعدها، قال تعالى" وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى"مريم76.

"وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ"أي بسبب كذبهم في دعواهم الإيمان بالله واليوم الآخر، فهم لم يصدّقوا بأعمالهم ما يزعمونه من حالهم، وقد جعل العذاب جزاء الكذب.
"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ"12/11".
أي: إذا نهي هؤلاء المنافقون عن الإفساد في الأرض, وهو العمل بالكفر والمعاصي, ومنه إظهار سرائر المؤمنين لعدوهم وموالاتهم للكافرين.
"قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ"فجمعوا بين العمل بالفساد في الأرض، وإظهارهم أنه ليس بإفساد بل هو إصلاح، قلبًا للحقائق، وجمعًا بين فعل الباطل واعتقاده حقا، وهذا أعظم جناية ممن يعمل بالمعصية، مع اعتقاد أنها معصية فهذا أقرب للسلامة، وأرجى لرجوعه.حصر للإصلاح في جانبهم - فيضمنه أن المؤمنين ليسوا من أهل الإصلاح - قَلَبَ اللهُ عليهم دعواهم بقوله:
"أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ " كم هي مصيبة الأمة عندما يظن المفسد نفسه مصلحًا.نسأل الله البصيرة والسداد لكل إصلاح وبِر. فإنه لا أعظم فسادًا ممن كفر بآيات الله، وصد عن سبيل الله، وخادع الله وأولياءه، ووالى المحاربين لله ورسوله، وزعم مع ذلك أن هذا إصلاح، فهل بعد هذا الفساد فساد؟.وهكذا شأن المفسدين في كل زمان يدّعون في إفسادهم أنه هو الإصلاح بعينه.

فالإصلاح في الأرض, أن تعمر بطاعة الله والإيمان به, لهذا خلق الله الخلق،وأسكنهم الأرض, وأدر علهيم الأرزاق, ليستعينوا بها على طاعته وعبادته. فإذا عمل فيها بضده, كان سعيا فيها بالفساد, وإخرابا لها عما خلقت له.
"وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ"
أي: إذا قيل للمنافقين آمنوا كما آمن الناس، أي: كإيمان الصحابة رضي الله عنهم، وهو الإيمان بالقلب واللسان، قالوا بزعمهم الباطل: أنؤمن كما آمن السفهاء؟وَالسَّفِيه هُوَ الْجَاهِل الضَّعِيف الرَّأْي الْقَلِيل الْمَعْرِفَة بِمَوَاضِع الْمَصَالِح وَالْمَضَارّ، يعنون - قبَّحَهُم اللهُ - الصحابة رضي الله عنهم، بزعمهم أن سَفَهَهُم- أي الصحابة- أوجب لهم الإيمان، وتَرْكالأوطان، ومعاداة الكفار، والعقل عندهم أي عند المنافقين-يقتضي ضد ذلك، فنسبوهم إلى السفه; وفي ضمنه أنهم هم العقلاء أرباب الحُجَى والنُّهَى. فَرَدَّ اللهُ ذلك عليهم، وأخبر أنهم هم السفهاء على الحقيقة، لأن حقيقة السفه جهل الإنسان بمصالح نفسه، وسعيه فيما يضرها، وهذه الصفة منطبقة عليهم وصادقة عليهم، كما أن العقل والحُجا، معرفة الإنسان بمصالح نفسه، والسعي فيما ينفعه، وفيدفع ما يضره، وهذه الصفة منطبقة على الصحابة والمؤمنين وصادقة عليهم، فالعبرة بالأوصاف والبرهان, لا بالدعاوى المجردة, والأقوال الفارغة.
"أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ"
يعني : ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل ، وذلك أردى لهم وأبلغ في العمى ، والبعد عن الهدى.
"وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ"14.
هذا من قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، أي وإذا رأى المنافقون المؤمنين واجتمعوا بهم قالوا كذبًا وبهتانًا: آمنا كإيمانكم وصدَّقْنا كتصديقكم، وإذا انفردوا بأمثالهم من دعاة الفتنة والإفساد قالوا لهم: إنا على عقيدتكم، وموافقوكم على دينكم، وإنما نظهر لهم الإيمان استهزاء بهم، لنشاركهم في الغنائم، ونحفظ أموالَنا وأولادَنا ونساءَنا من أيديهم ونطَّلع على أسرارهم.
"اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ15".
أي الله يجازيهم بالعقاب على استهزائهم ،وسمى هذا الجزاء استهزاء للمشاكلة في اللفظ كما سمى جزاء السيئة سيئة، وهذا جزاء لهم, على استهزائهم بعباده، فمن استهزائه بهم أن زين لهم ما كانوا فيه من الشقاء والحالة الخبيثةويزيدهم في عتوهم وكفرهم، حتى ظنوا أنهم مع المؤمنين, لما لم يسلط الله المؤمنين عليهم، ومن استهزائه بهم يوم القيامة, أنه يعطيهم مع المؤمنين نورًا ظاهرًا, فإذا مشي المؤمنون بنورهم, طفئ نور المنافقين, وبقوا في الظلمة بعد النور متحيرين, فما أعظم اليأس بعد الطمع.

"أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ""16.
أولئك, أي: المنافقون الموصوفون بتلك الصفات "اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى " أي: رغبوا في الضلالة، رغبة المشتري بالسلعة، التي من رغبته فيها يبذل فيها الأثمان النفيسة. وهذا من أحسن الأمثلة, فإنه جعل الضلالة, التي هي غاية الشر, كالسلعة، وجعل الهدى الذي هو غاية الصلاح بمنزلة الثمن، فبذلوا الهدى رغبة عنه بالضلالة رغبة فيها، فهذه تجارتهم, فبئس التجارة, وبئس الصفقة صفقتهم وإذا كان من بذل دينارا في مقابلة درهم خاسرا, فكيف من بذل جوهرة وأخذ عنها درهما؟" فكيف من بذل الهدى في مقابلة الضلالة, واختار الشقاء على السعادة, ورغب في سافل الأمور عن عاليها ؟" فما ربحت تجارته, بل خسر فيها أعظم خسارة.
أي هؤلاء قد رغبوا عن الهدى وسلوك الطريق المستقيم، ومالوا إلى الضلال واشتروه، ولكن لم تكن تجارتهم رابحة، إذ هم أضاعوا رأس المال وهو ما كان لهم من الفطرة السليمة، والاستعداد لإدراك الحقائق ونيل الكمال، فأصبحوا خاسرين آيسين من الربح. وإن من كانت هذه حالهم فلا علم لهم بطرق التجارة، فإن التاجر إن فاته الربح في صفقة فربما تداركه في أخرى ما دام رأس المال موجودًا، أما وقد فقد رأس المال فلا سبيل إلى الربح بحال.تفسير المراغي.


