الجمعة 30 شهر رمضان 1441هـ الموافق 24 مايو 2020م

حياكم الله جميعا 

هذه قناتي في التليجرام ينشر فيها النتاج العلمي والفكري . 


قناة عبد السلام بن إبراهيم الحصين

المسيح عليه السلام2 (المعجزات الباهرة)

المقالة

Separator
المسيح عليه السلام2 (المعجزات الباهرة)
618 زائر
10-01-2013 06:11
د. عبد السلام بن إبراهيم الحصين

ها هي البتول العذراء، التي اتخذت من دون أهلها حجابًا، واعتكفت شرقي بيت المقدس تتعبد وتتحنث، ها هي تحمل في بطنها جنينها، تحمله بقدرة الله الذي لا يعجزه شيء، وكل شيء عليه هين، أراد الله ذلك ليظهر للناس قدرته، وليروا عظيم حكمته، وليشاهدوا بأم أعينهم خلقه لعيسى بلا أب، حيث لم يشاهدوا خلق آدم بلا أب ولا أم.

أحاط الله هذه المرأة الكاملة الصديقة بعنايته قبل ولادتها، ثم بعد ولادتها، ثم أثناء وضعها ابنها ووحيدها، فلما ضاقت بنفسها وما في بطنها ذرعًا، وهي تصارع آلام المخاض والطلق، وتمنت أنها ماتت قبل ذلك وكانت نسيًا منسيًا، ناداها من تحتها: {أن لا تحزني}، وقري عينًا، ودعي أمر الناس، فالله هو الذي سيتولى الدفاع عنك، على لسان هذا الصبي، الذي يستحيل في عقول البشر أن يتكلم في مهده.

أمر الله السيدة البتول أن تقول للناس: {إني نذرت للرحمن صومًا، فلن أكلم اليوم إنسيًا}، وكان معروفًا عندهم أن السكوت من العبادات المشروعة، فنهاها عن مخاطبتهم بشيء؛ لأنهم لن يصدقوها مهما حلفت وأغلظت في يمينها، ولو جاءت بكل شاهد، وليكون تبرئتُها بكلام عيسى في المهد، أعظمَ شاهد على براءتها؛ فإن إتيان المرأة بولد من دون زوج، ودعواها أنه من غير أحد، من أكبر الدعاوى التي لا تصدقها العقول؛ لأنه أمر خارق للعادة، فلا يكفي في إثباتها إلا بينة خارقة للعادة من جنسها، وهو كلام عيسى في الحال التي لا تتصور العقول كلام الأطفال فيها أبدًا.

فلما تعلَّت من نفاسها، وسلَّمت أمرها لربها، واستسلمت لقضائه، وعلمت أنها ستُكفى أمرها، وأنها لن تخاطِب أحدًا من الناس، خرجت بعيسى عليه السلام تحمله إلى قومها، غير مبالية ولا مكترثة، بل واثقة مطمئنة، قد حملته بين يديها، وألقمته ثديها.

فلما رأوها أعظموا ذلك منها، وبادروا إلى اتهامها بما هي بريئة منه، وقالوا كلمة عظيمة: {لقد جئت شيئًا فريًا}، وقاتلهم الله في ذلك، أما كان لهم أن يتثبتوا؟! وأن يسألوا قبل أن يتهموا، وهم يعرفون طهارتها، بل ويُقِرُّون بزهدها وورعها وشدة تعبدها لربها، وقد أنطق الله ألسنتهم بذلك فقالوا: {يا أخت هارون}، وكان لها أخ يقال له هارون، معروف بالعبادة والطاعة، {ما كان أبوك امرأ سوء، وما كانت أمك بغيًا}، فأهلُك أهلُ صلاح، وأبوك إمام ونبي من الأنبياء، فكيف وقع منك ذلك؟

وقاتلهم الله مرة أخرى، أما كان لهم من العقول ما يفكرون بها، ويتأملون حقيقة ما وقع منها، وينظرون إلى صلاحها واستقامتها، وصلاح أهلها، فيسألونها قبل أن يقولوا: {لقد جئت شيئا فريًا}؟!

فاستجابت لأمر ربها، ولم تجبهم بكلمة واحدة، وإنما أشارت إلى صبيها الذي في حجرها، فازدادوا غضبًا وتعجبًا، وقالوا: {كيف نكلم من كان في المهد صبيًا؟!!} فأنطق الله هذا الصبي في مهده، فقال: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتاني الكتاب وجعلني نبيًا وجعلني مباركًا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيًا وبرًا بوالدتي ولم يجعلني جبارًا شقيًا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيًا}.

