الإثنين 14 شوال 1440هـ الموافق 19 يونيو 2019م

حياكم الله جميعا 

هذه قناتي في التليجرام ينشر فيها النتاج العلمي والفكري . 


قناة عبد السلام بن إبراهيم الحصين

الحج واستغلال مواسم الخيرات

المقالة

Separator
الحج واستغلال مواسم الخيرات
886 زائر
28-09-2013 06:20
د. عبد السلام بن إبراهيم الحصين

إن مواسم الخير المتتابعة، فيها أعظم موعظة برحمة الله الواسعة، التي وسعت كل شيء، ولكنه كتبها بمنه وكرمه لمن أعطى واتقى، وصدق بالحسنى.

وإن من مواسم الخير العظيمة حج بيت الله الحرام، الذي جعله مثابة للناس وأمنًا، تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرًا، ولو ترددَت إليه كلَّ عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم، عليه السلام، في قوله: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}، ومن دخله أمن، ولو كان قد فعل ما فعل، ثم دخله كان آمنًا، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه في الحرم فلا يَعْرض له".

وبسبب تعظيم بيت الله الحرام يُرفع عن الناس السوء، قال الله تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ}، قال ابن عباس: "لو لم يحج الناسُ هذا البيت لأطبق الله السماءَ على الأرض".

وقد جعل الله تبارك وتعالى للحج أشهرًا معلومة، عرفها الناس من دين أبيهم إبراهيم، وهي شوال وذو القعدة، وعشر ذي الحجة، فيكون ابتداء العزم على الحج، والدخول في أعماله من شهر شوال، ثم تكون أعماله التي يتم بها في يوم الثامن من ذي الحجة إلى نهاية أيام التشريق.

ففي اليوم الثامن من ذي الحجة يتوجه الحاج إلى منى؛ ليصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم إذا أصبح من يوم التاسع، وهو يوم عرفة، توجه إلى عرفة، وصلى بها الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، حتى إذا غابت الشمس توجه إلى المزدلفة، وبات بها، ثم إذا أصبح مشى إلى الجمرة الكبرى فرماها بسبع حصيات، ثم نحر هديه، وحلق رأسه، وقضى تفثه، ثم توجه إلى البيت العتيق، فطاف به، وسعى سعي الحج، إن لم يكن قد سعى قبل ذلك مع أول قدومه مكة، وبهذا يكون قد تحلل من إحرامه تحللا كاملا، وبقي عليه أن يرمي الجمرات كلها الصغرى والوسطى والكبرى في يوم الحادي عشر، ويوم الثاني عشر، ثم إن شاء تعجل، فطاف بالبيت موادعًا، وإن شاء تأخر، فرمى الجمرات يوم الثالث عشر، قال الله تعالى: {واذكروا الله في أيامٍ معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى، واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون}.

فمن وجد قوة وسعة، ولم يكن قد حج قبل ذلك فليبادر من الآن، فإن تأخير الحج بلا عذر لمن استطاع السبيل إليه لا يجوز؛ لأن الله تبارك وتعالى قال: {فاستبقوا الخيرات}، وقال: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم}، ولا يدري الواحد متى يكون أجله، فليس عند أحد منا عهد من الله وميثاق أن لا يقبض روحه إلا في وقت كذا، بل هذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، فما تدري نفس بأي أرض تموت، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار, فينظروا كل من له جدة ولم يحج, فيضربوا عليه الجزية, ما هم بمسلمين, ما هم بمسلمين".

إن المبادرة بالحج للمستطيع دليل المحبة، وصدقِ الرغبة فيما عند الله، والحرص على إدراك فضيلة هذا العمل العظيم، الذي من فعله، ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.

واحرص على أن يكون مصدر رزقك حلالا؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وتعلم من أحكام المناسك ما تعبد الله به على بصيرة، قال الله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}، وقال عليه الصلاة والسلام: ((خذوا عني مناسككم))، ولا يجوز أن تؤدي هذه الفريضة وأنت جاهل بما يجب عليك فيها؛ لأن هذا يوقعك في ارتكاب المحرمات وأنت لا تشعر، فمثلا بعض الناس يتهاون في طواف الإفاضة الذي يكون يوم النحر، خوفًا من الزحام، فيرجع إلى أهله وبلده وهو لم يطف، ومن فعل هذا لم يتم حجه، ولم يتحلل التحلل الكامل، ويجب عليه أن يرجع ليطوف بالبيت؛ لأن هذا ركن من أركان الحج.

ثم عليك بالصحبة الصالحة، فإن رحلة الحج من أعظم الرحلات وأبركها، وإنما تكون بركتها برفقة صالحة تعينك على فعل الخير، وتدلك على مواطن البر، وترشدك عند وقوع الجهل، وتوقفك على مواطن الخلل، وتحجزك عن فعل المعاصي؛ فإن الحج المبرور هو ما جمع أربع صفات: نفقة طيبة، ونية صالحة، وعمل موافق لهدي نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد عن المعاصي، فهنيئًا لمن وفد على ربه في بيته وحرمه مستجمعًا هذه الصفات، فإنه ليس له جزاء إلا الجنة.

إن الله أخبر عن خليله أنه دعا الله بقوله: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم}، ولم يقل أفئدة الناس، وإلا لازدحم على البيت الناس كلهم، من كل طوائف الأرض، ولكن اختص به المسلمون.

وإن من نعم الله في هذا الزمان تيسير السبل، فأمكن الوصول إلى بيت الله من أماكن بعيدة في أزمنة يسيرة، فنتج عن ذلك كثرة الحجيج، وازدحامهم، حتى زادت أعدادهم زيادة لم تعهد من قبل، وضاقت بهم فجاج مكة، وامتلأت بهم جبالها وسهولها، حتى إنك لترى أهوالا عظيمة حين ترى تدافعهم عند النفر من منى، وعند الاجتماع في عرفة، وعند الإفاضة منها، وعند رمي الجمار، وعند الطواف بالبيت، والمطلوب من المسلم أن يرفق بإخوانه، وألا يُدخل الضرر عليهم، ولهذا لما رأى نبينا عليه الصلاة والسلام تدافع الصحابة في حجة الوداع على الطواف قال: ((لا يحطم بعضكم بعضًا))، ولما رأى ازدحامهم عند رمي الجمرة قال: ((يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يصب بعضكم بعضًا)).

فلا يصلح أن تذهب معظمًا لبيت الله، ثم تؤذي عباد الله، فحرمتهم عند الله كحرمة بيته وشعائره.

   طباعة 
0 صوت

روابط ذات صلة

Separator
المقالة السابق
المقالات المتشابهة المقالة التالي

جديد المقالات

Separator
رأس مكارم الأخلاق - ركن المقالات