أم أبي تراب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-04-23, 03:17 AM   #4
أم أبي تراب
نفع الله بك الأمة
Hr

من آية 17 إلى آية 22

"
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ "17" صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ "18.
أي: مثلهم المطابق لما كانوا عليه كمثل الذي استوقد نارًا، أي: كان في ظلمة عظيمة, وحاجة إلى النار شديدة فاستوقدها من غيره, ولم تكن عنده مُعَدَّة, بل هي خارجة عنه، فَلَمَّا أَضَاءَتْ النَّارُ مَا حَوْلَهُ ، وَنَظَر الْمَحَلّ الَّذِي هُوَ فِيهِ., وما فيه من المخاوف وأمنها, وانتفع بتلك النار،وقرت بها عينه, وظن أنه قادر عليها, فبينما هو كذلك, إذ ذهب الله بنوره،فذهب عنه النور, وذهب معه السرور, وبقي في الظلمة العظيمة والنار المحرقة،فذهب ما فيها من الإشراق, وبقي ما فيها من الإحراق، فبقي في ظلمات متعددة: ظلمة الليل, وظلمة السحاب, وظلمة المطر, والظلمة الحاصلة بعد النور, فكيف يكون حال هذا الموصوف؟ فكذلك هؤلاء المنافقون, استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين, ولم تكن صفة لهم, فانتفعوا بها وحقنت بذلك دماؤهم،وسلمت أموالهم, وحصل لهم نوع من الأمن في الدنيا، فبينما هم على ذلك إذ هجم عليهم الموت, فسلبهم الانتفاع بذلك النور, وحصل لهم كل هم وغم وعذاب،وحصل لهم ظلمة القبر, وظلمة الكفر, وظلمة النفاق, وظلمة المعاصي على اختلاف أنواعها, وبعد ذلك ظلمة النار وبئس القرار.فلهذا قال تعالى عنهم"صُمٌّ" أي: عن سماع الخير" بُكْمٌ"أي عن النطق به، " عُمْيٌ" عن رؤية الحق، "فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ" لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه, فلا يرجعون إليه، بخلاف من ترك الحق عن جهل وضلال, فإنه لا يعقل, وهو أقرب رجوعًا منهم.ثم قال تعالى" أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ"يعني: أو مثلهم كصيب، أي: كصاحب صيب من السماء، وهو المطر الذي يصوب, أي: ينزل بكثرة، " فِيهِ ظُلُمَاتٌ" ظلمة الليل, وظلمة السحاب, وظلمات المطر، " وَرَعْدٌ" وهو الصوت الذي يسمع من السحاب، " وَبَرْقٌ" وهو الضوء اللامع المشاهد مع السحاب." كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ" البرق في تلك الظلمات " مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا" أي: وقفوا.فهكذا حال المنافقين, إذا سمعوا القرآن وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده،جعلوا أصابعهم في آذانهم, وأعرضوا عن أمره ونهيه ووعده ووعيده, فيروعهم وعيده وتزعجهم وعوده، فهم يعرضون عنها غاية ما يمكنهم, ويكرهونها كراهة صاحب الصيب الذي يسمع الرعد, ويجعل أصابعه في أذنيه خشية الموت, فهذا تمكن له السلامة. وأما المنافقون فأنى لهم السلامة, وهو تعالى محيط بهم, قدرة وعلما فلا يفوتونه ولا يعجزونه, بل يحفظ عليهم أعمالهم, ويجازيهم عليها أتم الجزاء.ولما كانوا مبتلين بالصمم, والبكم, والعمى المعنوي, ومسدودة عليهم طرق الإيمان، قال تعالى" وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ"أي: الحسية، ففيه تحذير لهم وتخويف بالعقوبة الدنيوية, ليحذروا, فيرتدعوا عن بعض شرهم ونفاقهم، " إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"فلا يعجزه شيء، ومن قدرته أنه إذا شاء شيئا فعله من غير ممانع ولا معارض.تفسير السعدي."يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ"22/21.العبادة:خضوع ينشأ عن استشعار القلب بعظمة المعبود.خضوع مبني على الإخلاص والاتباع أي لكي يقبل العمل لابد أن يكون خالصًا لله صوابًا أي على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بعد أن ذكر سبحانه أصناف الخلق وبيّن أن منهم المهتدين، والكافرين الذين فقدوا الاستعداد للهداية، والمنافقين المذبذبين بين ذلك - دعا الناس إلى دين التوحيد الحق وهو عبادة الله وحده عبادة خشوع وإخلاص، حتى كأنهم ينظرون إليه ويرونه، فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم، فإن فعلوا ذلك أعدّوا أنفسهم للتقوى.ثم عَدَّد بعضَ نعمِهِ المتظهرة عليهم الموجبة للعبادة والشكر،فمن أهم مقاصد القرآن التعريفُ بالله سبحانه وتعالى، ومن طرق القرآن في التعريف بالله تعالى ذِكر نِعم الله على خلقه وما أعطاهم،فالقرآن يخاطب العقول والفِطَر والقلوب السليمة،فمن نهج القرآن التربية العقلية التي تتعامل مع البرهان،ليتذكر أولوا الألباب ، فمن نعم الله وآياته على عبادِهِ أن خلقهم أحياء قادرين على العمل والكسب،الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ".

" لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "فالمتقون هم المنتفعون بالآيات القرآنية.
ثم خلق الأرض مستقرا ومهادا لينتفعوا بخيراتها ويستخرجوا معادِنَها ونباتَها،"الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا" أي هو الذي مهدّ لكم الأرض وجعلها صالحة للافتراش والإقامة فيها.ثم بنى لهم السماء التي زينها بالكواكب، وجعل فيها مصابيح يهتدي بها الساري في الليل المظلم، وَالسَّمَاءَ بِنَاءً". أي وهو الذي كوّن السماء بنظام متماسك كنظام البناء، وسوّى أجرامَها على ما نُشاهد وأمسكها وجعل الجاذبية، حتى لا تقع على الأرض ولا يصطدم بعضها ببعض، حتى يأتي اليوم الموعود. وهنا برهان آخر على البعث أعظم من خلق الإنسان وهو خلق الكون.

"وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ".أي وهو الذي أنزل من السماء مطرًا يسقى به الزرع، ويغذّى به النبات، فأخرج به ثمرا مختلفًا ألوانها وأشكالها نأكل منه وننتفع به."فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا" الأنداد هم الذين خضع الناس لهم وقصدوهم في قضاء حاجاتهم.عن عبد الله بن مسعود قال :سَأَلْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ:أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قالَ"أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ ....".صحيح البخاري.والنِّدُّ هو المثيلُ والنَّظيرُ.أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر أي:لا تجعلوا لله نظراء وأشباها من المخلوقين،فتعبدونهم كما تعبدون الله، وتحبونهم كما تحبون الله, وهم مثلكم, مخلوقون، مرزوقون مدبرون، لا يملكون مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض، ولا ينفعونكم ولا يضرون، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره. "وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ"أي وإنكم لتعلمون بطلان ذلك وأن الله ليس له شريك, ولا نظير, لا في الخلق, والرزق، والتدبير، ولا في العبادة. وإنكم إذا سُئِلتم من رزقكم من السموات والأرض ومن يدبر الأمر؟ تقولون: الله، فلم إذا تدْعُونَ غيرَه، وتستشفعون به؟
" قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ"يونس :31.
ومن أين أتيتم بهذه الوسائط التي لا تضر ولا تنفع؟ ومن أين جاءكم أن التقرب إلى الله يكون بغير ما شرعه الله حتى قلتم معتذرينعن أنفسكم وقائلين "ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى"الزمر:3.
أي: لترفع حوائجنا للّه، وتشفع لنا عنده، وإلا، فنحن نعلم أنها، لا تَخْلق، ولا تَرزق، ولا تملك من الأمرِ شيئًا.
أي: فهؤلاء، قد تركوا ما أمر اللّه به من الإخلاص، وتجرأوا على أعظم المحرمات، وهو الشرك، وقاسوا الذي ليس كمثله شيء، الملك العظيم، بالملوك، وزعموا بعقولهم الفاسدة ورأيهم السقيم، أن الملوك كما أنه لا يوصل إليهم إلا بوجهاء، وشفعاء، ووزراء يرفعون إليهم حوائج رعاياهم، ويستعطفونهم عليهم، ويمهدون لهم الأمر في ذلك، أن اللّه تعالى كذلك.
وهذا القياس من أفسد الأقيسة، وهو يتضمن التسوية بين الخالق والمخلوق، مع ثبوت الفرق العظيم، عقلا ونقلا وفطرة، فإن الملوك، إنما احتاجوا للوساطة بينهم وبين رعاياهم، لأنهم لا يعلمون أحوالهم. فيحتاج من يعلمهم بأحوالهم، وربما لا يكون في قلوبهم رحمة لصاحب الحاجة، فيحتاج من يعطفهم عليه ويسترحمه لهمويحتاجون إلى الشفعاء والوزراء، ويخافون منهم، فيقضون حوائج من توسطوا لهم، مراعاة لهم، ومداراة لخواطرهم، وهم أيضا فقراء، قد يمنعون لما يخشون من الفقر.
وأما الرب تعالى، فهو الذي أحاط علمه بظواهر الأمور وبواطنها، الذي لا يحتاج من يخبره بأحوال رعيته وعباده، وهو تعالى أرحم الراحمين، وأجود الأجودين، لا يحتاج إلى أحد من خلقه يجعله راحما لعباده، بل هو أرحم بهم من أنفسهم ووالديهم، وهو الذي يحثهم ويدعوهم إلى الأسباب التي ينالون بها رحمته، وهو يريد من مصالحهم ما لا يريدونه لأنفسهم، وهو الغني، الذي له الغنى التام المطلق، الذي لو اجتمع الخلق من أولهم وآخرهم في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كلا منهم ما سأل وتمنى، لم ينقصوا من غناه شيئا، ولم ينقصوا مما عنده، إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط.
شبهة والرد عليها:هل يجوز التوسل بجاه أحد من المخلوقين أو طلب الدعاء منه ؟
"أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه كانَ إذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بالعَبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، فقالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْكَ بنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وإنَّا نَتَوَسَّلُ إليكَ بعَمِّ نَبِيِّنَا فاسْقِنَا، قالَ: فيُسْقَوْنَ."الراوي : أنس بن مالك : صحيح البخاري .
فكان عمَرُ رَضيَ اللهُ عنه يُقدِّمُ العباسَ بنَ عبدِ المطَّلِبِ عمَّ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليَدعُوَ للناسِ، ويقولُ: اللَّهمَّ إنَّا كنَّا نطلبُ مِن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَدْعوَ؛ لِيكونَ وَسيلةً لنا إليك؛ لِمَا له مِن فَضْلٍ عندَك، فتَسْتجيبُ وتَسْقِينا، وبعدَ مَوتِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فإنَّا نَتوسَّلُ إليك بِعَمِّ نَبيِّنا، أي: بدُعائِه واستِسقائِه، فَاسْقِنا، وأَنزِلْ علينا المطَرَ، وكان إذا فَعَلَ عمَرُ ذلك أنْزَلَ اللهُ تعالَى المطَرَ عليهم بِاستِسقاءِ العبَّاسِ رَضيَ اللهُ عنه. وهذا ليس مِن التَّوسُّلِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ بالرَّجُلِ الصالحِ بذاتِه وبِجاهِه وبحَقِّه، بلْ هو التَّوسُّلُ بدُعائِه وتَضرُّعِه واستِغاثتِه به سُبحانه وتعالَى.
والحاصل: أن التوسل إلى الله تعالى بدعاء من ترجى فيه إجابة الدعاء لصلاحه لا بأس به؛ فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يتوسلون إلى الله تعالى بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم ؛ وكذلك عمر رضي الله عنه توسل بدعاء العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ، فلا بأس إذا رأيت رجلاً صالحاً حرياً بالإجابة لكون طعامه وشرابه وملبسه ومسكنه حلالاً وكونه معروفًا بالعبادة والتقوى ، لا بأس أن تسأله أن يدعو الله لك بما تحب ، بشرط أن لا يحصل في ذلك غرور لهذا الشخص الذي طلب منه الدعاء ، فإن حصل منه غرور بذلك فإنه لا يحل لك أن تقتله وتهلكه بهذا الطلب منه؛ لأن ذلك يضره. الإسلام سؤال وجواب.
قد يقول قائل: طلب الدعاء من الغير ، ربما يحرم صاحبه من أن يكون من السبعين ألفا ، كما هو حال الذين يسترقون ؛ وذلك لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في وصف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب"هُمُ الذِينَ لاَ يَستَرقُونَ وَلاَ يَكتَوُونَ وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ" رواه البخاري :3410- ومسلم :220.
فيقال في جوابه : إن هذا القياس لا يصح.

طلب المسلم الدعاء من أخيه المسلم : جائز لا حرج فيه ؛ للأدلة المتكاثرة الواردة في الكتاب والسنة النبوية ، وهي تدل على جواز طلب الدعاء من الآخرين ، خاصة إذا كان طلب الدعاء ممن هو مشهور بالخير والصلاح .
ومن الأدلة على ذلك :
1- قول الله عز وجل عن إخوة يوسف " قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ" يوسف/97.
2- حديث أويس القرني الطويل ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر " .. فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ " فَأَتَى أُوَيْسًا فَقَالَ : اسْتَغْفِرْ لِي ... رواه مسلم :رقم/2542 .

