الجمعة 30 شهر رمضان 1441هـ الموافق 24 مايو 2020م

حياكم الله جميعا 

هذه قناتي في التليجرام ينشر فيها النتاج العلمي والفكري . 


قناة عبد السلام بن إبراهيم الحصين

أزمة سوريا، وواقع الأمة

المقالة

Separator
أزمة سوريا، وواقع الأمة
858 زائر
16-06-2012 04:50
د.عبد السلام بن إبراهيم الحصين

أزمة سوريا، وواقع الأمة:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

فإن هذه الأمة نشأت من رجل واحد، هتف في أم القرى، بين ظهراني قوم هم أعز الناس مكانة، وأشرفهم منزلة، وأعظمهم جاهًا، كل واحد منهم يرى نفسه في أبهة الملك وجبروته، يُتخطف الناس من حولهم وهم آمنون في سربهم، معافَون في أبدانهم، عندهم أقواتهم تأتيهم من غير بلادهم، هتف بهم: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقاموا عليه قومة رجل واحد، ما تركوا قولا مشينًا إلا وصفوه به، ولا فعلا مهينًا إلا فعلوه، أو حاولوا أن يفعلوه به، حتى عمه وأقرب الناس إليه يسبه على رؤوس الملأ من قومه وأشراف أهله، فيقول: تبًا لك ألهذا جمعتنا؟، وهو لا يجاهدهم إلا بالقرآن، ولا يلقي بين أيديهم من المعجزات إلا حروفَ وكلماتِ الرحمن، ويصبر على ما يقولون ويفعلون صبرًا جميلاً لا ضجر فيه ولا ملل، ويهجرهم هجرًا جميلا لا عتاب معه، يطلبون منه أن يُنزَل معه ملك، أو يُلقى إليه كنز، أو تكونَ له جنة من نخيل وعنب يأكل منها، وتتفجرُ الأنهار خلالها تفجيرًا، أو أن يسقط الله السماء عليهم كسفًا وقطعًا إن كان قادرًا على ذلك، أو يأتي بالله والملائكة قبيلا، أو أن يرقى في السماء وهم يرون، ثم ينزل معه بكتاب يقرؤونه، فعسى إن فعل ذلك أن يؤمنوا، وما شيء من ذلك على الله بعزيز، وما يعجزه أن يفعل هذا وأعظم منه، ولكن سؤالهم كان سؤال عناد واستكبار، لا سؤال هداية واسترشاد، فخير الله نبيه بين أن يجيبهم لسؤالهم، ويعطيهم مطالبهم، ثم إن كفروا عذبهم عذابًا، كعذاب الأمم قبلهم، وبين أن يصبر عليهم، ويجاهدهم بهذا القرآن العظيم، فاختار الجهاد بكتاب ربه، والرضا به، والصبر على الأذى فيه حتى يحكم الله بينه وبين قومه، يقول الله تعالى: {وقالوا: لولا أنزل عليه آيات من ربه؟ قل: إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين، أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون}، ويقول تعالى: {وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون، وقالوا: لولا نزل عليه آية من ربه، قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون}، ويقول الله تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون، ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون، ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون}.

فاختار الله له أصحابًا وأنصارًا، رضوا بكتاب ربهم، وأسلموا نواصيهم إليهم، يسمعون ويطيعون، قيل لهم: اخرجوا من دياركم فخرجوا، وقيل لهم: كفوا أيديكم فكفوا، وقيل لهم: فضرب الرقاب فضربوا، فصاروا أسودًا بين يديه في الحرب، ورهبانًا وعبادًا في محاربهم ومساجدهم، ورحماء فيما بينهم، متآلفين متعاونين، لا يغشون، ولا يخونون، وينصحون ويبينون، يهدون بالحق، وبه يعدلون، رباهم بالمحن والابتلاءات، فما يفرحون إذا نالوا من قوم وانتصروا، ولا يجزعون إذا نيل منهم وانهزموا، عضهم الجوع والفقر، ورمتهم العرب عن قوس واحدة, فما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا، وتصديقًا بموعود الله، وثقة به، ومحبة له، ولرسوله الذي بعثه، بل صار نبيهم أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم، وأزواجهم وأولادهم، بل ومن أنفسهم، فما زال الله ينصرهم ويؤيدهم، حتى أتم بهم نوره، وأظهر بهم دينه، ومحق بهم الكافرين، وأذل بهم الجبابرة المتغطرسين، ودمر بهم عروش الظالمين، ومكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وأبدلهم من بعد خوفهم أمنًا، ومن بعد ذلهم عزًا، وطوى لهم الأرض، وأورثهم ديار الكفر وأموالهم، فما يستغيث بهم مستغيث، ولا يستجير بهم مظلوم مقهور إلا أغاثوه بجند لا يخافون في الله لومة لائم، لا ينتظرون إذنًا من بشر، ولا قانونًا من مخلوق، ولا يخافون عاقبة فعلهم.