أول شيء تكلم به السيد المسيح الوجيه أن نـزه جناب ربه تعالى وبرأه عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه، فليس فيه صفة يستحق بها أن يكون إلهًا، أو ابنًا للإله، تعالى الله عن قول النصارى المخالفين لعيسى علوًا كبيرًا، فأخبرهم بأنه عبد الله، وأن الله علمه الكتاب، وجعله من جملة أنبيائه، فهذا من كماله لنفسه، ثم ذكر تكميله لغيره؛ بأن الله جعله مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كان، من تعليم الخير والدعوة إليه، والنهي عن الشر، والدعوة إلى الله في أقواله وأفعاله، فكل من جالسه، أو اجتمع به، نالته بركته، وسعد بمصاحبته، وأن الله أوصاه بالقيام بحقوقه، التي من أعظمها الصلاة، وبحقوق عباده، التي أجلها الزكاة، مدة حياته، ووصاه أيضا ببر والدته، فيحسن إليها غاية الإحسان، ويقوم بما ينبغي لها، لشرفها وفضلها، ولكونها والدة له حق الولادة، وَلَمْ يَجْعَلْه جَبَّارًا متكبرًا على عبادة الله، مترفعًا على عباده، ولا شَقِيًّا في دنياه أو أخراه، بل جعله مطيعًا له خاضعًا خاشعًا متذللا متواضعًا لعباد الله، سعيدًا في الدنيا والآخرة، هو ومن اتبعه.

فلما تم له الكمال، ومحامد الخصال قال: {وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا}، فمن فضل الله وكرمه، أن حصلت له السلامة يوم ولادته، ويوم موته، ويوم بعثه، من الشر والشيطان والعقوبة، وذلك يقتضي سلامته من الأهوال، ودار الفجار، وأنه من أهل دار السلام، فهذه معجزة عظيمة، وبرهان باهر، على أنه رسول الله، وعبد الله حقًا.

{ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون}.

هذه ثاني معجزات سيدنا عيسى عليه السلام، فبعد أن ولد بلا أب، أنطقه الله في المهد، فقال تلك الكلمات العظيمة، التي أعلن فيها عبوديته لربه، وبراءة أمه، وأنه نبي يوحى إليه، وأن البركة والخير بين يديه، ثم تتابعت المعجزات على يدي المسيح عيسى بن مريم، فكان وهو في المهد يكلم الناس، يعلمهم الخير، ويدعوهم إلى الله، وآتاه الله علم الكتاب الذي عبثت به أيدي أحبار اليهود، فكان يحفظ التوراة كما أنزلها الله، ثم آتاه الله الإنجيل، وخفف به بعض الإصر والأغلال التي كانت على بني إسرائيل، فأحل لهم بعض ما حُرِّم عليهم.

وكان يخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طيرًا ذا روح يطير بإذن الله.

ويمسح على الأكمه، وهو الذي ولد أعمى فيبصر.

ويمسح على الأبرص فيشفى.

ويمسح على الميت فيحيا، بإذن الله.

ويخبر الناس بما أكلوا، وبما هم مدخرون في بيوتهم لغدهم.

إن هذه المعجزات العظيمة الباهرة، مع هذا العلم والمعرفة بشرع الله، وعدم التكبر على الخلق، وإعلان العبودية لله تبارك وتعالى، كلها دلائل على أنه رسول من عند الله حقًا.

إن علامة الصادق أن يكون خبره من جنس خبر الصادقين، يخبر بالصدق، ويأمر بالعدل من غير تخالف ولا تناقض، بخلاف من ادعى دعوى كاذبة، خصوصا أعظم الدعاوى وهي دعوى النبوة، فالكاذب فيها لا بد أن يظهر لكل أحد كذب صاحبها وتناقضه ومخالفته لأخبار الصادقين وموافقته لأخبار الكاذبين.

إن الله رحيم بعباده رؤوف بهم، يريد صلاحهم وهدايتهم، ويريد أن يتوب عليهم، فمن رحمته بهم أن بعث إليهم رسلا، وأنزل معهم كتبًا من عنده، تدلهم على الخير، وتبصرهم بالهدى، وتكشف لهم من أمور الغيب ما حجب عنهم، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، حين يكفرون بذلك كله، ويستكبرون عن عبادة ربهم، والانقياد لرسله، والاستجابة لأوامره، فيسعون لإطفاء نور الله، والقضاء على ما جاء من عنده، ولكن الله ينتصر لرسله، ولمن آمن بهم، ويجعلهم خلفاء الأرض، ويمكن لهم، ويبدلهم من بعدهم خوفهم أمنًا، ومن بعد ذلهم عزًا، ومن بعد ضعفهم قوة، يعبدونه لا يشركون به شيئًا.

   طباعة 
1 صوت

روابط ذات صلة

Separator

جديد المقالات

Separator
رأس مكارم الأخلاق - ركن المقالات