سؤال المسلم الدعاء من أخيه المسلم جائز مشروع، ففي صحيح مسلم: عن صفوان بن عبد الله بن صفوان -وكان زوجًا للدرداء-قال: قدمت الشام، فأتيت أبا الدرداء في منزله، فلم أجده ووجدت أم الدرداء، فقالت: أتريد الحج العام؟ فقلت: نعم. قالت: فادع الله لنا بخير، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول"دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل". قال: فخرجت إلى السوق، فلقيت أبا الدرداء فقال لي مثل ذلك يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والتحقيق في المسألة ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في مجموع الفتاوى :1/191:
ومن قال لغيره من الناس: ادع لي - أو لنا - وقصد أن ينتفع ذلك المأمور بالدعاء وينتفع هو أيضًا بأمره، وبفعل ذلك المأمور به كما يأمره بسائر فعل الخير فهو مقتدٍ بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤتم به ليس هذا من السؤال المرجوح، وأما إن لم يكن مقصوده إلا طلب حاجته لم يقصد نفع ذلك والإحسان إليه، فهذا ليس من المقتدين بالرسول المؤتمين به في ذلك، بل هذا من السؤال المرجوح الذي تركه إلى الرغبة إلى الله ورسوله أفضل من الرغبة إلى المخلوق وسؤاله.
فإذًا ينبغي للمسلم أن يطلب الدعاء من أخيه المسلم على هذا الوجه، وهو قصد نفع المسؤول بالتسبب في ما يحصل من خير الدعاء لإخوانه، كما فعلت أم الدرداء، وفعله أبو الدرداء، وهذا هو توجيه الحديث السابق، فإنما طلب النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء من عمر ليحصل له من الخير نظير ما يحصل له من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من الأجر.
وأما من طلب الدعاء من غيره لينتفع هو فقط بذلك الدعاء، فإنه وإن كان قد فعل جائزًا لكنه خلاف الأولى.
والله أعلم. إسلام ويب.

وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء" 24/261 :
"طلب الدعاء مباح ....، وتركه ... والاستغناء عن الناس وقيامه بهما لنفسه أحسن".الإسلام سؤال وجواب.
أم أبي تراب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-04-23, 03:18 AM   #5
أم أبي تراب
نفع الله بك الأمة
Pencel

من آية 23 إلى 25

"وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 23.

وهذا دليل عقلي على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم, وصحة ما جاء به، فقال "وَإِنْ كُنْتُمْ "معشر المعاندين للرسول, الرادين دعوته, الزاعمين كذبه في شك واشتباه, مما نزلنا على عبدنا, وأنتم المعروفون بالخطابة والشعر، وتحبير القول، ورصف الكلام، ونظم الشعر، ومحمد النبي الأمي الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم جاءكم بهذا القرآن من عند الله بعد أربعين سنة قضاها بين أظهركم، لا تستطيعون أن تذكروا له زَلَّة ولا كذبة على أحد منكم صَغُر أو كبر.
"وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا"وفي وصف الرسولبالعبودية في هذا المقام العظيم، دليل على أن أعظم أوصافِهِ صلى الله عليه وسلم، قيامه بالعبودية، التي لا يلحقه فيها أحد من الأولين والآخرين.وهي عبودية تشريف.
كما شرفه ووصفه بالعبودية في مقام الإسراء، فقال
"
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ "الإسراء:1.وفي مقام الإنزال، فقال"تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ" الفرقان:1.
أنواع العبودية:
العبودية العامة : فهذه لا يخرج عنها مخلوق وتسمى عبودية القهر فالخلق كلهم بهذا المعنى عبيد لله يجري فيهم حكمه ، و ينفذ فيهم قضاؤه ، لا يملك أحد لنفسه ضرًا ولا نفعًا إلا بإذن ربه ومالكه المتصرف فيه . وهذه العبودية هي التي جاءت في مثل قوله تعالى "إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا" مريم/93، وهذه العبودية لا تقتضي فضلاً ولا تشريفًا.فمن أعرض عن العبودية الخاصة فهو مأسور مقهور بالعبودية العامة فلا يخرج عنها بحال من الأحوال . فالخلق كلهم عبيد لله فمن لم يعبد الله باختياره فهو عبد له بالقهر والتذليل والغلبة .
العبودية الخاصة:
عبودية المحبة والانقياد والطاعة التي يشرف بها العبد ويعظم ،وهي التي وردت في مثل قول الله تعالى "اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ"الشورى/19، وقوله "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرض هَوْنًا"الفرقان/63 ، وهذه العبودية خاصة بالمؤمنين الذين يطيعون الله تعالى ، لا يشاركهم فيها الكفار الذين خرجوا عن شرع الله تعالى وأمره ونهيه ، والناس يتفاوتون في هذه العبودية تفاوتًا عظيمًا ؛ فكلما كان العبد محبًّا لله متبعًا لأوامره منقادًا لشرعه كان أكثر عبودية.
"
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ"بعد أن ذكر سبحانه أن الناس بالنظر إلى القرآن أقسام ثلاثة: مُتَّقُون يهتدون بهديه، وجاحِدون معانِدون عن سماع حججه وبراهينه، ومُذَبذبونبين ذلك - طلب هنا إلى الجاحدين المعاندين في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي أن القرآن معجزته - أن يتعرفوا إن كان هو من عند الله كما يدّعي، أو هو من عند نفسه كما يدّعون.
ها هو صلى الله عليه وسلم بشر مثلكم، ليس بأفصحكم ولا بأعلمكم وأنتم تعرفونه منذ نشأ بينكم، لا يكتب ولا يقرأ، فأتاكم بكتاب زعم أنه من عند الله، وقلتم أنتم أنه تقوَّله وافتراه، فإن كان الأمر كما تقولون، فأتوا بسورة من مثله، واستعينوا بمن تقدرون عليه من أعوانكم وشهدائكم من دون الله ، فإن هذا أمر يسير عليكم، خاصة وأنتم أهل الفصاحة والخطابة، والعداوة العظيمة للرسول صلى الله عليه وسلم، فإن جئتم بسورة من مثله، فهو كما زعمتم، وبرهان على صدقكم.
"فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ28."
"فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا" وهذه حُجَّة قويةٌ ودليلٌ عقليٌّ وتحدي لعلهم يرجعون ،وإن لم تأتوا بسورة من مثله وعجزتم غاية العجز،وَلَنْ تَفْعَلُوا على التأبيد وعَبْر كل العصور حتى قيام الساعة.