ثم نكست الأمة على رأسها، واستبدلت كلام مخلوق بكلام ربها، وسنة الغرب بسنة نبيها، وهوى أهل الفكر المادي بهدى ربها، فتداعت عليها الأمم من كل حدب وصوب، فما زالت في نقص وذُل، وفُرقة وهوان، وانتقصت من كل جانب، فرَخُصت دماؤها، وسلبت خيراتها، وهان بين الناس أمرها، فما تستطيع أن تغيث أحدًا، ولا أن تنتصر ممن ظلمها، إلا أن يأذن لها عدوها، تعيش على نتاج عقول غيرها، وتقتات من موائد عدوها، ثم ترتمي في أحضانه، وتطلب النصر منه، وتريد تأييده، أو موافقته، فما يزيدها إلا خبالا وإذلالا، وإمعانًا في قهرها.

وما قُهِرت واستُذِلَّت من قلة، بل أعدادها بين الأمم كثير، ولا من نقص في مواردها، فخيراتها في بلادها عظيمة، ولا من ضعف في عقول أبنائها، ولكنها رضيت بالدنيا، وكرهت الموت، فحق عليها قول ربها: {وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده}.

وما من مسلم صادق إلا وفي قلبه ندوب وقروح مما يقع لإخواننا في سوريا، ولكن خبرني بالله عليك، كيف ترى واقع الأمة؟ هل فعلت شيئًا غير التلاوم؟ حتى في دعائها لا تحسن أن تدعو، فليس إلا ترانيم مُطرِبة، وكلمات مسجعة، وتطلب ما لم يطلبه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم من ربه في دعائه على أعدائه، تريد من الله أن يقاتل عنها، وأن يحطم قوات العدو وهي قاعدة في أماكنها، آمنة بين أهلها.

هل راجعتْ الأمة نفسها؟ وتلمست مكامن الخلل والخطأ والضعف في أمرها؟ هل نظرت في علاقتها مع ربها وكتابه؟ هل زاد عدد المصلين في صلاة الفجر؟ هل نقص عدد المجاهرين بالمعاصي؟ هل توقف التعامل بالربا في بنوكنا، ومؤسسات النقد في بلادنا؟ هل تطهرت مجتمعاتنا من رجس التبرج والاختلاط؟ والغش والخداع؟ وقلة الأمانة وضعف العمل؟ هل استقامت أحوال الناس في أخلاقها، ومعاملاتها، وقل عدد المنحرفين والضالين والمفسدين؟ هل وضعت الدول الإسلامية برنامجًا عمليًا للإصلاح؟ وهل فكروا في غير الحفاظ على الكرسي الذي لن يدوم لهم؟ هل سعى المصلحون من الرعية لدعوة الناس بجد وإخلاص؟ هل تهيأت الأمة للجهاد حقًا؟ أم أنها لا تحسن غير القول، والانجراف خلف العاطفة الخادعة؟

هل يمكن أن يجاهد من حُبُّ الدنيا في قلبه أعظم من محبته لربه؟ وواقعه دليل ذلك!

أوليس قد فتح باب الجهاد في أفغانستان بإذن من حكامنا ومن أعدائنا، ثم لما طردوا من احتل أرضهم انشغلوا بأنفسهم؟

أوليس قد فتح باب الجهاد في البوسنة والهرسك، والشيشان بغير إذن من حاكم أو غيره، فماذا فعلوا؟

أوما قتل الأطفال والنساء والعجائز إلا اليوم؟!

أوليس جرح فلسطين ينزف من عشرات السنين، فماذا حرك من واقع الأمة؟

كم من الحوادث المفجعة في رصيد الأمة -على كل شبر من أراضيها- تمر عليها، فتحرك شيئًا من عواطفها، ثم تنقضي، وكأن شيئًا لم يكن؟

ماذا فعلنا بعد كل حدث يشيب لهوله الولدان؟

هل لدينا استقلال في صناعتنا الحربية؟ وشؤوننا الاقتصادية؟

إن أول طريق للنصر يبدأ من نفسك، حين تتفقدها، وتبحث عن الخلل فيها، وتعرضها على كتاب ربك، فتداويها به، وتقيمها على سنة نبيها صلى الله عليه وآله وسلم، فتنصر الله في نفسك، لينصرك في أرضك وواقعك، ثم تتفقد من حولك بالنصح والوعظ، والتعليم والتربية؛ ليكون المجتمع جسدًا واحدًا، تسوده الرحمة، وتحركه المحبة، وتآلف بينه المودة؛ وحينئذ ينزل النصر، ويصدق فينا قول ربنا: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم}.

   طباعة 
1 صوت

روابط ذات صلة

Separator
المقالة السابق
المقالات المتشابهة المقالة التالي

جديد المقالات

Separator
رأس مكارم الأخلاق - ركن المقالات