الجمعة 30 شهر رمضان 1441هـ الموافق 24 مايو 2020م

حياكم الله جميعا 

هذه قناتي في التليجرام ينشر فيها النتاج العلمي والفكري . 


قناة عبد السلام بن إبراهيم الحصين

غزوة تبوك فوائد ومواعظ 3/5

المقالة

Separator
غزوة تبوك فوائد ومواعظ 3/5
942 زائر
29-10-2011 12:11
د.عبد السلام بن إبراهيم الحصين

غزوة تبوك فوائد ومواعظ 3/5

لقد استجاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نداءه لغزو بلاد الروم، والخروج إلى تبوك، واجتمع له من أهل المدينة ومن حولهم من البوادي والأعراب قرابة ثلاثين ألف رجل، ومعه من الخيل عشرة آلاف فرس.

ثم خرج من المدينة وضرب عسكره على ثنية الوداع، واختار الأمراء، وعقد الألوية والرايات، وأمر كل بطن من الأنصار أن يتخذ لواء، ووزع الجيش توزيعًا دقيقًا؛ لتكون حركته خفيفة وسريعة، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، أي جعله أميرًا عليها، وخلَّف علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون، وطعنوا فيه، وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا وتخففًا منه، فلما قالوا ذلك أخذ علي سلاحه، ثم خرج حتى لحق برسول الله صلى الله عليه و آله وسلم، فأخبره بما قالوا، وقال: يا رسول الله أَتُخلِّفُني في الصبيان والنساء؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كذبوا، ولكني خلفتك لِمَا تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي))، فرجع علي رضي الله عنه.

فتأمل أخي المسلم كيف تجد هؤلاء المنافقين يستغلون كل حادثة للطعن في دين الله، وضرب المؤمنين بعضهم ببعض، واختلاق الكذب للصد عن دين الله تبارك وتعالى.

ثم لما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم تخلف عن الخروج معه عدد من المنافقين، قرابة ثمانين رجلا، منهم عبد الله ابن أبي بن سلول، وتخلف عن الخروج معه نفر من أصحابه ليسوا من أهل النفاق، وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وأبو خيثمة السالمي، وأبو ذر، وكان الصحابة يذكرون من تخلف لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكلما ذكروا أحدً له قال: ((دعوه، فإن يك فيه خير فسيُلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه)).

فأما أبو ذر فإن بعيره قد ضعف، ولم يطق أن يحمله، فأخذ أبو ذر متاعه على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ماشيًا، ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منزلاً فنظر ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله: ((كن أبا ذر))، فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، والله هو أبو ذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده)).

وأما أبو خيثمة فإنه بقي في المدينة بعد خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى تبوك أيامًا، فدخل حائطًا له في يوم حار، فإذا فيه عريشٌ قد رش بالماء، وفيه زوجته، وقد وضعت له ماء ورطبًا، فلما رأى ذلك قال: ما هذا بالإنصاف، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السموم والحميم، وأنا في الظل والنعيم، فقام إلى ناضح له فجهزه، وإلى تميرات فتزودها، فنادته زوجته: إلى أين يا أبا خيثمة؟! فلم يرد عليها، وخرج يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: حتى إذا كنت ببعض الطريق لحقني عمير بن وهب الجمحي، فترافقنا، ولم ندرك رسول الله إلا وهو قد نزل في تبوك، فقلت لعمير: إن لي ذنبًا، فلا عليك أن تَخَلَّفَ عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما طلع على العسكر قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كن أبا خيثمة))، فقالوا: والله يا رسول الله، هو أبو خيثمة، يقول: فجئت فسلمت وقلت: كدت أهلك يا رسول الله، فحدثته حديثي فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا ودعا لي.

فانظر أخي المسلم إلى هذين الرجلين، الذين عرَّضا أنفسهما للصعوبات والمخاطر، وتحلوا بالصبر، وهجروا ملاذ الدنيا، من أجل اللحاق برسول الله، والجهاد في سبيل الله، فأبو ذر خرج يمشي، حتى يلحق برسول الله، وأبو خيثمة ترك امرأته، وماله، والظل، والماء البارد، والرطب، وخرج وحده يقطع هذه الصحراء الموحشة، والمفازة المهلكة، ولم يدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا في تبوك، وقارن بين فعل هؤلاء الأخيار، وفعل أولئك المنافقين، الذين لا يكفيهم أن يتخلفوا عن رسول الله، ويجلسوا مع النساء والصبيان، بل زادوا على ذلك بلمز المؤمنين، والطعن فيهم، والنيل منهم، ووضع العراقيل أمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والإرجاف بهم، وقارن هذا بحالنا اليوم كيف ترى حال هؤلاء المنافقين، وهم ليس لهم همٌ إلا الطعن في دين الله، والنيل من المؤسسات الرسمية الدينية، وتضخيم أخطائها، وتصيد هفواتها، بغير قصد إصلاح ولا تصحيح، وإنما بقصد الذم والهدم.

واعلم أخي المسلم أن الرجل الصالح المؤمن قد تمر عليه فترات ضعف، يقل فيها إيمانه، ويضعف نور التوحيد في قلبه، ولكنه سرعان ما يراجع نفسه، ويقوِّي علاقته بربه، ويستعيذ به من شر الشيطان وشركه، كما قال تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}، أما المنافق؛ فإنه لا ينتفع بالمواعظ، ولا تأثر فيه المواقف، بل لا تزيده في بعض الأحيان ضلالا، نسأل الله العافية، إلا أن يمن الله عليه بالهداية والبصيرة.

وفي طريق النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أصاب الناس مجاعة، وشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا، فأكلنا وادهنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((افعلوا))، فجاء عمر فقال: يا رسول الله إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم))، فدعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه بالبركة، ثم قال: ((خذوا في أوعيتكم))، قال: فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوه، فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة)) رواه مسلم.

وهو في الطريق مر بمساكن ثمود، أصحاب الحجر، وقد كانوا ينحتون من الجبال بيوتًا فارهين، فأرسل الله إليهم أخاهم صالحًا، يدعوهم إلى الله وعبادته، فسألوه آية، فأرسل لهم الناقة، فكانوا يشربون من لبنها فتكفيهم كلهم، ثم إنهم عقروها، وكذبوا صالحًا، فأرسل الله عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظِر، فلما مر عليه الصلاة والسلام بمساكنهم نزل بها، واستقى الناس من آبارهم، وعجنوا ونصبوا القدور، فأمرهم بأن يهرقوا القدور، وأن يُعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم حتى نزل على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ثم قال لأصحابه: ((لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين؛ أن يصيبكم ما أصابهم))، وتقنَّع بردائه وهو على الرحل.

وفي هذا أعظم موعظة للناس أن عذاب الله تبارك وتعالى ليس بعيدًا عن الظالمين، ولكنهم يمهل لهم، ويمدهم في طغيانهم، حتى يعذر لهم، فلا يكون لهم حجة عليه، وقد أمدهم بالقوة والسمع والبصر، وأعطاهم المال، وسخر لهم كل شيء، يقول الله تبارك وتعالى: {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور، وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير}.

   طباعة 
1 صوت

روابط ذات صلة

Separator

جديد المقالات

Separator
رأس مكارم الأخلاق - ركن المقالات