وهو تعجيز الخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن، قال تعالى "قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا"الإسراء: 88.وكيف يقدر المخلوق من تراب، أن يكون كلامُه ككلامِ ربِ العالمين؟ أم كيف يقدر الناقص الفقير من كل الوجوه, أن يأتي بكلام ككلام الكامل، الذي له الكمال المطلق، والغنى الواسع من كل الوجوه؟ هذا ليس في الإمكان، ولا في قدرة الإنسان، وكل من له أدنى ذوق.
"
فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ"اتقوا النار التي بلغت في الحرارة العظيمة والشدة مبلغها، وقودها الناس والحجارة، ليست كنار الدنيا التي إنما تتقد بالحطب،قال ابن عباس يعني حجارة الكبريت لأنها أكثر التهابًا. وقيل جميع الحجارة وفيه دليل على عظم تلك النار وقوتها.

والمراد بالحجارة هاهنا: هي حجارة الكبريت العظيمة السوداء الصلبة المنتنة، وهي أشد الأحجار حرا إذا حميت، أجارنا الله وإياكم منها.
قال عبد الملك بن ميسرة الزرّاد عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، في قوله تعالى"وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ" قال: هي حجارة من كبريت، خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض في السماء الدنيا، يعدها للكافرين. رواه ابن جرير، وهذا لفظه. وابن أبي حاتم، والحاكم في مستدركه وقال: على شرط الشيخين.
النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشد لحرها وأقوى لسعيرها.نسأل الله السلامة والعافية لنا ولكم.
"
أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ"وهذه النار الموصوفة معدة ومهيأة للكافرين بالله ورسله. فاحذروا الكفر برسوله، بعد ما تبين لكم أنه رسول الله.وفي قوله"أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ" ونحوها من الآيات, دليل لمذهب أهل السنة والجماعة, أن الجنة والنار مخلوقتان خلافًا للمعتزلة.

نسأل الله العافية والهداية، والتوفيق إلى صراطه المستقيم، وأن يُجيرنا من النار وحرِّها ووقودها، إنه سميع مجيب.
"وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" 25.
تبدأ جنة الآخرة بجنة الدنيا وهي جنة الذكر و الطاعة.وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: ما يصنع أعدائي بي، أنا جنتي في قلبي، وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.


يقرن القرآن دائمًا بين الإيمان و العمل الصالح كلما ذكر العمل و الجزاء. فلا جزاء على إيمان عاطل خامد لا يعمل و لا يثمر. و لا على عمل منقطع لا يقوم على الإيمان .لما ذكر جزاء الكافرين, ذكر جزاء المؤمنين, أهل الأعمال الصالحات, على نهج القرآن يجمع بين الترغيب والترهيب, ليكون العبد راغبا راهبا, خائفا راجيا فقال"وَبَشِّرِ" أي: يا أيها الرسول ومن قام مقامه- بشر" الَّذِينَ آمَنُوا "بقلوبهم " وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " بجوارحهم، فصدَّقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة.ووصفت أعمال الخير بالصالحات، لأن بها تصلح أحوال العبد, وأمور دينه ودنياه, وحياته الدنيوية والأخروية, ويزول بها عنه فساد الأحوال, فيكون بذلك من الصالحين, الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته.

سارعُوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنةٍ عرضُها كعرضِ السماءِ والأرض، فيها ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمِعتْ ولا خَطرَ على قلبِ بشرٍ.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصَّالِحِينَ، ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ" صحيح البخاري.
وأشجار الجنة دائمة العطاء،فهي ليست كأشجار الدنيا تعطي في وقت دون وقت، وفصل دون فصل، بل هي دائمة الإثمار والظلال "مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النارُ"الرعد: 35.
مِن المبَشِّرَاتِ ما كان يذْكُرُه النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأُمَّتِه مِن نَعيمِ الجنَّةِ وما أعدَّه اللهُ للصَّالحينَ منهم، وفي هذا تَثبيتٌ لأُمَّتِه إذا عرفوا ما سيَجِدونه عندَ الله مِن الرَّحمَةِ والكَرَامَة لِمَن خاف اللهَ واتَّقاهَ وعَمِل الصالحاتِ.
وهذا الحَديثُ هو مِن الأحاديثِ القُدُسيَّةِ التي يَرويها النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ عن رَبِّ العزَّةِ تَبارَك وتعالَى، وفيه يقولُ"قال اللهُ تبارَك وتعالى: أعدَدْتُ"، أي: خلقْتُ وهيَّأْتُ في الجنَّةِ "لعبادِي الصَّالحينَ"، أي: للعبادِ الذي يَعلمون الصَّالحاتِ، ويَسْعَون في الخيرِ، والإضافَةُ في قوله: لعبادِي؛ للتشريفِ، أي: المخلصِينَ منهم بتِلك الأعمالِ، "ما لا عينٌ رأتْ ولا أُذنٌ سَمِعَت"، أي: ما لم تَرَه عيْنٌ ولم تسمعْ به وبوصْفِه أُذنٌ في الدُّنيا، وتَنكيرُ "عيْن" و"أُذُن"في سِياقِ النَّفيِ يُفيدُ الشُّمولَ، أي: يكونُ في الجنَّةِ ما لم تَرَه أيُّ عيْنٍ مِن الأعيُنِ، ولم تسمَعْ به وبِوصفِه أيُّ أُذنٍ مِن الآذَانِ، "ولا خَطَر على قلب بشَرٍ"، أي: ولم يَمُرَّ على عقل أحدٍ ما يشبِهُه أو يتصوَّرُه من النَّعيمِ، فكلُّ شيءٍ تخيَّله عقلٌ أو قلبٌ من نعيمِ الجنَّةِ؛ ففِيها أفضلُ مما تخيَّله. الدرر السنية.فبشرهم "أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ" أي: بساتين جامعة من الأشجار العجيبة, والثمار الأنيقة، والظل المديد، والأغصان والأفنان وبذلك، صارت جنة يجتن بها داخلها, وينعم فيها ساكنها." تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ " والمراد بها هنا دار الخلود في الحياة الآخرة أعدها الله للمتقين كما أعدّ النار للكافرين، ونحن نؤمن بهما ولا نبحث عن حقيقتهما." كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ" أي: هذا من جنسه، وعلى وصفه،كلها متشابهة في الحسن واللذة، ليس فيها ثمرة خاصة, وليس لهم وقت خال من اللذة, فهم دائما متلذذون بأكلها.وقوله" وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا" أي إن رزق الجنة وثمرها يتشابه على أهلها في صورته ويختلف في طعمه ولذته.

ثم لما ذكر مسكنهم, وأقواتهم من الطعام والشراب وفواكههم, ذكر أزواجهم, فوصفهن بأكمل وصف وأوجزه, وأوضحه فقال" وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ "أي ولهم في الجنات أزواج تطهرن غاية التطهر، فليس فيهنّ ما يعبن عليه من خبث جسدى مما عليه النساء في الدنيا كالحيض والنفاس، أو نفسي كالكيد والمكر وسائر مساوى الأخلاق.
وصحبة الأزواج في الآخرة من الأمور الغيبية التي نؤمن بها كما أخبر الله، ولا نبحث فيما وراء ذلك، فأطوار الآخرة أعلى مما في حياتنا الدنيا، فهي سالمة من المنغّصات في الطعام والشراب والمباشرة الزوجية، روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون، ولا يتغوّطون ولا يتمخّطون، قالوا فما بال الطعام، قال جشاء ورشح كرشح المسك، ويلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النّفس ».
"فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ"الواقعه :89.

"
فـ" لهم " رَوْحٌ" أي: راحة وطمأنينة، وسرور وبهجة، ونعيم القلب والروح.
"
وَرَيْحَانٌ" وهو اسم جامع لكل لذة بدنية، من أنواع المآكل والمشارب وغيرهما، وقيل: الريحان هو الطيب المعروف، فيكون تعبيرًا بنوع الشيء عن جنسه العام.
"
وَجَنَّتُ نَعِيمٍ " جامعة للأمرين كليهما، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيبشر المقربون عند الاحتضار بهذه البشارة، التي تكاد تطير منها الأرواح من الفرح والسرور.
كما قال تعالى" إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أن لَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ"فصلت : 30.
وقد أول قوله تبارك تعالى" لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ" يونس : 64. أن هذه البشارة المذكورة، هي البشرى في الحياة الدنيا.
تفسير الشيخ السعديرحمه الله .
لَقيتُ إبراهيمَ ليلةَ أُسْريَ بي فقالَ : يا محمَّدُ ، أقرئ أمَّتَكَ منِّي السَّلامَ وأخبِرْهُم أنَّ الجنَّةَ طيِّبةُ التُّربةِ عذبةُ الماءِ ، وأنَّها قيعانٌ ، وأنَّ غِراسَها سُبحانَ اللَّهِ والحمدُ للَّهِ ولا إلَهَ إلَّا اللَّهُ واللَّهُ أَكْبرُ"الراوي : عبدالله بن مسعود -المحدث : الألباني -المصدر :صحيح الترمذي-الصفحة أو الرقم: 3462 -خلاصة حكم المحدث : حسن

"وَهُمْ فِيها خالِدُونَ" الخلود لغة: المكث الطويل ، ويراد به في لسان الشرع الدوام الأبدى أي وهم لا يخرجون منها ولا هي تفنى وتزول، بل هي حياة أبدية لا تنتهى.
ففي هذه الآية الكريمة, ذُكِرَ المبشِّر والمبشَّر, والمبشَّرُ به, والسببالموصل لهذه البشارة، فالمبشِّر: هو الرسول صلى الله عليه وسلم ومن قام مقامه من أمته، والمبشَّر: هم المؤمنون العاملون الصالحات، والمبشَّر به: هي الجنات الموصوفات بتلك الصفات، والسبب الموصل لذلك, هو الإيمان والعمل الصالح، فلا سبيل إلى الوصول إلى هذه البشارة, إلا بهما، وهذا أعظم بشارة حاصلة, على يد أفضل الخلق, بأفضل الأسباب.وفيه استحباب بشارة المؤمنين, وتنشيطهم على الأعمال بذكر جزائها وثمراتها، فإنها بذلك تخف وتسهل، وأعظم بشرى حاصلة للإنسان, توفيقه للإيمان والعمل الصالح، فذلك أول البشارة وأصلها، ومن بعده البشرى عند الموت، ومن بعده الوصول إلى هذا النعيم المقيم، نسأل الله أن يجعلنا منهم.تفسير السعدي.
أم أبي تراب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-04-23, 03:19 AM   #6
أم أبي تراب
نفع الله بك الأمة
Sss


من آية 26 إلى 34

ـ قال جل وعلا " إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ"26 البقرة .
لمَّا ضَرَبَ اللهُ تَعَالى الأَمْثَالَ السَّابِقَةَ – في الربع الأول- للنَّاسِ قَالَ اليَهُودُ وَالمُشْرِكُونَ اللهُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَضْرِبَ هذِهِ الأَمثالَ.في هذا, جوابا لمن أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة.وَ "مَا" هَاهُنَا لِلتَّقْلِيلِ
يقول تعالى" إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا" أي: أيَّ مثل كان لاشتمال الأمثال على الحكمة, وإيضاح الحق, والله لا يستحيي من الحق. هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ للدنيا؛ إذ الْبَعُوضَةُ تَحْيَا مَا جَاعَتْ، فَإِذَا سَمِنَتْ مَاتَتْ ، وَكَذَلِكَ مَثَلُ هَؤُلَاءِالْقَوْمِ الَّذِينَ ضُرِبَ لَهُمْ هَذَا الْمَثَلَ فِي الْقُرْآنِ، إِذَا امْتَلَؤُوا مِنَ الدُّنْيَا رِيًّا أَخَذَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَلَا "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ"الأنعام:44.
قَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: لَمَّا ضَرَبَ اللَّهُ هَذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ لِلْمُنَافِقِينَ، يَعْنِي قَوْلَهُ"مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا"الْبَقَرَةِ: 17.وَقَوْلُهُ "أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ" الْبَقَرَةِ: 18، قَالَ الْمُنَافِقُونَ: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَضْرِبَ هَذِهِ الْأَمْثَالَ، فكأن في هذا, جوابًا لمن أنكر ضَرْب مثل هذه الأمثال ، واعترض على الله في ذلك. فليس في ذلك محل اعتراض. بل هو من تعليم الله لعباده ورحمته بهم. فيجب أن تتلقى بالقبول والشكر.
"إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها" أي إن الله جلت قدرته لا يرى من النقص أن يضرب المثل بالبعوضة فما دونها، لأنه هو الخالق لكل شيء جليلًا كان أو حقيرًا، وذلك ليس بمطعن في القرآن، بل هو أنصع برهان على أنه من عند خالق القوى والقدر، فإن سنة البلغاء جرت بوجوب التماثل بين المثل وما مثّل له، فالعظيم يمثّل له بالعظيم، والحقير يمثل له بالحقير،
"فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ" أي فالمؤمنون يقولون ما ضرب الله هذا المثل إلا لحكم ومصالح اقتضت ضربه لها، وهي تقرير الحق والأخذ به، فهو إنما يضرب لإيضاح المبهم بجعل المعقولات تلبس ثوب المحسوسات، أو تفصيل المجمل لبسطه وإيضاحه.
"وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا" الذين كفروا هم اليهود والمشركون وكانوا يجادلون بعد أن استبانت لهم الحُجَّة وحصحص الحقُّ، ويقولون ماذا أراد الله بهذه الأمثال الحقيرة التي فيها الذباب والعنكبوت، ولو أنصفوا لعرفوا وجه الحكمة في ذلك وما أعرضوا وانصرفوا "وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا". الكهف 54.
ثم أجاب عن سؤالهم بقوله:
"يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا" أي إن من غلب عليهم الجهل إذا سمعوه كابروا وعاندوا وقابلوه بالإنكار، فكان ذلك سببا في ضلالهم، ومن عادتهم الإنصاف والنظر بثاقب الفكر إذا سمعوه اهتدوا به، لأنهم يقدرون الأشياء بحسب فائدتها.
ومن المعلوم أن أنفع الكلام ما تجلّت به الحقائق، واهتدى به السامع إلى سواء السبيل، وأجلّه في ذلك الأمثال كما قال"وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ" العنكبوت : 43.والعالمون هم المؤمنون المهتدون بهدى الحق.
وقد جعل الله المهتدين في الكثرة كالضالين، مع أن هؤلاء أكثر كما قالتعالى "وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ" سبأ: 13.إشارة إلى أن المؤمنين المهتدين على قلتهم أكثر نفعًا وأجَلّ فائدة من أولئك الكفرة الفاسقين.
إن الكرامَ كثيرٌ في البلادِ وإن قلّوا كما غيرهم قلّ وإن كثروا
ثم أكمل الجواب وزاد في البيان فقال:
"وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ" إِلَّا: أداة حصر "الْفاسِقِينَ" مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء.نيابة عن الفتحةِ لأنه جمع مذكر سالم.فسقوا ، فأضلهم الله على فسقهم.فَسَقَتِ الرُّطْبَةُ عَنْ قِشْرِهَا : اِنْفَصَلَتْ عَنْهُ. فالفاسق يشمل الكافر والعاصي ، ولكن فسق الكافر أشد وأفحش ، والمراد من الآية الفاسق الكافر.
أي وما يضلّ بضرب المثل إلا الذين خرجوا عن سنة الله في خلقه وعما هداهم إليه بالعقل والمشاعر والكتب المنزلة على من أوتوها.
وفي هذا إيماء إلى أن علّة إضلالهم ما كانوا عليه من الخروج عن طاعة الله ، فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضت حكمته وفضله هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة.
فقد انصرفت أنظارهم عن التدبر في حكمة المثل إلى حقارة الممثَلِ به حتى رسخت به جهالتهم وازدادت ضلالتهم فأنكروه.
ثم زاد في ذم الفاسقين بذكر أوصاف مستقبحة لهم فقال:

"الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ" سبأ : 27.

"الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ" وهذا يعم العهد الذي بينهم وبين الله ، والذي بينهم وبين عبادِه الذي أكده عليهم بالمواثيق الثقيلة والإلزامات، فلا يبالون بتلك المواثيق; بل ينقضونها ويتركون أوامرَهُ ويرتكبون نواهيه; وينقضون العهود التي بينهم وبين الخلق.
"وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ" وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة، فإن الله أمرنا أن نصل ما بيننا وبينه بالإيمان به والقيام بعبوديته، وما بيننا وبين رسوله بالإيمان به ومحبته وتعزيره-التعزير: النصرة مع التعظيم.- والقيام بحقوقه، وما بيننا وبين الوالدين والأقارب والأصحاب; وسائر الخلق بالقيام بتلك الحقوق التي أمر الله أن نصلها.
فأما المؤمنون فوصلوا ما أمر الله به أن يوصل من هذه الحقوق، وقاموا بها أتم القيام، وأما الفاسقون، فقطعوها، ونبذوها وراء ظهورهم; معتاضين عنها بالفسق والقطيعة; والعمل بالمعاصي; وهو: الإفساد في الأرض.
فـ"فَأُولَئِكَ "أي: من هذه صفته"هُمُ الْخَاسِرُونَ "في الدنيا والآخرة، فحصر الخسارة فيهم; لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم; ليس لهم نوع من الربح؛ لأن كل عمل صالح شرطه الإيمان; فمن لا إيمان له لا عمل له; وهذا الخسار هو خسار الكفر، وأما الخسار الذي قد يكون كفرا; وقد يكون معصية; وقد يكون تفريطا في ترك مستحب، المذكور في قوله تعالى"إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ "فهذا عام لكل مخلوق; إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح; والتواصي بالحق; والتواصي بالصبر; وحقيقة فوات الخير; الذي كان العبد بصدد تحصيله وهو تحت إمكانه. أن كل إنسان خاسر، والخاسر ضد الرابح.
والخسار مراتب متعددة متفاوتة:
قد يكون خسارًا مطلقًا، كحال من خسر الدنيا والآخرة، وفاته النعيم، واستحق الجحيم.

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ "28" هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"29.
وجه سبحانه الخطاب في هاتين الآيتين إلى أولئك الفاسقين الذين ضلوا بالمَثَلِ بعد أن وصفهم بالصفات الشنيعة من نقض العهد الموثّق، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والإفساد في الأرض، وجاء به على طريق هذا استفهام بمعنى الإنكار والتوبيخ والتعجيب من صفة كفرهم، بذكر البراهين الداعية إلى الإيمان الصادّة عن الكفر، وهي النعم المتظاهرة الدالة على قدرته تعالى من مبدأ الخلق إلى منتهاه، من إحيائهم بعد الإماتة، وتركيب صورهم من الذرات المتناثرة، والنطف الحقيرة المهينة.، أي: كيف يحصل منكم الكفر بالله،الذي خلقكم من العدم; وأنعم عليكم بأصناف النعم; ثم يميتكم عند استكمال آجالكم،ويجازيكم في القبور; ثم يحييكم بعد البعث والنشور; ثم إليه ترجعون; فيجازيكم الجزاء الأوفى، فإذا كنتم في تصرفه; وتدبيره; وتحت أوامره الدينية; ومن بعد ذلك تحت دينه الجزائي; أفيليق بكم أن تكفروا به; وهل هذا إلا جهل عظيم وسفه وحماقة ؟ بل الذي يليق بكم أن تؤمنوا به وتتقوه وتشكروه وتخافوا عذابه; وترجوا ثوابه
"هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"29.
وخلق لهم ما في الأرض جميعًا ليتمتعوا بجميع ما في ظاهرها وباطنها على فنون شتى وطرق مختلفة، وخلق سبع سموات مزينة بمصابيح ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر.
"وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ"30.

هذا شروع في ذكر فضل آدم عليه السلام أبي البشر أن الله حين أراد خلقه أخبر الملائكة بذلك, وأن الله مستخلفه في الأرض.يخلف الجن الذين كانوا خلقوا قبل البشر.
" خَلِيفَةً "أي : قوما يَخْلُفُ بعضُهم بعضًا قرنًا بعد قرنٍ وجيلًا بعد جيلٍ ، كما قال تعالى " وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ" الأنعام:165.
" قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ " قالوا أتجعل فيها من يفسد فيهابالمعاصي . ويسفك الدماء بغير حق أي كما فعل بنو الجان فقاسوا الشاهد على الغائب وإلا فَهُم ما كانوا يعلمون الغيب.
وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله ، ولا على وجه الحسد لبني آدم وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك ، يقولون : يا ربنا ، ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء ، فإن كان المراد عبادتك ، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، أي : نصلي لك كما سيأتي ، أي : ولا يصدر منا شيء من ذلك ، وهلا وقع الاقتصار علينا ؟ قال الله تعالى مجيبا لهم عن هذا "قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ"أي : إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم ،لأن كلامكم بحسب ما ظننتم, وأنا عالم بالظواهر والسرائر, وأعلم أن الخير الحاصل بخلق هذا الخليفة, أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك من الشر فلو لم يكن في ذلك, إلا أن الله تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين, والشهداء والصالحين, ولتظهر آياتُه للخلقِ, ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا الخليفة, كالجهاد وغيره, وليظهر ما كَمُنَ في غرائز بني آدم من الخير والشر بالامتحان, وليتبين عدوَّهُ مِن ولِّيهِ, وحِزْبَه مِن حربه, وليظهر ما كمن في نفس إبليس من الشر الذي انطوى عليه, واتصف به, فهذه حِكَم عظيمة, يكفي بعضها في ذلك.
" وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ"31.
ثم لما كان قول الملائكة عليهم السلام, فيه إشارة إلى فضلهم على الخليفة الذي يجعله الله في الأرض, أراد الله تعالى, أن يبين لهم من فضل آدم, ما يعرفون به فضله, وكمال حكمة الله وعلمه فـ "عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا " أي: أسماء الأشياء, وما هو مسمى بها، فعلَّمَه الاسم والمسمى, أي: الألفاظ والمعاني, حتى المكبر من الأسماء كالقصعة، والمصغر كالقصيعة.
"ثُمَّ عَرَضَهُمْ " أي: عرض المسميات " عَلَى الْمَلَائِكَةِ " امتحانا لهم, هل يعرفونها أم لا؟.
" فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " في قولكم وظنكم, أنكم أفضل من هذا الخليفة.
"قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ"32.
" قَالُوا سُبْحَانَكَ " أي: ننزهك من الاعتراض منا عليك, ومخالفة أمرك. " لَا عِلْمَ لَنَا " بوجه من الوجوه " إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا " إياه, فضلا منك وجودا، " إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ " العليم الذي أحاط علما بكل شيء, فلا يغيب عنه ولا يعزب مثقال ذرة في السماوات والأرض, ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.
الحكيم: من له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق, ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق شيئا إلا لحكمة: ولا أمر بشيء إلا لحكمة، والحكمة: وضع الشيء في موضعه اللائق به، فأقَرُّوا, واعترفوا بعلم الله وحكمته, وقصورهم عن معرفة أدنى شيء، واعترافهم بفضل الله عليهم; وتعليمه إياهم ما لا يعلمون.
"قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ"33.
فحينئذ قال الله" يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ " أي: أسماء المسميات التي عرضها الله على الملائكة؛ فعجزوا عنها، " فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ"تبين للملائكة فضل آدم عليهم; وحكمة الباري وعلمه في استخلاف هذا الخليفة، " قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " وهو ما غاب عنا; فلم نشاهده، فإذا كان عالما بالغيب; فالشهادة من باب أولى، " وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ " أي: تظهرون " وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ "

"وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ"34.
ثم أمرهم تعالى بالسجود لآدم; إكراما له وتعظيما; وعبودية لله تعالى، فامتثلوا أمر الله; وبادروا كلهم بالسجود، " إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى " امتنع عن السجود; واستكبر عن أمر الله وعلى آدم، قال" أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا "الإسراء:61. وهذا الإباء منه والاستكبار; نتيجة الكفر الذي هو منطو عليه; فتبينت حينئذ عداوته لله ولآدم وكفره واستكباره.
وفي هذه الآيات من العبر والآيات; إثبات الكلام لله تعالى; وأنه لم يزل متكلما; يقول ما شاء; ويتكلم بما شاء; وأنه عليم حكيم، وفيه أن العبد إذا خفيت عليه حكمة الله في بعض المخلوقات والمأمورات فالواجب عليه; التسليم; واتهام عقله; والإقرار لله بالحكمة، وفيه اعتناء الله بشأن الملائكة; وإحسانه بهم; بتعليمهم ما جهلوا، وتنبيههم على ما لم يعلموه.
وفيه فضيلة العلم من وجوه:
منها: أن الله تعرف لملائكته؛ بعلمه وحكمته ، ومنها: أن الله عرفهم فضل آدم بالعلم؛ وأنه أفضل صفة تكون في العبد، ومنها: أن الله أمرهم بالسجود لآدم; إكراما له؛ لما بان فضل علمه، ومنها: أن الامتحان للغير؛ إذا عجزوا عما امتحنوا به؛ ثم عرفه صاحب الفضيلة؛ فهو أكمل مما عرفه ابتداء، ومنها: الاعتبار بحال أبوي الإنس والجن; وبيان فضل آدم؛ وأفضال الله عليه؛ وعداوة إبليس له؛ إلى غير ذلك من العبر.
أم أبي تراب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

(View-All Members who have read this thread in the last 30 days : 2
مها رفعت علي, ريحانة عبد العزيز
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
فضائل سور القرآن الكريم كما حققها العلامة الألباني.. أم المجاهدين روضة القرآن وعلومه 17 19-06-08 07:43 PM


الساعة الآن 08:26 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2024,Jelsoft Enterprises Ltd.
هذه المنتديات لا تتبع أي جماعة ولا حزب ولا تنظيم ولا جمعية ولا تمثل أحدا
هي لكل مسلم محب لدينه وأمته وهي على مذهب أهل السنة والجماعة ولن نقبل اي موضوع يثير الفتنة أو يخالف الشريعة
وكل رأي فيها يعبر عن وجهة نظر صاحبه فقط دون تحمل إدارة المنتدى أي مسؤلية تجاه مشاركات الأعضاء ،
غير أنَّا نسعى جاهدين إلى تصفية المنشور وجعله منضبطا بميزان الشرع المطهر .